مقالات

أنصفوا القضاء!/ جمال الحلو

القاضي م. جمال الحلو:
القاضي النبيل لا يحتاج إلى من يدافع عن نزاهته بقدر ما يحتاج القضاء إلى موقفٍ شجاع يحمي قدسيته من أن تشوّهها أخطاءُ قلةٍ عابرة.
في زمنٍ تكثر فيه علامات الاستفهام حول مؤسسات الدولة، وتتَعاظم فيه الحاجة إلى استعادة الثقة بالعدالة، تبرز مواقف تستحق التوقف عندها؛ لا لأنها صادرة عن شخصية قضائية فحسب، بل لأنها تحمل في طياتها جرأةً ومسؤوليةً وحرصًا صادقًا على صورة القضاء ودوره في المجتمع.
ومن هذه المواقف ما عبّرت عنه القاضية النبيلة والأصيلة، حياة عاكوم، في منشورٍ مميّز عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حين أكدت، في جوهر ما طرحته، أن فساد قاضٍ أو قاضيين لا يمكن أن يكون حكمًا على مؤسسة قضائية بأكملها، ولا يجوز أن يحجب صورة الأكثرية الصالحة من أصحاب العلم والكفاءة والضمير.
وهذه حقيقة ينبغي التشديد عليها؛ لأنّ التعميم ظلم، كما أن السكوت عن الخطأ ظلمٌ آخر.
فالقضاء اللبناني، والحق يُقال، يضم بين صفوفه قضاةً من خيرة أهل العلم والكفاءة والخبرة، ممن يؤدون رسالتهم بضميرٍ حيّ، ويتحمّلون مسؤوليةً من أدقّ المسؤوليات وأكثرها التصاقًا بحياة الناس وحقوقهم وحرّياتهم وأموالهم وكراماتهم. وهؤلاء يستحقون كل احترامٍ وتقدير، ولا يجوز أن يدفعوا ثمن أخطاء قلةٍ لا تمثّلهم، ولا تمثّل المؤسسة التي ينتمون إليها.
لكن، في المقابل، فإنّ القلّة التي قد تنحرف عن مقتضيات الرسالة القضائية، ولا سيما عندما تتولى مفصلًا قضائيًا مؤثرًا في حياة الناس الاجتماعية والمالية والإنسانية، لا ينبغي أن تُترك أخطاؤها بلا مساءلة.
فالموقع القضائي ليس امتيازًا شخصيًا، بل أمانة عامة.
والقاضي الذي يخلّ بقدسية رسالته، أو يستغل موقعه على نحوٍ يسيء إلى العدالة، يجب أن يخضع للمساءلة وفق الأصول، وأن ينال جزاءه مسلكيًا وجزائيًا متى ثبتت مسؤوليته، بعيدًا عن التشهير أو الانتقام أو تصفية الحسابات. فالمطلوب ليس الانتقام من أحد، وإنما حماية هيبة القضاء من الداخل، وصون ثقة الناس به، وإثبات أن القانون فوق الجميع.
ومن هنا، فإن كشف الخلل ومحاسبة المرتكب لا يضعف القضاء، بل يقويه.
بل إن المؤسسة القضائية العريقة تزداد مناعةً عندما تمتلك القدرة على تنقية صفوفها من أي ممارسة تسيء إلى رسالتها، وعلى مكافأة أصحاب الكفاءة والنزاهة، ورفع شأن المستحقين منهم.
وفي هذا السياق، يُسجَّل لمعالي وزير العدل موقفه، مع الأمل بأن تأخذ العدالة مجراها، وأن تكون كل معالجة ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية، بحيث لا يُظلم بريء، ولا يفلت مذنب من المساءلة.
إنها، في حقيقتها، دعوة مزدوجة: دعوة إلى تطهير الفساد، ودعوة إلى إنصاف الأكفاء.
ولا يجوز أن تكون مكافحة الفساد ذريعةً للنيل من القضاء ككل، كما لا يجوز أن تتحول المحافظة على هيبة القضاء إلى ستارٍ يحول دون محاسبة من يسيء إلى هذه الهيبة.
والعدالة لا تكتمل بجناحٍ واحد.
فإلى جانب القضاء تقف نقابة المحامين، الجناح الآخر في منظومة العدالة، وهي بدورها تضم كفاءاتٍ كبيرة، من نقيبٍ مميز وأعضاءٍ مميزين، إلى جانب كبار المحامين الأجلاء والأساتذة الذين كان لهم، ولا يزال، حضورٌ مشرف في الدفاع عن القانون والحقوق والحريات.
إن تكامل القضاء والمحاماة، واحترام كل منهما لدوره ومسؤوليته، هو أحد أهم ركائز دولة القانون. وحين يكون القاضي والمحامي شريكين في خدمة العدالة، لا خصمين في معركة المصالح، يستعيد المواطن شيئًا من ثقته بأن حقوقه لن تضيع بين النفوذ والتجاذبات.
لقد آن الأوان لأن نميّز بين القضاء كمؤسسة، وبين أي شخص قد يسيء استعمال موقعه داخلها.
فلا يجوز أن نحاكم مؤسسةً كاملة بسبب أخطاء أفراد، كما لا يجوز أن نحمي فردًا مخطئًا بحجة حماية المؤسسة.
القضاء النزيه لا يخشى المحاسبة، بل يطلبها عندما يكون الهدف منها إحقاق الحق.
والقاضي الشريف لا يضيرُه أن تُرفع القبعة احترامًا لموقفٍ جريء؛ لأنه يعرف أن هيبة القضاء الحقيقية لا تُصان بالصمت، وإنما بالنزاهة والشفافية والكفاءة وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
أما من تسوّل له نفسه العبث برسالة القضاء، أو استغلال موقعه للإضرار بالناس، فعليه أن يدرك أن للظلم نهاية، وأن للحق طريقًا قد يطول، لكنه لا يضيع.
وقد تتأخر عدالة الأرض، لكن عدالة السماء لا تتأخر، وإن كان مصير الظالم قد لا يظهر للعيان إلا بعد حين.
لذلك، فإن العنوان الذي ينبغي أن يعلو في هذه المرحلة هو:
أنصفوا القضاء.
أنصفوا القضاة الشرفاء، واحموا أصحاب الكفاءة، وساندوا كل يدٍ نظيفة تعمل من أجل العدالة.
وفي الوقت نفسه، لا تترددوا في محاسبة كل من تثبت إساءته إلى هذه الرسالة المقدسة، أيًا كان موقعه أو نفوذه.
فالقضاء ليس أشخاصًا.
القضاء قيمة، وأمانة، وميزان، وملاذٌ للمظلومين.
وإذا أردنا أن تستعيد الدولة هيبتها، فعلينا أن نبدأ من حيث يجب أن تكون العدالة في أعلى درجاتها: قضاءٌ قوي، مستقل، نزيه، يحاسب المخطئ، ويكافئ المُصيب، ويحمي حقوق الناس دون خوفٍ أو تردد.
وهذا هو الطريق الحقيقي إلى استعادة الثقة.
أنصفوا القضاء… ليبقى القضاء منصفًا للناس.
“محكمة” – الخميس في 2026/8/20

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!