قاضي الإيجارات في المتن:النزاع هو حول مدى تمديد قوانين تعليق المهل لآجال العقود واعتبار جائحة كورونا قوة قاهرة/جان تابت
المحامي جان تابت:
(تعليق على حكم القاضي المنفرد المدني في المتن الناظر في قضايا الإيجارات إميليو القزي – حكم رقم 2026/377، تاريخ 2026/9/30)
أولاً- في المقدمة:
1. بتاريخ 2026/9/30، أصدر حضرة القاضي المنفرد المدني في المتن الناظر في قضايا الإيجارات، الرئيس إميليو القزي، حكماً في نزاع قضائي تمحور حول مسألتين أساسيتين: الأولى، مدى جواز تعليق المهل العقدية وتمديد السنوات التأجيرية تبعاً لصدور قوانين تعليق المهل؛ والثانية، مدى اعتبار جائحة كورونا قوة قاهرة من شأنها إعفاء الملتزمين من تنفيذ موجباتهم التعاقدية. وقد وجدنا لزوماً، وإفادةً للحقوقيين، التعليق عليه، لا لمجرّد عرض ما قضى به، بل لما يثيره من أسئلة تتجاوز في أهمّيتها حدود النزاع الذي فصل فيه.
2. والواقع أنّ أهمية الحكم لا تكمن في كلّ من هاتين المسألتين منفردةً، بقدر ما تكمن في التقائهما عند سؤال واحد يمكن صياغته على النحو الآتي: هل تملك الظروف الاستثنائية، سواء تجلّت في تدخّل تشريعي يعلّق المهل أو في واقعة تستجمع شروط القوة القاهرة، أن تمسّ الإطار الزمني الذي ارتضاه المتعاقدان لعلاقتهما، فتعلّق مدّة العقد المحدّد الأجل أو تمدّدها، أم أنّ أثرها يقتصر على الموجبات التي ينطوي عليها هذا الإطار، دون أن يطال الإطار نفسه؟ وبعبارة أخرى، هل الزمن في العقد المستمرّ مجرّد مهلة لتنفيذ الموجبات يمكن تعليقها كسائر المهل، أم هو عنصر من عناصر مضمون العقد لا يُمسّ إلا بإرادة المتعاقدين أو بنصّ صريح من المشترع؟ لقد اختار الحكم الجواب الثاني بوضوح، وهو جواب نراه سليماً في مبدئه.
3. وعليه، نعرض وقائع النزاع وإجراءاته (ثانياً)، ثم نتناول مسألة أثر قوانين تعليق المهل على مدّة العقد وما يترتّب عليها من انقضاء العقد بحلول أجله (ثالثاً)، فمسألة القوة القاهرة وما رتّبه الحكم عليها (رابعاً)، لنختم ببيان الأثر العملي للحكم والمسائل التي يتركها مفتوحة (خامساً).
ثانياً- في الوقائع والإجراءات:
4. تتلخّص وقائع النزاع، كما يتبيّن من الحكم، في أنّ المدعي، الذي كان يعمل منذ ما يزيد على ثلاثين عاماً في مجال الصيانة العامة لدى مدرسة خاصة معروفة في المتن، تقدّم خلال العام 2017 باقتراح إلى إدارة المدرسة يقضي بأن يموّل إنشاء كافيتيريا ضمن حرمها تتولّى تحضير الوجبات الجاهزة المخصّصة لتلامذة الصفوف الابتدائية (Hot Meal)، مقابل أن يتفرّغ لإدارتها وأن تعود إليه الأرباح المحقّقة بعد حسم المصاريف. فاعتمدت المدرسة المشروع وجعلت تسديد ثمن الوجبة إلزامياً على أولياء التلامذة.
5. وبتاريخ 2018/10/10، وقّع الفريقان عقداً سُمّي “عقد إيجار”، وسُمّي ملحقه لاحقاً “ملحق عقد الاستثمار”، واقعاً على الكافيتيريا الكائنة في الطابق الأرضي من مبنى المدرسة. وقد حدّد البند الرابع مدّته بأربع سنوات تبدأ في 2017/8/1 وتنتهي في 2021/7/31، أي بمفعول رجعي، وألزم المستأجر بتسليم الكافيتيريا مع تجهيزاتها في نهاية المدّة. وحدّد البند الخامس بدلاً سنوياً قدره ثلاثون مليون ليرة لبنانية “آخذاً بعين الاعتبار” مساهمة المستأجر في إعداد المأجور، البالغة 291 مليون ليرة بحسب مقدّمة العقد، ونصّ على عدم أحقّيته في المطالبة بأيّ بدل أو تعويض عن هذه المساهمة. وحدّد البند السابع الرسم السنوي الذي تستوفيه المدرسة من كلّ تلميذ لقاء الوجبات “طيلة السنة الدراسية” وتسدّده للمستأجر على ثلاث دفعات، على أن يتحمّل هذا الأخير وحده الخسارة في حال عدم دفع الأولياء بدل الاشتراك. ومنع البند السادس المستأجر من إشراك الغير في الإشغال، وأخضع البند الثاني عشر العقد للقانون رقم 92/159 ولقانون الموجبات والعقود.
6. ولم يستثمر المدعي الكافيتيريا منفرداً؛ إذ يتبيّن أنّه أشرك فيها، منذ البداية، شخصاً آخر، ثمّ حلّ محلّ هذا الأخير، بموجب اتفاق ثلاثي، شريك لاحق أصبح، بموجب ملحق عقد الاستثمار المؤرّخ في 2019/9/6، فريقاً ثانياً إلى جانب المدعي مناصفةً، وتولّت زوجته الإدارة الفعلية للكافيتيريا، في حين استمرّ المدعي في عمله الأساسي في الصيانة، مكتفياً، بحسب المدرسة، بقبض حصّته من الأرباح.
7. وعلى أثر القرارات الحكومية المتّخذة لمواجهة جائحة كورونا، أوقفت المدرسة الحضور اليومي وانتقلت إلى التعليم عن بُعد بموجب تعميم صادر في 2020/3/7 حتى نهاية العام الدراسي 2019-2020، ثمّ اعتمدت في مطلع العام الدراسي 2020-2021 التعليم عن بُعْد بالكامل حتى 2020/9/28، فالنظام الهجين لاحقاً، القائم على تناوب مجموعتين من التلامذة بين التعليم الحضوري والتعليم عن بُعد. وقد أقرّ المدعي، في استجوابه الحاصل في 2026/4/15، بأنّه لم يسدّد بدلات الإيجار العائدة للسنتين الأخيرتين من العقد، معلّلاً ذلك بإقفال المدرسة. وعند انتهاء المدّة في 2021/7/31، لم تجدّد المدرسة العقد، وسلّمت الكافيتيريا، اعتباراً من العام الدراسي 2021-2022، إلى الشريك اللاحق منفرداً.
8. فتقدّم المدعي بدعواه طالباً إعلان مسؤولية المدرسة عن فسخ عقد الإيجار بصورة غير رضائية، واعتبار العلاقة التعاقدية ممدّدة حكماً لعامين دراسيين إضافيين هما 2021-2022 و2022-2023، وإلزامها بأن تدفع له مبلغ مئة ألف دولار أميركي تعويضاً عن الربح الفائت وعن العطل والضرر، وتعيين خبير للكشف على مداخيلها من اشتراكات التلامذة في الوجبات الغذائية خلال هاتين السنتين. واستند في ذلك إلى أنّ مدّة العقد هي أربع سنوات دراسية فعلية لا عددية، لارتباط تنفيذه بحضور التلامذة الفعلي، وإلى أنّ إقفال المدارس شكّل قوة قاهرة أقرّت بها المدرسة نفسها، وإلى أنّ قوانين تعليق المهل آمرة وشاملة لجميع المهل العقدية وتتوافق مع المبدأ العام الوارد في المادة 356 م.ع. بشأن وقف سريان مرور الزمن، ما يوجب تعليق سريان مدّة العقد طيلة الفترة الممتدّة من 2019/10/18 حتى 2021/3/31، وتمديده تبعاً لذلك بما يوازي سنتين دراسيتين، إعادةً للتوازن بين الموجبات.
9. وفي المقابل، طلبت المدرسة ردّ الدعوى، مدليةً بأنّ العقد انتهى بحلول أجله المتّفق عليه، فلا يُعدّ انتهاؤه فسخاً بل انتهاءً توافق عليه الفريقان، وبأنّ قوانين تعليق المهل لا تمدّد آجال العقود بل تعلّق المهل الممنوحة لممارسة الحقوق فحسب، وبأنّ عبارة “السنة الدراسية” الواردة في البند السابع تتعلّق بالرسم المتوجّب على التلامذة لا بأجل العقد، وبأنّ المدعي التزم بموجب البند الخامس بعدم المطالبة بأيّ تعويض عن مساهمته، وبأنّ الإقفال شكّل قوة قاهرة ناجمة عن قرار إداري ملزم (fait du prince) أدّى، سنداً للمادتين 243 و341 م.ع.، إلى سقوط موجبات الفريقين، لا سيّما وأنّ المدعي أقرّ بعدم تسديد بدلات الإيجار عن السنتين الأخيرتين، فضلاً عن أنّه خالف العقد بإدخاله شريكين على التوالي. كما طلبت تعيين خبير محاسبة والاستماع إلى شهود.
10. وبعد أن ردّ الدفع بعدم الاختصاص المكاني بقرار صادر في 2025/10/30، قضى الحكم المعلّق عليه بردّ الدعوى برمّتها، وبردّ طلبات تعيين الخبراء والاستماع إلى الشهود لعدم وجود ما يبرّرها، وبتضمين المدعي النفقات كافة. وقد بنى قضاءه على ثلاثة أسس متتالية: أوّلها أنّ قوانين تعليق المهل لا تمدّد مدّة عقد الإيجار، وثانيها أنّ عدم التجديد عند حلول الأجل ليس فسخاً غير رضائي، وثالثها أنّه، وإن شكّلت الجائحة قوة قاهرة، فإنّ المدعي الذي أقرّ بعدم تسديد البدلات لا يسعه المطالبة بالتعويض.
ثالثاً- في تطبيق مبدأ أنّ قوانين تعليق المهل لا تمدّد العقود المحدّدة الأجل:
11. إنطلق الحكم من نصّ المادة 590 م.ع. التي تقضي بأنّ إجارة الأشياء تنتهي حتماً عند حلول الأجل المتّفق عليه بدون حاجة إلى طلب التخلية، مع مراعاة الاتفاق المخالف إذا وُجد. ثمّ لاحظ أنّ القانون رقم 160 تاريخ 2020/5/8، الذي مُدّد العمل بأحكامه بقوانين لاحقة، علّق اعتباراً من 2019/10/18 سريان جميع المهل القانونية والقضائية والعقدية “الممنوحة لأشخاص الحقّين العام والخاص بهدف ممارسة الحقوق على أنواعها”، سواء كانت شكلية أو إجرائية أو امتدّ أثرها إلى أساس الحقّ، مستثنياً المهل القضائية التي يترك القانون للقاضي تقديرها؛ وأنّ القانون رقم 212 تاريخ 2021/1/16 علّق المهل نفسها طوال فترة الإغلاق الكامل المعلنة استناداً إلى المرسوم رقم 7315 تاريخ 2020/12/31، أي من 2021/1/14 حتى 2021/2/7، قبل مرحلة التخفيف التدريجي التي انتهت في 2021/3/22.
12. ثمّ أرسى الحكم قاعدته على مقدّمتين: الأولى أنّ عقد الإيجار من العقود المستمرّة التي يستغرق تنفيذها مدّة زمنية معيّنة، فهو من عقود المدّة التي يُعتبر الزمن فيها عنصراً جوهرياً يرتبط بكلّ من المنفعة والأجرة، بحيث تمتدّ منفعة الإيجار في الزمان وتُحتسب الأجرة على أساس مدّة الانتفاع، فتكون المدّة في عقد الإيجار مقصودة لذاتها. والثانية أنّ هذه المدّة لا يمكن تعليقها إلا بموجب نصّ قانوني صريح يمدّد العمل بعقود الإجارة، على غرار قوانين الإيجارات الاستثنائية التي علّقت مدد عقود الإيجار طيلة فترات زمنية معيّنة حدّدتها صراحةً، وهو ما ليس متوافراً في قوانين تعليق المهل الهادفة فقط إلى حماية حقّ كلّ من لم يستطع أن يمارس حقّه خلال مهل زمنية معيّنة بسبب ظروف صحية أو أمنية استثنائية، ناهيك عن أنّ هذه القوانين تتعلّق بممارسة الحقوق ولا تمسّ ثوابت عقد الإيجار كماهية المأجور وقيمة بدل الإيجار ومدّة العقد، ولا تتناول، بحسب تعبير الحكم، “من قريب أو من بعيد مسألة مدّة نفاذ العقود”. واستبعد الحكم، في السياق ذاته، الحجّة المستمدّة من أنّ مدّة العقد هي أربع سنوات دراسية فعلية لا عددية، معتبراً أنّ البند الرابع حدّد المدّة بتاريخَي بدء وانتهاء صريحين، وأنّ عبارة “طيلة السنة الدراسية” الواردة في البند السابع مرتبطة بالرسم السنوي المستوفى من التلامذة لقاء الوجبات ولا علاقة لها بأجل العقد.
13. واستكمالاً لهذا المنطق، رفض الحكم أيّ تدخّل قضائي لإعادة التوازن إلى الموجبات المتبادلة، معتبراً أنّ الفقرة الأولى من المادة 221 م.ع.، التي تكرّس القوة الإلزامية للعقد، لا تناقضها الفقرة الثانية التي تقضي بأن تُفهم العقود وتُفسَّر وتُنفَّذ وفقاً لحسن النيّة والإنصاف والعرف، إذ ليس في القانون اللبناني نصّ يجيز للقاضي استبعاد مبدأ العقد شريعة المتعاقدين كلّما طرأت أحداث استثنائية غير متوقّعة، ولا إحلال الإنصاف وحسن النيّة محلّ المشترع في تقرير قاعدة تجيز تعديل بنود العقد(1). ولاحظ أنّ المشترع، رغم الأزمة المالية والنقدية منذ أواخر العام 2019 وجائحة كورونا في مطلع العام 2020، لم يتّخذ أيّ خطوة تمكّن القاضي من إعادة النظر في العقود، واكتفى بقوانين تعليق المهل.
14. والحقّ أنّ القاعدة التي أرساها الحكم تقوم، في جوهرها، على تمييز دقيق، وإن لم يصرّح به بمصطلحاته، بين مفهومين كثيراً ما يختلطان في لغة التعامل: “المهلة” (le délai) و”مدّة العقد” أو أجله المُسقِط (la durée du contrat, le terme extinctif). فالمهلة، بالمعنى الذي تعنيه قوانين التعليق، هي حيّز زمني يُمنح لشخص كي يمارس فيه حقّاً أو يقوم فيه بعمل، ويترتّب على انقضائه دون ممارسة الحقّ سقوطُه أو تحقّق جزاء ما؛ فهي، بطبيعتها، أداة ضبط لممارسة الحقّ، وفواتُها يرتّب أثراً سلبياً على من لم يتصرّف في حينه. أمّا مدّة العقد، فهي الإطار الزمني الذي يتحدّد فيه نطاق الموجبات ذاتها، ويُقاس به، في العقود المستمرّة، محلّ الموجب نفسه: فالمؤجّر لا يلتزم بتمكين المستأجر من الانتفاع “خلال مهلة”، بل يلتزم بانتفاع يمتدّ لمدّة، والبدل يُحتسب على أساسها. ومن ثمّ، فإنّ حلول الأجل المسقط لا يُسقط حقّاً لم يُمارَس، بل يستنفد حقّاً كان قابلاً للممارسة طيلة المدّة المتّفق عليها. وبهذا المعنى، كان الحكم مصيباً حين وصف المدّة بأنّها “مقصودة لذاتها”: فهي ليست ظرفاً زمنياً لتنفيذ الموجب، بل جزء من تعريف الموجب نفسه. وهو تمييز تكرّسه صراحةً التشريعات الحديثة التي أفردت لعقود المدّة أحكاماً خاصة، كما فعل القانون المدني الفرنسي بعد إصلاح العام 2016، إذ يفرض على كلّ فريق في العقد المحدّد المدّة تنفيذه حتى أجله، ويقرّر أنّه لا يحقّ لأحد أن يطالب بتجديده(2).
15. ويجد هذا التمييز سنده في نصّ القانون رقم 2020/160 نفسه. فالمشترع، وإن أدرج “المهل العقدية” صراحةً في نطاق التعليق، فإنّه قيّدها بغايتها، إذ لم يعلّق كلّ مدّة ذات مصدر عقدي، بل المهل “الممنوحة … بهدف ممارسة الحقوق”. ومن أمثلة المهل العقدية التي يشملها النصّ دون عناء: مهلة الإنذار المسبق لإنهاء عقد غير محدّد المدّة، ومهلة ممارسة الخيار في الوعد بالبيع أو بالإيجار، ومهلة الإعلام بعدم الرغبة في التجديد في العقود القابلة للتجديد الضمني، والمهلة المحدّدة لتنفيذ موجب قبل أن يُعمَل البند الفسخي الصريح أو البند الجزائي. فهذه كلّها مهل يترتّب على فواتها سقوط حقّ أو قيام جزاء، وهي التي قصد المشترع حماية أصحابها من نتائج انقضائها في ظروف حالت دون التصرّف. أمّا أجل عقد الإيجار، فلا يُمنح للمستأجر “بهدف ممارسة حقّ” يسقط بانقضائه، بل هو حدّ زمني لحقّ الانتفاع ذاته. فالتعليق يحمي ممارسة الحقّ من أن يُفقد بفعل الزمن، ولا يزيد في مضمون الحقّ ما لم يكن فيه. ولو تضمّن العقد موضوع النزاع بنداً للتجديد الضمني مقروناً بمهلة للإعلام بعدم الرغبة في التجديد، وصادف انقضاء هذه المهلة فترة التعليق، لكان ثمّة محلّ جدّي للبحث في انطباق قوانين التعليق عليها؛ غير أنّ العقد خلا من أيّ بند من هذا القبيل، فبقي النزاع محصوراً في الأجل المسقط وحده.
16. ويعزّز سلامة هذه القراءة أمر لم يُشِر إليه الحكم، وإن كان قائماً في معطيات الملف. فالقانون رقم 2020/160 جعل بدء التعليق في 2019/10/18، وهو تاريخ مرتبط بالأحداث التي شهدها لبنان في خريف ذلك العام وبما رافقها من شلل في المرافق والمصارف، لا بجائحة كورونا التي لم تؤدِّ إلى إقفال المدرسة إلا في 2020/3/7. فلو صحّ أنّ قوانين التعليق توقف سريان مدّة العقد، لوجب أن يُمدَّد العقد بفترات كانت الكافيتيريا خلالها تعمل بصورة طبيعية، وهو ما يكشف أنّ هذه القوانين لم توضع لتعويض “الزمن الضائع” في تنفيذ العقود، بل لحماية أصحاب الحقوق من سقوطها. بل إنّ طلب المدعي نفسه يفضح هذا التنافر: فهو طلب تعليق المدّة من 2019/10/18 حتى 2021/3/31، أي لما يقارب سبعة عشر شهراً ونصف الشهر، ثمّ خلص إلى طلب تمديد العقد لسنتين دراسيتين كاملتين “إعادةً للتوازن بين الموجبات”. وفي هذا الانتقال من منطق التعليق، وهو منطق حسابي آلي، إلى منطق إعادة التوازن، وهو منطق تقديري إنصافي، ما يدلّ على أنّ الدعوى، في حقيقتها، لم تكن دعوى تطبيق لقوانين التعليق، بل طلباً مقنّعاً لتعديل العقد قضائياً، وهو ما أحسن الحكم صنعاً حين ردّه إلى أصله، أي إلى مسألة الظروف الطارئة.
17. ثمّ إنّ المقارنة التي أجراها الحكم مع قوانين الإيجارات الاستثنائية حجّة متينة في منطق التفسير بمفهوم المخالفة a contrario : فالمشترع اللبناني يعرف، بحكم تقليد تشريعي طويل، كيف يمدّد عقود الإيجار حكماً حين يريد ذلك، ويفعله بنصوص صريحة تحدّد نطاق التمديد وشروطه؛ فإذا سكت عن ذلك في قوانين تعليق المهل، فلا يجوز استنباط تمديد لم يقصده. يُضاف إلى ذلك أنّ القراءة المعاكسة كانت ستمتدّ، بحكم عمومية النصّ، إلى جميع العقود المحدّدة المدّة التي صادف سريانها فترات التعليق، من إيجار وعمل وامتياز وتوزيع وتأمين، ولكان التمديد مفروضاً على الطرفين معاً، وهي نتيجة تقلب استقرار المعاملات ولا يُعقل أن يكون المشترع قد أرادها ضمناً.
18. ولا يختلف الأمر إذا نُظر إلى المسألة من زاوية القوة القاهرة المؤقّتة. فالقانون المدني الفرنسي، منذ إصلاح العام 2016، يقضي بأنّه إذا كان المانع مؤقّتاً، عُلّق تنفيذ الموجب، ما لم يكن التأخير الناتج عنه مبرّراً لفسخ العقد(3)؛ والتعليق هنا يطال “تنفيذ الموجب”، لا أجل العقد. وتعبّر عن المبدأ ذاته، في مجال مختلف، المادة L. 1243-6 من قانون العمل الفرنسي التي تنصّ على أنّ تعليق عقد العمل المحدّد المدّة لا يحول دون حلول أجله(4). فتعليق الموجبات في عقد محدّد المدّة لا يعني إرجاء أجله: فالزمن الذي يمضي خلال التعليق يمضي على العقد، لا خارجه.
19. غير أنّ الإقرار بسلامة القاعدة لا يعفي من ملاحظة حدود التعليل الذي أسندها. فالقول بأنّ المدّة “مقصودة لذاتها” صحيح من حيث الطبيعة القانونية، لكنّه لا يستنفد الوظيفة الاقتصادية التي أدّتها المدّة في هذا العقد بالذات. فقد كانت السنوات الأربع، بإقرار البند الخامس نفسه، مدّةَ استهلاك لاستثمار موّله المستأجر، وقد رُوعي هذا الاستثمار في تحديد البدل. ومن ثمّ، فإنّ اقتطاع جزء معتبر من مدّة الاستثمار الفعلي بفعل الإقفال قد أصاب التوازن الاقتصادي الذي بُني عليه العقد. وهذا لا يجعل من المدّة مهلة قابلة للتعليق، ولكنّه يكشف أنّ السؤال الحقيقي الذي طرحه النزاع لم يكن: “هل عُلّقت المدّة؟”، بل: “على من تقع تبعة الزمن الذي تعذّر فيه الاستثمار؟”.
20. أمّا الحجّة المستمدّة من أنّ المدّة هي أربع سنوات دراسية “فعلية لا عددية”، فتستحقّ وقفة خاصة، لأنّها تطرح مسألة تفسير لا مسألة تعليق. وقد ردّها الحكم بالاستناد إلى وضوح البند الرابع الذي حدّد تاريخَي البدء والانتهاء، وهو موقف ينسجم مع القاعدة المستقرّة القاضية بعدم جواز تفسير البنود الواضحة، تحت طائلة تحريفها، وهي قاعدة كرّستها محكمة التمييز الفرنسية منذ القرن التاسع عشر، ويأخذ بمضمونها قانون الموجبات والعقود في أحكامه المتعلّقة بتفسير العقود (المواد 366 وما يليها م.ع.).
21. ويتّصل بما تقدّم ما قرّره الحكم بشأن رفض نظرية الظروف الطارئة. والحقّ أنّ موقفه في هذا الشأن ينسجم مع الاجتهاد اللبناني المستقرّ الذي يرفض، في مجال القانون الخاص، تخويل القاضي سلطة تعديل العقد لاختلال توازنه بفعل حوادث استثنائية، تمسّكاً بالقوة الإلزامية للعقد المكرّسة في المادة 221 م.ع.، وهو الموقف الذي سبق أن اعتمدته محكمة التمييز الفرنسية في قرارها الشهير في قضية “قناة كرابون”. كما أنّ تأكيد الحكم أنّ حسن النيّة المذكور في الفقرة الثانية من المادة 221 م.ع. لا يجيز للقاضي إحلال الإنصاف محلّ إرادة المتعاقدين يلتقي مع ما قضت به الغرفة التجارية لدى محكمة التمييز الفرنسية من أنّ قاعدة التنفيذ بحسن نيّة، وإن كانت تجيز للقاضي معاقبة الاستعمال غير الأمين لصلاحية عقدية، فإنّها لا تخوّله المساس بجوهر الحقوق والموجبات المتّفق عليها قانوناً بين الفريقين(5).
22. على أنّ التمسّك برفض نظرية الظروف الطارئة لم يكن، في تقديرنا، الأداة الأنسب لحسم طلب المدعي. فهذه النظرية، في صيغتها التقليدية تعالج حالة يصبح فيها تنفيذ الموجب مرهقاً إرهاقاً مفرطاً، أي حالة اختلال في كلفة الأداء. أمّا وضع المدعي، فلم يكن وضع مدين أُرهق تنفيذ موجبه، بل وضع دائن فقد، لفترة، المنفعة التي تعاقد من أجلها، أي ما تسمّيه بعض الأنظمة “زوال الغاية من العقد” (frustration of purpose)، وهو مفهوم أقرب إليه القانون الإنكليزي منذ قضية(6) Krell v Henry ، وقد سعى جانب من الاجتهاد الفرنسي إلى مقاربته من خلال تقدير السبب في مرحلة التنفيذ(7). والأهمّ أنّ أيّاً من هذه المقاربات، حتى في الأنظمة التي تقبلها، لا يقود إلى تمديد أجل العقد بقرار قضائي، بل إلى انحلاله أو، في أحسن الأحوال، إلى إعادة تحديد البدل. فطلب التمديد كان، في جميع الأحوال، يتجاوز ما تسمح به الأدوات المعروفة في القانون المقارن لمعالجة الظروف الاستثنائية، وهو ما يمنح الحلّ الذي انتهى إليه الحكم صلابة تتجاوز الحجج التي ساقها.
23. ويترتّب على ما تقدّم نتيجة منطقية أقرّها الحكم حين ردّ طلب إعلان مسؤولية المدرسة عن “فسخ” العقد. فما دامت مدّة العقد لم تُعلّق ولم تُمدّد، فإنّ العقد قد انقضى بحلول أجله في 31/7/2021، ويكون للمدرسة الحقّ في عدم تجديده، إذ إنّ التجديد يفترض توافق إرادتَي الطرفين ولا يُلزَم به أحدهما في غياب اتفاق صريح أو نصّ قانوني، والعقد لم يتضمّن أيّ بند يمنح المستأجر حقّاً في التجديد. فالفسخ أو الإنهاء بالإرادة المنفردة يفترض عقداً قائماً يُوضع له حدّ قبل أوانه، في حين أنّ العقد هنا كان قد استنفد مدّته، فلم يكن ثمّة ما “يُفسخ”. ووصف المدعي لعدم التجديد بأنّه “فسخ غير رضائي” لم يكن إلا امتداداً لفرضية التمديد الحكمي، فلمّا سقطت الفرضية سقط معها الوصف. ويلتقي الحكم في ذلك مع القاعدة التي كرّسها القانون المدني الفرنسي صراحةً من أنّه لا يحقّ لأيّ من الفريقين المطالبة بتجديد العقد المحدّد المدّة(8). كما استند الحكم إلى البند الخامس من العقد، الذي منع المستأجر من المطالبة بأيّ تعويض عن مساهمته في إنشاء الكافيتيريا وتجهيزها، معتبراً أنّه ارتضى، عند التعاقد، تحمّل مخاطر هذا الإنفاق دون أن ينشأ له حقّ في تمديد العقد خلافاً للمدّة المتّفق عليها؛ وهو ما يؤكّد مجدّداً أنّ مسألة استهلاك الاستثمار مسألة توزيع مخاطر حسمها العقد، لا مسألة مدّة.
رابعاً- في اعتبار جائحة كورونا قوة قاهرة حالت دون تنفيذ أيّ من الفريقين لموجباته التعاقدية وحرّرت كلاً منهما من هذا الموجب:
24. انتقل الحكم بعد ذلك إلى طلب التعويض، فانطلق من المادة 341 م.ع. التي تقضي بسقوط الموجب “إذا كان، بعد نشأته، قد أصبح موضوعه مستحيلاً من الوجه الطبيعي أو الوجه القانوني بدون فعل أو خطأ من المديون”، ومن المادة 342 م.ع. التي تلقي على المديون عبء إثبات القوة القاهرة، مع إبقاء متّسع للدائن لإثبات أنّ الطارئ كان مسبوقاً أو مصحوباً بخطأ من المديون كإبطاء في التنفيذ، فيظلّ الموجب قائماً. واعتبر أنّ القوة القاهرة حدث خارجي عن إرادة المتعاقدين لا يمكن توقّعه ولا التغلّب عليه، وأنّه لا يُشترط لتطبيقها إعلانها بقرار تنظيمي أو مرسوم، بل يكفي توافر شروطها.
25. ورتّب الحكم على القوة القاهرة تحرير المدين من موجباته دون أيّ مسؤولية عليه جزاء عدم التنفيذ، على أن يقع عليه عبء إثبات السبب الأجنبي، ويبقى للدائن أن يثبت أنّ الاستحالة ناجمة عن تأخّر المدين وإبطائه لكي يبقى الالتزام قائماً.
26. ثمّ ذكّر بالشروط الثلاثة المجتمعة للقوة القاهرة: عدم توقّع الحدث عند التعاقد، مقيساً بمعيار موضوعي هو معيار الرجل العادي لو وُجد مكان المتعاقد؛ وعدم إمكانية دفعه أو تجنّب آثاره بالتدابير اللازمة؛ وأن يكون أجنبياً لا يد للمتعاقدين فيه، وإلّا تحمّل المدين المسؤولية. وخلص إلى أنّ جائحة كورونا تستجمع هذه الشروط، إذ لم يكن بوسع أيّ متعاقد سابق على انتشارها أن يتوقّعها، ولم يكن بالإمكان درء مخاطرها، وهي ذات طابع خارجي لم يتسبّب بها أيّ من الفريقين، فيكون إقفال المدرسة خلال فترة الجائحة ناجماً عن قوة قاهرة.
27. وبنى الحكم على ذلك أنّه، طالما ثبت توافر حالة القوة القاهرة، فلا يمكن نسبة أيّ إخلال بموجبات العقد إلى أيّ من طرفيه خلال فترة الإقفال، طالما أنّ تنفيذ الالتزامات العقدية كان متعذّراً أو مستحيلاً بفعل ظرف أجنبي خارج عن إرادتهما. لكنّه أضاف، “وعلى أيّ حال”، أنّ المدعي، في مقابل ما يدّعيه من حرمانه من الأرباح التي كان يأمل تحقيقها، قد أقرّ بعدم تسديده بدلات الإيجار عن السنتين الأخيرتين من مدّة العقد، الأمر الذي حرم المدعى عليها بدورها من استيفاء البدلات المتوجّبة لها عن سنتين كاملتين، “بما يشكّل إخلالاً من جانب المدعي بموجباته العقدية”؛ وأنّ المدعي، والحال هذه، لا يكون في موقع الفريق الذي نفّذ موجباته وغير المخلّ بها، بحيث لا يسعه أن يطالب المدعى عليها بالتعويض عن إخلال مزعوم بموجباتها في حين أنّه لم يفِ، من جانبه، بالتزاماته الناشئة عن العقد.
28. يستدعي هذا الشقّ من الحكم ملاحظة أولى تتعلّق بطريقة إعمال القوة القاهرة. والحال أنّ القوة القاهرة ليست صفة تلحق بالحدث في ذاته، بل علاقة بين حدث وموجب: فالسؤال ليس “هل الجائحة قوة قاهرة؟”، بل “هل جعلت الجائحة، أو التدابير المتّخذة لمواجهتها، تنفيذ هذا الموجب المعيّن مستحيلاً على هذا المدين المعيّن؟”، والمادة 341 م.ع. نفسها تجعل محلّ الاستحالة “موضوع الموجب” لا العقد في جملته. وقد تفادت محكمة التمييز الفرنسية، في قراراتها المتعلّقة ببدلات الإيجار التجارية خلال فترات الإقفال، وصف الجائحة بالقوة القاهرة على نحو عام، وانصرفت إلى فحص كلّ آلية قانونية في ضوء الموجب المعنيّ وصفة من يتمسّك بها(9). ثمّ إنّ الحدث المؤثّر في النزاع لم يكن الوباء بذاته، بل قرارات الإقفال الحكومية التي فرضت وقف الحضور في المؤسسات التعليمية، وهو ما كان يقتضي أن يُبنى عليه التحليل.
29. أمّا الملاحظة الثانية، وهي جوهرية، فتتعلّق بتحديد الموجب الذي أصابته الاستحالة. وهنا يتعيّن التمييز بين قراءتين للعقد. فإذا اعتُبر العقد عقد إيجار محضاً، كما سمّاه الفريقان وكما عامله الحكم حين أعمل المادة 590 م.ع.، فإنّ موجب المؤجّرة الأساسي، أي وضع المأجور بتصرّف المستأجر وضمان انتفاعه به، لم يصبح مستحيلاً بالمعنى الدقيق، إذ بقيت الكافيتيريا قائمة وتحت يد المستأجر؛ والذي أصيب هو المستأجر بوصفه دائناً بالانتفاع، إذ تعذّر عليه أن يجني من المأجور المنفعة الاقتصادية التي تعاقد من أجلها. وفي هذه القراءة، يلتقي الحلّ مع ما استقرّ عليه الاجتهاد الفرنسي من أنّ الدائن الذي لم يتمكّن من الإفادة من الأداء الذي يحقّ له لا يسعه التمسّك بالقوة القاهرة للحصول على فسخ العقد أو تعليق موجبه(10)، وأنّ مدين الموجب النقدي لا يسعه، مبدئياً، التحرّر منه بالتذرّع بالقوة القاهرة.
30. أمّا إذا نُظر إلى العقد في حقيقته الاقتصادية، فإنّه يبدو أقرب إلى عقد مركّب أو غير مسمّى، يجمع بين إيجار المكان وامتياز تقديم خدمة المطعم المدرسي: فالمدرسة لم تكتفِ بتأجير الكافيتيريا، بل جعلت الوجبة إلزامية على التلامذة، وتولّت، بموجب البند السابع، استيفاء رسوم الاشتراك وتسديد حصّة المستأجر منها على دفعات، أي أنّها كانت تؤمّن له، فعلياً، الزبائن والمداخيل. وفي هذه القراءة، لا تكون الكافيتيريا مكاناً عادياً يتأثّر استثماره بتدبير عام “لا صلة مباشرة له بالوجهة التعاقدية للمأجور”، وهو الاعتبار الذي بنت عليه محكمة التمييز الفرنسية قراراتها المشار إليها؛ بل إنّ وجهة المأجور مرتبطة عضوياً بتشغيل المدرسة ذاتها، والمؤجّرة هي نفسها المؤسسة التي أُقفلت. ومن ثمّ، فإنّ موجب المدرسة بتأمين اشتراكات التلامذة وتسديد حصّة المستأجر منها هو الذي أصبح مستحيلاً بفعل الإقفال، وتسقط معه، عملاً بالمادة 243 م.ع.، الموجبات المقابلة له، ومنها موجب تسديد البدل، كما لو كان العقد منحلّاً حتماً في حدود الفترة المعنيّة.
خامساً- في الأثر العملي للحكم والمسائل التي يتركها مفتوحة:
31. تتجاوز أهمية الحكم النزاع الذي فصل فيه، إذ إنّ القاعدة التي أرساها، أي أنّ قوانين تعليق المهل لا تمسّ مدد العقود المحدّدة الأجل، مرشّحة للتطبيق على كلّ تشريع مماثل. وتزداد راهنيّتها مع صدور قانون تعليق المهل رقم 2026/46 الذي علّق المهل القانونية والقضائية والعقدية للفترة الممتدّة من 2026/3/1 حتى 2026/7/31 ضمناً، بسبب ظروف الحرب التي شهدها لبنان، وما أثاره هذا القانون من نقاش حول مفاعيله على العقود، ولا سيّما عقود الإيجار(11). فإذا اعتُمد منطق الحكم المعلّق عليه، وهو ما نرجّحه، فإنّ هذا القانون الجديد لن يؤدّي إلى تمديد أيّ عقد محدّد المدّة، بل سيقتصر أثره على المهل التي يترتّب على فواتها سقوط حقّ أو قيام جزاء.
32. ويحمل الحكم، فضلاً عن ذلك، درساً عملياً للمحرّرين: فإذا كان القانون اللبناني لا يمدّد العقود المحدّدة المدّة بفعل الظروف الاستثنائية ولا يجيز للقاضي تعديلها، فإنّ الإرادة التعاقدية تبقى الأداة الوحيدة لمعالجة هذه المخاطر، كأن يُدرج بند يمدّد المدّة بما يوازي فترات تعذّر الاستثمار الناجم عن قوة قاهرة، أو بند يحدّد المدّة بعدد من “السنوات الدراسية الفعلية” ويعرّفها، أو بند يرتّب تعويضاً عن الجزء غير المستهلك من الاستثمار، أو بند لإعادة التفاوض. ويكشف النزاع كذلك عن أهمية البنود التعريفية والتفسيرية، إذ دار جزء معتبر من الخلاف حول معنى “السنة الدراسية”، وهي مسألة كان يمكن لبند محكم أن يحسمها مسبقاً.
33. على أنّ الحكم يترك مفتوحة جملة من المسائل التي تستحقّ عناية الاجتهاد والفقه، منها وأعمقها، تتّصل بمسألة عدم اتخاذ المشترع اللبناني، رغم توالي الأزمات منذ العام 2019، أيّ خطوة تمكّن القاضي من إعادة النظر في العقود، واكتفى بقوانين تعليق المهل. والحكم، بذلك، لا يكتفي بتطبيق القانون، بل يرسم حدود ما يستطيعه القاضي في غياب تدخّل تشريعي. وفي ذلك دعوة ضمنية إلى المشترع لكي يحسم خياره: فإمّا أن يبقى على الموقف التقليدي القائم على القوة الإلزامية المطلقة للعقد، وإمّا أن يقتدي بالمشترع الفرنسي فيقنّن آلية للظروف الطارئة ونظاماً للقوة القاهرة المؤقّتة، بما يوفّر للمتعاقدين، في بلد باتت الأزمات فيه قاعدة لا استثناءً، أدوات واضحة لتوزيع مخاطر الزمن.
34. وفي الخلاصة، إنّ الحكم موضوع هذا التعليق يستحقّ، بما تضمّنه من معالجة قانونية دقيقة، اهتمام رجال القانون والحقوقيين على حدّ سواء. وهو يشكّل، في ظلّ الأزمات المتعاقبة التي شهدها لبنان، دليلاً على أنّ القضاء اللبناني لا يزال قادراً على أداء رسالته وصون المبادئ القانونية وإحقاق الحق. وإنّ وجود قضاة يتحلّون بهذا القدر من الاجتهاد والاستقلالية والحرص على تحقيق العدالة، مثل القاضي اميليو القزي، يبعث على الثقة بمستقبل القضاء، ويشكّل مثالاً يُحتذى به أمام الأجيال الصاعدة من القانونيين.
مصادر ومراجع:
(1) يراجع بهذا الخصوص: تمييز، الغرفة الرابعة، قرار رقم 19 تاريخ 14/6/1994، النشرة القضائية 1994، الجزء الثامن، ص. 858؛ تمييز، الغرفة الأولى، قرار رقم 58 تاريخ 27/4/1999، مجموعة باز 1999، ص. 268؛ مصطفى العوجي، القانون المدني، الجزء الأول، مؤسسة بحسون للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ص. 680
(2) C. civ., art. 1212 : « Lorsque le contrat est conclu pour une durée déterminée, chaque partie doit l’exécuter jusqu’à son terme. Nul ne peut exiger le renouvellement du contrat. » ; v. également art. 1211 à 1215 (issus de l’ordonnance n° 2016-131 du 10 février 2016).
(3) C. civ., art. 1218, al. 2 : « Si l’empêchement est temporaire, l’exécution de l’obligation est suspendue à moins que le retard qui en résulterait ne justifie la résolution du contrat. »
(4) C. trav., art. L. 1243-6 : « La suspension du contrat de travail à durée déterminée ne fait pas obstacle à l’échéance du terme. »
(5) Cass. com., 10 juillet 2007, n° 06-14.768, Bull. civ. IV, n° 188 (arrêt « Les Maréchaux »)
(6) Krell v Henry [1903] 2 KB 740 (Court of Appeal)
(7) V. not. Cass. com., 29 juin 2010, n° 09-67.369 (arrêt « Soffimat »)
(8) C. civ., art. 1212, al. 2, préc
(9) Cass. 3e civ., 30 juin 2022, n° 21-19.889, n° 21-20.127 et n° 21-20.190
(10) Cass. 1re civ., 25 novembre 2020, n° 19-21.060 ; v. M. Latina, « Le créancier, qui n’a pas pu profiter de la contrepartie à laquelle il avait droit, ne peut invoquer la force majeure », RDC 2021, n° 1, p. 17 ; D. Houtcieff, « Force majeure : n’avoir plus d’intérêt à la prestation ne dispense pas d’exécuter », Gaz. Pal. 13 avril 2021, n° 401u6, p. 31.
(11) راجع في عرض هذا القانون والنقاش الذي أثاره بشأن عقود الإيجار: سلوى بعلبكي، “تعليق المهل يفتح جبهة جديدة بين المالكين والمستأجرين في لبنان”، جريدة النهار، 2026/8/15.
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/10/6



