علم وخبر

اليوم الصحافة والمحررين.. وغداً بقية النقابات/ ناضر كسبار

ناضر كسبار (نقيب المحامين في بيروت سابقاً):
يوم كنا نُعدّ مشروع النظام الداخلي للجنة الحرّيات العامة وحقوق الانسان في نقابة المحامين في بيروت، برئاسة المحامي الدكتور عبد السلام شعيب – رحمه الله – وكنا في الجلسة التي ضمّت المحامين غسان مخيبر وفادي كرم وجمال فاخوري (رحمه الله) والمرحوم سليمان تقي الدين، قال النائب السابق مخيبر: ليس هناك أسهل من شتم العدوّ، فيصفّق الجميع. أمّا في الأمور الداخلية فيجب إنتقاء كلّ كلمة وكلّ عبارة خصوصاً بما يتعلّق بالحرّيات العامة وحقوق الانسان، ونطاق تطبيقها والمسائل التي تشملها. كلام صحيح وفي محلّه.
للأسف. يعيش جماعة من يدعون تمثيل المجتمع المدني، ومعظمهم مرتبط بالخارج، على الشعارات الشعبوية، وعلى استعمال عبارة الحرّيات العامة وحقوق الانسان. فإذا حاول المسؤولون وضع حدّ للفلتان الاعلامي، خصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي، تقوم القيامة عليهم ويتهمّونهم بالتخلّف، وبخنق الأصوات الحرّة، وكأنّه من المسموح المسّ بكرامات الناس وبعرضهم وبشرفهم من قبل من لا يقدّرون هذه المبادئ.
وإذا غصنا بملفّ أكثر دقّة وأكثر حساسية، مع علمنا الأكيد بأنّ بعض الأصوات قد لا تقدّر ما نطرحه من مبادئ ومحاذير ومخاطر . هو ملفّ إنشاء نقابات والذي بدأ للأسف في الفصل السابع من قانون الإعلام الجديد وتحديداً في المادة 115 فقرة “ه” حيث ورد فيها:
المادة 115: فقرة “ه”: يتمتع الصحافيون دون تمييز، بحقّ تأسيس نقابات أو الإنضمام إليها بحرّية…الخ.
هذه المادة تطرح عدّة أسئلة وتؤدّي إلى المحاذير الآتية:
أوّلاً: يوم كنا في كلية الحقوق في الجامعة اليسوعية في العام 1979 قال لنا المحامي البروفسور جورج خديج: لن أسامح الأميركيين الذين أرسلوا لنا الجينز. وعندما استغربنا، أضاف: اليوم الجينز، وغداً حلقة في الاذن فإمكانية إنشاء نقابات جديدة يعني أنّ هذا الأمر الخطير (وأشدّد على كلمة خطير) قد ينسحب على بقية النقابات. فهل الحفاظ على الحرّيات العامة وحقوق الانسان يكون بإنشاء عدة نقابات للصحافة  وللمحرّرين وللمحاماة وللطبّ واللهندسة وغيرها؟ وهل يعلم القيّمون على التشريع خطورة هذا الأمر؟ ومن يكفل بألا يصدر قانون مشابه لقانون الإعلام ويعطي المجال لإنشاء نقابات مهن حرة!. لنعطي مثلاً واقعياً. نقابة المحامين:
1- تأسست نقابة المحامين في بيروت في العام 1919، أيّ قبل ولادة دولة لبنان الكبير، وتأسّست نقابة المحامين في طرابلس في العام 1921، أي بعد ولادة دولة لبنان الكبيرة بسنة واحدة.
2- على مرّ السنين طوّرت النقابتان أنظمتهما وإدارتهما مستفيدتين من التجارب والخبرة وحكمة كبارها، والتنسيق بينهما قدر المستطاع. ونقول قدر المستطاع لأنّ عشرات المحامين المسجلين في نقابة طرابلس، يشغلون مكاتب في نطاق نقابة بيروت ويمارسون المحاماة فيها، وعدد أقلّ من محامي بيروت يفعلون الأمر ذاته في نطاق نقابة طرابلس.
3- يعاني المحامون من تبليغ زملائهم بشكل عام في عدد كبير من الملفّات. ولكنّ المعاناة تصبح أكبر عندما يودّ المحامي في بيروت إبلاغ زميله في نقابة طرابلس الذي يشغل مكتباً في نطاق نقابة بيروت. والعكس صحيح. فيطلب منه إبلاغه في مكتبه الرسمي. وقد يكون يشغل المكتب الرسمي أو لا يشغله. فماذا يحصل؟ تتوقّف التبليغات، وتؤجّل الجلسات وتدوم الدعاوى سنوات، ويضطرّ المحامي لمراجعة نقابة المحامين التي ينتمي إليها لإبلاغه موعد الجلسة. وكذلك الأمر إذا حلّ محلّ زميله، أو ارتكب جرماً مسلكياً معيّناً، فإنّ نقابته هي التي تحقّق معه ويقرّر النقيب ما يقرّره من حفظ الشكوى أو توجيه تنبيه شفهي أو خطّي أو إحالته أمام المجلس التأديبي، أم لا.
4- إنّ النقابة التي تحوز على الخبرة والحكمة والعدد الأكبر من المحامين تكون أقوى من عشرات النقابات الصغيرة التي لا يكون صوتها مسموعاً، أو قد تتناحر في ما بينها أو تحمي هذا المحامي، أو ذاك من دون مبرّر.
في كتابي حول مواقف وطرائف القضاة والمحامين، أوردت في الصفحة 126 الطرفة الآتية:
نقابة تضم ثمانية محامين
يقول النقيب ميشال خطار إنّ نقابة المحامين في بيروت هي من أعرق النقابات وأكثرها أهمّية بخاصة وأنّها تضمّ أكثر من أحد عشر ألف محام. في حين أنّ بعض النقابات في دول العالم لا تضمّ أكثر من عدّة محامين. وفي هذا المجال يقول إنّه التقى مرّة نقيب محامي منطقة في سويسرا وأبدى اهتماماً شديداً به، فقال له النقيب السويسري:
– خفّف عنك يا أستاذ خطار، فنحن لسنا سوى ثمانية محامين بمن فيهم أنا.
Ne vous emballez pas me. Khattar nous ne sommes que huit y compris moi mëme.
ثانياً: إذا تكلّم جماعة المجتمع المدني الذين يدعون الحفاظ على الحرّيات العامة وحقوق الانسان، أنّ هذا الأمر يدخل ضمن حرّية الإعلام وحرّية إنشاء نقابات جديدة. فلماذا لا ننشئ عدّة مجالس نيابية وعدّة قيادات للجيش وعدّة مجالس نواب وعدّة مجالس قضاء أعلى الخ. كلام شعبوي خطير يضرب على الوتر الحسّاس، لأنّه ليس أسهل من أن ننسب كلّ شيء إلى الحريات العامة؟ وكأنه إذا كان هناك نقابة واحدة تضمّ الجميع، يعني أن لا حرّيات عامة. إنّهم يضربون المبادئ الأساسية ويضربون القيم. هذه هي الفوضى.
“محكمة” – الاثنين في 2026/9/7

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!