مقالات

بين القبّعة والأفعى.. كيف ترى العدالة الطفل؟ تساؤلات حول حماية الأحداث/إكرام شاعر

القاضي الدكتورة إكرام شاعر*:
سعادة نقيب المحامين في بيروت الأستاذ عماد مرتينوس،
حضرة الرئيس فوزي خميس،
أعضاء مجلس نقابة المحامين الكرام،
حضرة المحاميين بشير أعزان وجوسلين كرم المحتفل بكتابهما اليوم، “حماية الأحداث المخالفين للقانون أو المعرّضين للخطر”،
أيها الحضورُ الموقرُ بمختلفِ المقامات والعناوين، كلٌّ باسمه، وجميلِ لقبه وموقعه،
أهلَ القانون والقضاء، أهلَ الفكر والكلمة، وكلّ من يؤمن بأن العدالة ليست نصوصًا تُطبَّق فحسب، بل إنسانًا يتنفس ويتكوّن بين سطورها…
الأستاذات والأساتذة الأعزّاء،
ثمة أخطاء تكفيها لحظة، وما عدا ذلك قد يكون من صُنعِنا نحن.
فبأيّ عينٍ ترى العدالةُ الطفلَ؟
وراء الاسمِ والملفِّ عمرٌ قصير، ووراء العمرِ بيتٌ، أو بيتٌ لم يكن.
هل ترى العدالةُ الامَّ التي كان يناديها في الليل، ويكبَر في النهار من دونها؟
والأبَ الذي لم تكن يدُه على ظهر دراجته، ذاتِ العجلات الإضافية، حين كانت تميل؟
والرفيقَ الذي لقّنَه دروباً لم يكن ينبغي للطفولة أن تطأها؟
ورُكبتَه الصغيرةَ التي عادت من اللعب نازفةً، ولم يرَها أحدٌ بضماد؟
والمدرسةَ التي أَغلقتْ من خلفِه مزاليجَها والشارعَ الذي فتحَ له أبوابَه؟
فإذا جاء الطفلُ إلى العدالة، سيداتي، سادتي، فهو لا يأتي وحده: تأتي معه كلُ الأبوابِ التي أُغلِقَتْ، وكلُّ بابٍ فُتحَ له في غفلةٍ منها.
سيداتي، سادتي،
الطفلُ هو كائنُ السؤال بامتياز. فإذا كان لا بدّ للعدالة من أن تكون صديقةً للطفل، فعليها أن تتحدث بلغتِه، بلغةِ السؤال.
من هنا اخترتُ ألاّ أتناول الكتابَ بفصوله وعناوينه، وإنما بالأسئلة التي قادني إليها.
يقول سعيد عقل: “لم تزل يداك أرجوحتي، ولم أزل ولد”.
فمتى تبدأ الطفولة، ومتى تنتهي؟
هل تبدأ لحظةَ الصرخةِ الأولى أم أن القانونَ يعترفُ للكائن البشري، قبل أن يولدَ، ببعض الحقوق والمصالح والحماية.
من هنا أهميةُ وضعِ الجنين الذي أثاره الكتاب والذي لطالما وَضعَ على المحكّ التصنيفَ الكلاسيكي الثنائي بين الأشخاص والاشياء.
فإذا كان الاصلُ أنه ليس للجنين شخصيةٌ قانونيةٌ معترفٌ بها بصورة مستقلة ، إلا أن السؤالَ يُطرحُ، في مجال حمايةِ الحدثِ، حول إمكانية اعتماد الوجهة التي تعتبر أن الجنينَ يُعدُّ طفلاً مولوداً في كل مرة يكون ذلك في مصلحته selon l’adage infans conceptus.
وقد يبدو المشهد كاريكاتورياً في هذا الاطار، لكن هل يستطيع الأبُ أن يتقدمَ بطلب حماية للجنين في حال كانت زوجته الحامل تعرّضُ الجنين للخطر من طريق تدخين السجائر مثلاً، طالباً من قاضي الأحداث اتخاذ تدابير بحقها؟
ومتى تنتهي الطفولة؟
هل تنتهي بمجرد بلوغِ سنٍّ يحددها النصّ،
أم أن بلوغَ السنّ لا يعني بالضرورة أن الانسان أصبحَ قادراً على مواجهةِ العالمِ وحده؟
في هذا الاطار، تضعُ المادةُ الاولى من القانون رقم 2002/422 حداً عمرياً واضحاً: الحدث هو من لم يتمّ الثامنة عشرة، لكن القانون عينه لا يتعامل مع هذا الحدّ وكأنه حاجز تنتهي عنده كل صلة بعدالة الأحداث، لا سيّما متى راجعنا المواد 12 و 14 و 18 من القانون المذكور.
ثم جاءت المادة 24، في باب الطفل المعرّض للخطر، لتنصّ على أن أحكام هذا الباب تطبق على الأحداث مهما بلغ سنّهم، في صياغة تكشف عن أن سنَّ الثامنة عشرة ليست بالضرورة حداً لكلّ حماية.
ولذلك حين قال سعيد عقل “ولم أزل ولد”، وبالغ نزار قباني، إذ قال “وجعَلتْ طفولتي تمتدّ للخمسين”، لم يكونا، في ظنّي، يخطّان بيتاً من الشعر فحسب، وإنما يعطيان، من حيث لا يدريان، مقاربةً فلسفيةً لسؤال قانوني: إنّ بلوغ السنّ قد يغيّرُ الصفةَ القانونيةَ للطفل، لكنه لا يستطيع وحده أن يمحوَ آثارَ الطفولة.
سيداتي، سادتي،
هذا الطفل الذي نحاول جاهدين تعريفه، إذا دخلت العدالة عالمَه، لتحميه، هل تعرف حقاً ممّ تحميه، وكيف تحميه، ومتى ينبغي أن تتدخل؟
وهنا يأتي السؤال الصعب: كيف تحقق المحكمةُ مصلحةَ الطفل؟
حين تدخل مصلحةُ الطفلِ الفضلى قاعةَ المحكمة، لا يعود للقاضي أن يتعامل معها كقالب جاهز، بل كاختبار يتغيّر من طفلٍ لآخر.
فمصلحة الطفل الفضلى التي تناولها الكتاب بصورة موسّعة، هي قرارٌ يتشكل من عناصر كثيرة: ما يقولُه الطفلُ، وما لا يستطيع قوله، وما يريده، وما يخشاه، وما عاشه، وما يمكن أن يصبح عليه.
فالمادة الثانية من القانون رقم 2002/422 تتحدث عن صالح الحدث، والمادة الثالثة من اتفاقية حقوق الطفل تولي الاعتبار الأول لمصالح الطفل الفضلى، والتعليق العام رقم 2013/14 الصادر عن لجنة حقوق الطفل جاء ليؤكد على أن مصلحة الطفل الفضلى هي مفهوم ثلاثي الابعاد، فهي حق موضوعي، ومبدأ قانوني تفسيري، وقاعدة إجرائية، وأن تحديدها يجب أن يكون فردياً ومبنياً على ظروف الطفل الخاصة.
لكن التحدي الأول هو كيفيةُ توظيفِ هذا المفهوم، والحؤول دون السماح بإعادة تعريف حقوق الطفل كلٌّ وفقاً لتصوّره الشخصي والكيفي.
ثم يأتي السؤال الاصعب: ما هي مصلحةُ الطفل الفضلى في مجتمع متعدّد، تختلف فيه القيم والتصورات الأسرية والاجتماعية والثقافية؟
وهل نكون فعلاً أمام تحديدٍ قضائيٍ لمصلحةِ الطفل الفضلى أم أمام تطبيق لمعيار سابق على الحالة الفردية، حيث يوجد منذ البداية مرجعية أعلى تحدّد الاطار الملزم الذي تُفهم داخله حقوق الطفل، وتحسم النتيجةَ بصورة ثابتة؟
هذا التوتّرُ بين نموذجين يصبح في أوجّه في نظام كالنظام اللبناني حيث تتعدّد المرجعيات القضائية التي تنظر في المسائل المتعلقة بالطفل، والتي قد تتصادم فيها منظومات القيم، فنصل إلى حالات شديدة الحساسية عندما نقف أمام ما يبدو تناقضاً بين قرارات القضاء الديني وقضاء الأحداث.
إن تعدّدَ المرجعيات القضائية في مسائل الطفل لا يجب أن يعني تعدداً في مفهوم حمايته، ولكنه يقتضي تحديداً دقيقاً لمجال كل اختصاص ولطبيعة المصلحة التي يحميها القرار، ولحدود القوة الالزامية لكل منهما.
ثمّ ماذا عن الجماعات المتميّزة ثقافياً؟ ما هو مقدار الخصوصية الثقافية الذي يمكن إدخالُه في تعريفِ مصلحة الطفل الفضلى قبل أن تتحولَ الخصوصيةُ الثقافيةُ من سياقٍ لتطبيقِ الحق إلى قيدٍ على الحق ذاته؟
الجواب المبدئي: إذا استُخدم الاعتبارُ الثقافي لتفسيرِ كيفية حمايةِ الطفل، فهو سياق مشروع، أما إذا استُخدم الاعتبارُ الثقافي لنفي حقِ الطفل أو لتبرير انتهاكه هنا نتنتهي الخصوصية الثقافية.
وإذا كانت الأسرة هي ملجأ الطفل الأول، يصبح الموقفُ دقيقاً حين تصير البيئة الأسرية هي بحدّ ذاتها مصدرَ الخطر على الطفل، صحةً وسلامةً، بعد أن نهشتها الأنانية، وأعمَتْها المكابرة والمزايدة، حيث ان تضاربَ المصالحِ بين والديه، وما يرافقها من اتخاذ الطفل كرهينة للصراع بينهما، وضياعه بين نارين متأجّجتين، يجعلهما أعجز من أن يتوصلا إلى حلول مقبولة بشأن تحملهما مسؤولياتهما الوالدية، فيصبح النزاع الأسري الذي ذكره الكتاب، هو بحدّ ذاته مصدر الخطر على الطفل، في تفسير موسع لنص المادة 25 من قانون 422.
وعندها قد تصبحُ الوساطةُ الأسرية التي ذكرها الكتاب ضمن باب التوصيات من الحلول المطروحة. فالوساطة الاسرية ليست وسيلةً لاطالة أمد النزاع، أو الهروب إلى الأمام، أو باعتبارها بديلاً عن القضاء، بل تصبحُ في صلبِ التدابيرِ الضرورية التي من الممكن أن يلجأ إليها القاضي كجزء من التدخل القضائي باعتبارها محاولةً لمنع خلافِ الكبار من أن يحدّد واقع الطفل ومستقبله. وفي هذا السياق، أقامت محكمة الأحداث في البقاع ورشة تدريبية موجهة لمندوبي الأحداث في البقاع من أجل تعريفهم على الدور الذي من الممكن أن يضطلعوا به في هذا التدبير.
سيداتي، سادتي،
ماذا عن حق الطفل في الخصوصية والتي تطرق إليها الكتاب؟
ربما تكون الاجابة واضحة عندما نتحدث عن الغرباء، لكن ماذا عن اهله؟
من هنا ألزم قاضي الأحداث في البقاع أباً بالامتناع عن تصوير طفليه عاريين، ولو على سبيل المزاح، لما يشكله ذلك من تعريض الطفل للخطر وانتهاك خصوصيته في مواجهة الجميع، بما فيهم أهله، ويشكل انتهاكاً للحدود الجسدية للطفل، ويساهم في بناء ثقافة متفلتة تجاه قواعد الانكشاف أمام الغير وتجاوزاً لضوابط اللمسة الآمنة، ويفتح المجال أمام الانتهاكات بأشكالها كافة، ويصير الطفلُ أكثرَ مرونةً للتنازل عن الاعتراض في مواقف غير مريحة.
وإذا كان على الأهل أن يحترموا خصوصية طفلهم، فهل يفقد الطفلُ هذا الحق حين تصبح قصته مادةً للنشر وموضوعاً للإعلام؟
إذا كان الإعلام شريكاً أساسياً في الدفاع عن حقوق الطفل، وفي حماية الحقوق والحريات بصورة عامة، فإنّ هذه الرسالة لا تبرّر تعريضه للأذى باسم مناصرته ولا للاستغلال الاعلامي، بوصفه شكلاً من أشكال الخطر، في تفسير موسع للمادة 25 من قانون 422 ؛
من هنا أهمية وجود الاعلام الصديق للطفولة والذي يوازن بين حق الجمهور في المعرفة وحق الطفل في التعبير وفي الخصوصية في آنٍ معا، بعيداً عن الإثارة والسبق الصحفي، مع وجوبِ تقدير الأثر الذي قد يتركه نشر قصته أو صورته في سلامته النفسية ومستقبله.
فليست كلُّ إطلالةٍ إعلامية انصافاً للطفل، وليس كلُّ كشفٍ لقضيته إسهاماً في حمايته. وتقييد الحرية الإعلامية يكون، في هذه الحالة، لضرورة حمائية مشروعة ومتناسبة، يقدّرها القضاء في كل حالة على حدة؛ فالغاية أن نُسمِعَ صوتَ الطفل للعالم، لا أن نجعلَ من انكشافه ثمناً لإيصاله إلى الجمهور.
سيداتي، سادتي، يطول الكلام والأسئلة بحرٌ لا شاطئ له،
في «الأمير الصغير»، للكاتب الفرنسي Antoine de Saint-Exupéry، رسم الراوي، وهو في سن السادسة، أفعى، من نوع البواء، تبتلع فيلاً كاملاً،
كان قد قرأ في كتاب عن الغابات أن أفعى البواء تبتلع فريستها كاملةً، فأثار المشهدُ خيالَه.
لكن الكبار لم يروا في الرسمِ أفعى، بل رأوا قبّعةً، ونصحوه بأن يكفّ عن الرسم وأن يتفرّغَ لموادّ دراسية أكثرَ جدية.
إن الاختبارَ الحقيقي لعدالة الأحداث يكمنُ في أن تستطيع أن ترى أبعدَ مما يظهر من الطفل، لتبصرَ الأفعى التي لم ترَها العيون.
وبين القبعة والأفعى قد تتوقف الحكايةُ كلها.
* ألقيت هذه الكلمة في حفل توقيع كتاب “حماية الأحداث المخالفين للقانون أو المعرّضين للخطر” للمحاميين جوسلين كرم وبشير أعزان، في نقابة المحامين في بيروت، الخميس الواقع فيه 15 تشرين الأول 2026.
“محكمة” – السبت في 2026/10/17

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!