بقبضة القانون وحكم العدالة: النائب العام التمييزي القاضي الحاج يضبط مسار العفو العام.. تدقيق الملفات.. منع التجاوزات.. لا إفلات من العقاب/ سحر محسن
المحامية الدكتورة سحر سمير محسن (دكتوراه في القانون الجنائي الدولي -دكتوراه في العلوم السياسية، أستاذة محاضرة في الجامعة الإسلامية، محامية في الاستئناف):
أثار إقرار مجلس النواب لقانون العفو العام رقم 2026/70 صدى واسعًا في لبنان، لما يحمله من أبعاد قانونية وقضائية وإنسانية، ولا سيما في ظل أوضاع السجون والاكتظاظ وطول أمد التوقيف والمحاكمات. ولم تلبث أحكام القانون أن وصلت إلى المجلس الدستوري، الذي تصدى لعدد من مواده من خلال تفسيرها ووضع تحفظات تفسيرية عليها، الأمر الذي فتح في المقابل نقاشًا دستوريًا وسياسيًا حول حدود اختصاص المجلس الدستوري ومدى جواز تدخله في تحديد مضمون النص التشريعي، ولا سيما في ظل موقف نيابي اعتبر أن التوسع في التفسير يمس بصلاحية السلطة التشريعية ويمثل تدخلًا في عملها.
وفي موازاة ذلك، برز موقف نادي قضاة لبنان الذي أعاد التأكيد على أهمية استقلال السلطة القضائية، وعلى مبدأ الفصل بين السلطات، وعلى ضرورة احترام الحدود الدستورية لكل سلطة، بحيث لا يتحوّل تفسير القانون إلى وسيلة للنيل من استقلال القضاء، ولا تتحول المواقف المتبادلة بين السلطات إلى عامل يؤثر في عمل القاضي واختصاصه. وقد تزامن ذلك مع ظهور تباين في فهم بعض أحكام قانون العفو بين المراجع القضائية والنيابات العامة، الأمر الذي انعكس في بعض الحالات على طريقة تطبيق القانون وعلى تحديد المستفيدين منه، وفتح الباب أمام ما يمكن وصفه بتفسيرات متفاوتة أو استنسابية، في قانون يفترض بطبيعته وحدة التطبيق والمساواة بين المخاطبين بأحكامه.
وفي هذا المناخ، أصدر النائب العام لدى محكمة التمييز القاضي أحمد رامي الحاج بتاريخ 2026/10/21 تعميمًا موجّهًا إلى النيابات العامة الاستئنافية والنيابة العامة المالية بشأن تطبيق قانون العفو العام رقم 2026/70، طلب بموجبه، قبل البت بأي طلب لإسقاط عقوبة أو ملاحقة استنادًا إلى القانون، جلب السجل العدلي للمحكوم أو الملاحق من النموذج رقم /2/، إضافة إلى المستندات والمحفوظات العائدة إليه من مختلف الأجهزة الأمنية، ومنها قوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة والشرطة العسكرية ومخابرات الجيش، للتحقق من عدم وجود ملاحقات من شأنها الحؤول دون استفادته من العفو، ولا سيما في الحالات التي قد يؤدي فيها تعدد الملاحقات إلى عدم الاستفادة، كحالات التكرار القانوني وتعدد الملاحقات في قضايا المخدرات وجرائم السرقة. وقد أشار التعميم في المقابل إلى إنشاء غرف عمليات في مراكز المحافظات بإشراف النيابات العامة الاستئنافية بهدف تسريع تزويد المراجع القضائية بالمستندات المطلوبة.
ومن هنا، تبرز قراءتان قانونيتان متقابلتان للتعميم: القراءة الأولى ترى أن التعميم، إذا فُهم على أنه يوجب البحث الشامل في جميع الملاحقات والملفات الأمنية، قد يتجاوز الغاية التي رسمها قانون العفو العام، ولا سيما في ظل أزمة الاكتظاظ وطول أمد التوقيف، إذ إنّ انتظار إفادات ومستندات من عدة أجهزة أمنية قد يستغرق وقتًا ويؤخر الإفراج عمن تتوافر فيه شروط العفو.
كما أن هذه القراءة ترى ضرورة حصر المستندات المطلوبة بالجرائم والحالات التي يمكن أن تؤثر قانونًا في الاستفادة من العفو، بدل إجراء بحث شامل في كامل السجل الأمني والقضائي للشخص.
وتزداد أهمية هذه الملاحظة في ضوء قرار المجلس الدستوري رقم 2026/12 تاريخ 2026/10/12، الذي جعل من غاية القانون معالجة أوضاع السجون والاكتظاظ وتسريع البتّ في الملفات، كما أوجب تفسير «التكرار» الوارد في البند الخامس من المادة الثانية وفق مفهومه القانوني في قانون العقوبات.
وقد قرر المجلس صراحة أن تحفظاته التفسيرية ملزمة لجميع السلطات العامة والمراجع القضائية والإدارية.
أما القراءة المقابلة، فتعتبر أن التعميم لا ينشئ شرطًا جديدًا ولا يضيف استثناءً إلى قانون العفو، وإنما يمثل إجراءً تنظيميًا واحترازيًا ضروريًا لحسن تطبيقه، خصوصًا أن واقع الملاحقات الجزائية في لبنان لا يتركز في مرجع أمني واحد، بل تتوزع الملفات بين قوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة ومخابرات الجيش والشرطة العسكرية وغيرها.
ويضاف إلى ذلك أن التعميم يطلب الملفات السابقة الذكر من الأجهزة الأمنية في ما يتعلق بجرمي المخدرات والسرقة، أما باق الجرائم المشمولة بالعفو فلا يطلب هكذا إجراء.
ومن هذا المنطلق، فإن طلب المستندات من مختلف الجهات لا يعني بالضرورة اعتبار كل ملاحقة سابقة مانعًا من العفو، وإنما يرمي إلى تمكين المرجع القضائي من معرفة ما إذا كانت توجد فعلًا حالة قانونية مستثناة من العفو.
ويؤيد هذا الاتجاه أن التعميم نفسه ربط الغاية من جمع المستندات بالحالات التي «يؤدي تعدد الملاحقات» فيها إلى عدم الاستفادة، وأشار إلى التكرار القانوني وتعدد الملاحقات في الجرائم التي نص عليها القانون، كما اتخذ تدبيرًا عمليًا لتسريع الحصول على المعلومات عبر غرف العمليات في المحافظات. بل إن النائب العام التمييزي أوضح أن الهدف هو الالتزام بالنص التشريعي ومنع الاستنسابية، وأن الإجراء جاء، من وجهة نظره، متوافقًا مع قرار المجلس الدستوري وليس بهدف مخالفته.
وتبقى نقطة التوازن الأساسية في المسألة هي التمييز بين «التحقق» و«الاستثناء». فإذا كان جمع المعلومات من الأجهزة الأمنية مجرد وسيلة للتأكد من وجود حالة قانونية تحول دون الاستفادة من العفو، فلا يبدو في ذلك، بذاته، إضافة إلى القانون. أما إذا تحوّل مجرد وجود ملاحقات متعددة إلى سبب لرفض العفو، من دون توافر شروط التكرار التي قصدها المجلس الدستوري، فهنا تبرز الإشكالية.
ولا بدّ في هذا السياق، من التذكير بأن قرينة البراءة تفرض التمييز بين مجرد الملاحقة الجزائية وثبوت المسؤولية بحكم بالإدانة، فلا يجوز التعامل مع الاتهام باعتباره إدانة، أو ترتيب الحرمان من الاستفادة من العفو على مجرد وجود ملف جزائي، ما لم يكن لذلك سند صريح في القانون. فالتدقيق في الملاحقات السابقة غايته التحقق من توافر الشروط القانونية، لا تحويل الملاحقة بحدّ ذاتها إلى سبب إضافي للاستثناء من العفو.
فالمجلس الدستوري لم يكتفِ بالإشارة إلى التكرار، بل ألزم بتفسيره وفق مفهومه القانوني، وهو ما يفرض عدم الخلط بين الملاحقة والحكم، وبين تعدد الملفات والتكرار القانوني. وفي المقابل، فإن القول بضرورة حصر المستندات لا يعني تعطيل قدرة القضاء على التثبت من الحالات المستثناة، خصوصًا في نظام تتعدد فيه الجهات التي تتولى الضبط والتحقيق والملاحقة. ولذلك فإن التطبيق الأكثر اتزانًا هو أن تكون عملية الاستعلام محددة ومتناسبة مع الجرائم والاستثناءات ذات الصلة، وسريعة زمنيًا، وألا تُحمّل الموقوف أو المحكوم عبء التأخير الناتج عن تعدد الجهات الأمنية، مع بقاء القرار النهائي في مدى انطباق العفو خاضعًا للنص القانوني وللتفسير الملزم الصادر عن المجلس الدستوري.
وفي ضوء ما تقدّم، فإن تعميم النائب العام لدى محكمة التمييز ينبغي أن يُقرأ، قبل أي شيء، في إطار دوره الطبيعي في تنظيم حسن تطبيق قانون العفو العام وتوحيد آليات التحقق من شروط الاستفادة منه، لا أن يُقابل بالتشكيك المسبق أو أن يُفترض فيه إنشاء قيود أو استثناءات لم ينص عليها القانون. فصدوره عن المرجع القضائي الأعلى في النيابات العامة يأتي في سياق الحاجة إلى توحيد العمل القضائي، ولا سيما في ظل تعدد الجهات التي تتولى أعمال الضبط والملاحقة والتحقيق في لبنان، ذلك أن هناك أشخاص اوقفوا لدى قوى الأمن الداخلي، وآخرين لدى مخابرات الجيش، أو أمن الدولة، أو الشرطة العسكرية، وهذا ما قد يترتب عليه تشتت المعلومات بين الأجهزة المختلفة.
ومن ثم، فإن الاحتياط في تطبيق قانون العفو لا يتعارض مع الغاية منه، بل قد يكون ضمانة لحسن تطبيقه، متى بقي في حدود التحقق من الحالات التي استثناها القانون، ولم يتحول إلى عائق أمام المستفيدين منه. كما أن طلب المعلومات من مختلف الأجهزة الأمنية لا ينبغي أن يُفهم بذاته على أنه اعتبار لكل ملاحقة سابقة مانعًا من العفو، وإنما كوسيلة تمكّن القضاء من تكوين صورة مكتملة قبل اتخاذ قراره. ويبقى الفيصل في ذلك هو التطبيق العملي للتعميم، ومدى التزامه بالنص التشريعي وبالتفسير الملزم للمجلس الدستوري.
وعليه، فإن الواجب في هذه المرحلة ليس التشكيك في التعميم أو تحميله مسبقًا ما لم يتضمنه، وإنما حسن قراءته وتطبيقه بروح قانون العفو وغاياته، مع الحفاظ في الوقت نفسه على دقة التحقق من الحالات المستثناة. فالتعميم، في جوهره، يمكن أن يشكل خطوة إيجابية نحو توحيد المعايير ومنع الاستنسابية وتسريع تنفيذ القانون، على أن يبقى الهدف النهائي واحدًا: تطبيق العفو على مستحقيه، واستبعاد من شملهم الاستثناء، وتحقيق التوازن بين حسن تطبيق القانون وبين الغاية الإنسانية والتشريعية المتمثلة في معالجة الاكتظاظ وتسريع البت في أوضاع الموقوفين والمحكومين، وعدم محالفته لتفسير المجلس الدستوري اللبناني.
“محكمة” – الاربعاء في 2026/10/21



