حين يتقاتل العابرون على ما لا يبقى/انطونيو الهاشم
انطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقًا):
يقول كريم العراقي:
«كُنْ فيلسوفاً تَرَ أنَّ الجميعَ هنا
يتقاتلونَ على عَدَمٍ… وهُمْ عَدَمُ»
في هذا البيت المكثّف، يضع الشاعر أمام الإنسان مرآةً يراه فيها مجرّداً من ألقابه وأمواله وأوهامه. يراه كما جاء إلى الدنيا، وكما سيغادرها. عابراً لا يحمل معه شيئاً سوى ما تركه في حياة الآخرين من خير أو أذى.
«كُنْ فيلسوفاً» لا تعني أن تنعزل عن الحياة أو أن تحمل كتب الفلسفة، بل أن ترتفع قليلاً فوق ضوضاء اللحظة، وأن تنظر إلى الأشياء بعين البصيرة لا بعين الرغبة. أن ترى نهاية الطريق وأنت ما زلت في أوّله، وأن تسأل نفسك قبل كل خصومة ، ماذا سيبقى من هذا كله؟
حين ننظر إلى العالم بهذه العين، نرى الناس يتخاصمون على ميراثٍ سيتركونه، ويتنافسون على منصبٍ سيجلس فيه سواهم، ويقطعون أواصر المحبة من أجل مالٍ سينتقل بعدهم إلى أيدٍ أخرى. يبدّدون أعمارهم في الحسد والعداوة، ثم يكتشفون متأخرين أنّ الزمن الذي خسروه كان أثمن من الشيء الذي تعادوا من أجله.
ذلك هو «العدم» الذي يتقاتلون عليه. ليس المال أو النجاح أو الأرض عدماً في ذاتها، فهي ضرورات للحياة وأسباب للكرامة والعمران، لكنها تصبح عدماً حين تتحول من وسائل لخدمة الإنسان إلى أوثانٍ يستعبد نفسه لها. حين يخسر من أجلها ضميره وأحبّاءه وسلامه الداخلي. فما قيمة أن يربح المرء شيئاً زائلاً إذا خسر في سبيله إنسانيته؟
ثمّ تأتي العبارة الأشد إيقاظاً: «وهُمْ عَدَمُ». وهي لا تنكر قيمة الإنسان أو روحه، بل تذكّره بزوال وجوده الأرضي. فكم من قويٍّ ملأ الدنيا صخباً ثم مضى، وكم من صاحب سلطانٍ ظنّ أنّ العالم سيتوقف عند غيابه، فإذا بالحياة تستمر وكأنّه لم يكن! نحن نعلم أنّ الموت آتٍ، لكننا نعيش أحياناً كأنه كُتب على الآخرين وحدهم.
غير أنّ معرفة الفناء لا ينبغي أن تقود إلى اليأس، بل إلى الرحمة. فالوردة عزيزة لأنها لا تدوم، واللقاء ثمين لأنه قد لا يتكرر، وصوت الوالدين مقدّس لأن يوماً قد يأتي نشتاق فيه إليه فلا نسمعه. إن قِصر الحياة لا ينتقص من قيمتها، بل يجعل كل لحظة فيها جديرةً بأن تُعاش بسلام ووعي.
ولا يدعو البيت إلى التخلي عن الحقوق أو الصمت أمام الظلم . فثمة معارك تمنح الحياة معناها، كمعركة العدل والحرية والكرامة. لكن الفارق أن نسأل ، هل نقاتل من أجل حقٍّ يبقى أثره بعدنا، أم من أجل غرورٍ ينتهي بانتهائنا؟ فالمعركة من أجل الحقيقة تصنع معنى، أما المعركة من أجل الأنا فليست سوى ضجيجٍ بين عدمين.
كلنا عابرون، لكن العابرين ليسوا سواء ، منهم من يعبر كالعاصفة، يهدم ثم يغيب ، ومنهم من يعبر كالمطر، يروي الأرض ويرحل تاركاً الخضرة شاهدةً عليه. قد نكون عابرين في عمر الزمن، لكننا نستطيع أن نكون معنى في حياة إنسان.
وهكذا، لا تجعل حياتك معركةً على ما ستتركه، بل اجعلها رسالةً بما ستتركه في الآخرين .فنحن لا نملك أن نمنع الرحيل، لكننا نملك أن نجعل عبورنا جديراً بالذكر والحنين.
“محكمة” – الاحد في 2026/10/25



