الذكاء الاصطناعي والخطأ الخوارزمي الطبي: نحو ميثاق جديد للمسؤولية الرقمية المشتركة والموافقة المستنيرة 2026/محمد شكر
الدكتور محمد شكر (دكتوراه في القانون، وسيط ومحكّم):
يشهد القطاع الصحي في عام 2026 تحولاً جذرياً متسارعاً؛ وذلك نتيجةً لدمج أنظمة الذكاء الاصطناعي والروبوتات الجراحية في صلب المنظومة العلاجية اليومية.
وبناءً على هذا الاندماج، نشأ جيل جديد من التحديات القانونية والتقنية؛ إذ لم يعد الخطأ الطبي حدثاً معزولاً يرتبط بمهارة الطبيب البشرية وحده، بل انتقلنا رسمياً إلى عصر ما يُعرف بـ “الخطأ التكنولوجي الطبي المشترك”، حيث تداخلت أدوات الذكاء الإصطناعي مع أدوات الطبيب، وتماهت البرمجيات مع التشخيص المعقد.
ولم يتوقف هذا التحول عند حدود توزيع المسؤولية بعد وقوع الخطأ، بل امتد ليعيد صياغة العلاقة التعاقدية بين الطبيب والمريض منذ اللحظة الأولى، مما أدى إلى تداعي مفهوم الموافقة التقليدية ونشوء ما يُعرف بـالموافقة المستنيرة الرقمية كضمانة قانونية وأخلاقية أولى لضمان سلامة الأطراف كافة.
ولعقود طويلة، استندت المحاكم وهيئات التحكيم إلى معيار “بذل عناية الرجل المعتاد” لتحديد المسؤولية التقصيرية للأطباء، بيد أن هذا المعيار الكلاسيكي بات قاصراً ومستهلكاً أمام أنظمة التشخيص الذاتي المستقلة.
ومن هذا المنطلق، غدت المسؤولية اليوم ثلاثية الأبعاد، بحيث تتوزع بدقة بحسب طبيعة الخلل الرقمي أو البشري بين ثلاثة أطراف رئيسية، يأتي في مقدمتها الطبيب المشرف الذي لم يعد مجرد ممارس تقليدي، بل أصبح المشرف الأول على النظام الذكي، وبالتالي تقع عليه المسؤولية إذا خالف البروتوكول السيبراني الطبي، كأن يتجاهل تحذيراً صريحاً أصدره النظام، أو يفشل في التفعيل اليدوي عند انحراف الروبوت. وتتوازى مع ذلك مسؤولية المؤسسة الطبية، حيث تتحمل المستشفى مسؤولية مباشرة ترتبط بالبنية التحتية، لا سيما إذا قصّرت في صيانة الأجهزة، أو تأخرت في تثبيت التحديثات البرمجية والأمنية الدورية المرسلة من الشركات المصنعة، وصولاً إلى مسؤولية الشركات المبرمجة والمصنعة، وذلك في حال ثبت وجود ثغرة في الكود البرمجي أو انحياز في بيانات التدريب تسبب في تضليل التشخيص الطبي.
وارتباطاً بهذا التوزيع الدقيق للمسؤوليات، برزت الحاجة الملحة لإعادة تعريف حقوق المريض من خلال “الموافقة المستنيرة الرقمية”، والتي لم تعد مجرد توقيع روتيني ، بل تحولت إلى بروتوكول إعلامي ملزم يتضمن إحاطة المريض بثلاثة حقوق أساسية:
أولها، “الحق في المعرفة الخوارزمية”، حيث يجب إعلام المريض صراحةً بأن تشخيصه أو جراحته ستتمّ بإشراف أو توجيه من نظام ذكاء اصطناعي مع بيان طبيعة دور هذا النظام،
وثانيها، الحق في فهم هامش الخطأ الرقمي، والذي يفرض على الطبيب شرح نسبة دقة الخوارزمية واحتمالات الخطأ السلبي أو الإيجابي الكاذب بلغة مبسطة وخالية من التعقيد التقني،
وثالثها، الحق في التمسك بالبشرية، وهو ما يمنح المريض الخيار القانوني الكامل في طلب مراجعة بشرية ثانية للنتائج الخوارزمية، أو رفض التدخل الروبوتي والتمسك بالجراحة التقليدية إن كانت متاحة، دون أن يؤثر ذلك على جودة الرعاية المقدمة له.
وفي سياق متصل، يُلاحظ أن القضاء التقليدي، بآلياته البيروقراطية البطيئة، يعجز تماماً عن مواكبة سرعة التدفق التكنولوجي ونزاعات الموافقة الرقمية؛ نظراً لأن تعديل القوانين الكلاسيكية يتطلب سنوات، بينما تتطور الخوارزميات في أيام معدودة، ومن ثمّ، يبرز التحكيم والوساطة الطبية كأهم الوسائل البديلة والأنسب لعام 2026.
وتتجلى قيمة الوساطة كخطوة استباقية مرنة تمتاز بقدرتها على صياغة حلول ودية وتوافقية تجمع الأطراف الثلاثة مع المريض المتضرر في بيئة غير صدامية عبر وسيط يمتلك خلفية قانونية وتقنية تؤهله لابتكار تعويضات مرنة تتجاوز التعويض المالي، كأن تتعهد الشركة المطورة بتعديل الخوارزمية لمنع تكرار الخطأ مستقبلاً، أو توفير برامج تدريبية للأطباء.
وفي حال تعذر الوصول إلى تسوية عبر الوساطة، يتم الانتقال بسلاسة إلى “التحكيم الطبي” كأداة حاسمة تتيح تعيين محكمين خبراء في الهندسة البرمجية والسيبرانية الطبية وحقوق المريض ، قادرين على تفكيك الصندوق الأسود للخوارزميات وفحص السجلات الرقمية بدقة وسرعة تضمن حماية السمعة التجارية للمؤسسات، وتأمين تعويض عادل للمتضررين.
وتأسيساً على ما تقدم، نخلص إلى أن مأسسة الخطأ الخوارزمي، وتأطير الموافقة المستنيرة الرقمية، واعتماد الوسائل البديلة لفض النزاعات لم يعد ترفاً فكرياً، بل هو صمام الأمان الحقيقي لحماية المنظومة الطبية ككل في عصر الرقمنة الصحية.
وعليه، فإن الخاتمة الحتمية تفرض على المشرعين والمؤسسات الصحية المسارعة إلى صياغة شروط نموذجية مدمجة للوساطة والتحكيم ونماذج إقرار رقمية مسبقة تُدرج في العقود الطبية؛ بهدف التوفيق بين تشجيع الابتكار التكنولوجي وحفظ حقوق المرضى، وبما يضمن استمرار الثورة الرقمية في إنقاذ الأرواح دون المساس بقواعد العدالة الإنسانية الراسخة.
المراجع:
• ناصيف، إلياس، العقود الدولية للتحكيم الإلكتروني، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ٢٠١٢.
• ناصيف، إلياس، الوساطة القضائية والوساطة الاتفاقية، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ٢٠٢٤.
• الحليوسي، إبراهيم علي حماوي، الخطأ المهني والخطأ العادي في إطار المسؤولية الطبية – دراسة مقارنة، الطبعة الأولى، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، ٢٠٠٧.
• سلامة، أحمد عبد الكريم، النظرية العامة للنظم الودية لتسوية المنازعات، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، ٢٠١٣.
“محكمة” – الجمعة في 2026/10/23



