مقالات

غياب المشرّعين الحقيقيين.. أزمة نصّ وتفسير/عاطف منصور

المحامي عاطف حسن منصور:
لم تعد الأزمة التشريعية في لبنان مقتصرة على غياب قوانين عادلة أو تأخر إصدارها، بل باتت تمتد إلى جوهر النصوص ذاتها. إذ يظهر الواقع التشريعي الراهن ضعفاً واضحاً في صياغة القوانين وسنها، سواء على مستوى وضوح النصوص أو اتساقها، ما يعكس غياب الرؤية القانونية المتخصصة داخل الجسم النيابي. ويزداد هذا الخلل مع ما نراه من غموض في الصياغة والتباس في المفاهيم، وتضارب في التفسير والتأويل، ما يضع المواطن والسلطات المختصة أمام إشكال دائم حول كيفية تطبيق النص وأي تفسير يعتد به وأي جهة يمكن الركون إليها.
وهكذا، وللأسف نعيش عند كل صدور قانون جديد حالة من الضياع والإرتباك نتيجة غياب الدقة والوضوح، الأمر الذي يثير تساؤلات جوهرية حول هوية من يضع النصوص، وهل لا يزال في مجلس النواب من يتمتع بكفاءة التشريع وفهم دقيق لآلية بناء القواعد القانونية؟
وما يزيد المشهد تعقيداً أن كثيراً من القوانين ورغم صدورها في الجريدة الرسمية تعود لتعدل أو تصحح أو يعاد تفسيرها بسبب أخطاء في الصياغة أو تناقض في المواد أو نتيجة عدم وضوح آليات تطبيقها، ما يفقد النص القانوني هيبته، ويحدث إرباكاً في المؤسسات وإستفسار من المواطنين على حد سواء تماماً كما يحصل كل مرة فتنشر ملاحق أو تصحيحات في الجريدة الرسمية بأعداد لاحقة تحت عنوان “تصويب قانون كذا” وهو أمر نادر في أنطمة تشريعية مستقرّة ما يدلّ على وجود ضعف الكفاءة القانونية وعدم التمرس في إعداد القوانين داخل المجلس النيابي، وسبب ذلك يعود الى غياب دور التشاور الفعلي مع خبراء قانونيين أو مراجع قضائية أو حتى الإستعجال السياسي في إقرار القوانين دون دراسة معمقة، فضلًا عن ضعف في التدقيق النهائي قبل احالة القانون للنشر، تماماً كما حصل مع قانون الايجارات الذي صدر في العام 2014 حيث تم تعديله عدة مرات بسبب أخطاء في المواد وبروز مشاكل بين المالكين والمستأجرين وقانون الشراء العام سنة 2021 والذي احتوى على اشكاليات في الصياغة والتطبيق، وكذلك قانون الموازنة في عدة سنوات حصلت تصحيحات في أرقام أو نصوص بعد الطباعة والنشر.
وفي مقارنة مع الماضي، لا يسعنا سوى استذكار أسماء مشرعين كبار مروا في المجلس النيابي وتركوا بصمات قانونية ناصعة أمثال:
إدمون رباط، فيليب تقلا، غسان تويني، ميشال شيحا، إميل إده، حسين الحسيني، فؤاد بطرس، نصري المعلوف، أوغست باخوس، محمود عمار، بهيج تقي الدين، سامي الصلح، وعبد الحميد كرامي وحسن الرفاعي وغيرهم، ممن أرسوا تقاليد تشريعية مبنية على الاتزان والصياغة المحكمة وكانوا بحق رجال قانون وتشريع، خلافاً لما يحصل اليوم، بحيث تكاد تخلو الهيئة التشريعية من رجال القانون بالمفهوم الحر للكلمة إلا نادراً وقد غلب على العمل التشريعي وللأسف الشديد الطابع السياسي والتسويات الظرفية والعشوائية على حساب البعض، بدل أن يكون إنتاج النص القانوني ثمرة فهم علمي وتقدير واقعي لتحديات المجتمع والازمات التي يرزح تحتها المواطنون وتثقل كاهلهم.
لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار لمفهوم “المشرع” لا كمجرّد نائب يصوّت أو يقدّم اقتراحاً، بل كصانع قانون يتحمّل مسؤولية الكلمة والفقرة والمادة، ويدرك أنّ النصّ إذا لم يكن دقيقاً سيكون وبالاً على الناس وعلى العدالة معاً.
“محكمة” – الجمعة في 2025/8/1

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!