مقالات

القانون… الصّدمة!/جمال الحلو

القاضي م جمال الحلو:
إنّها قراءة نقديّة في قانون إعادة هيكلة المصارف في لبنان
في خطوة انتظرها المجتمع المالي الدّولي، وأثارها الدّاخل اللبناني بقلق شديد، أقرّ مجلس النّواب اللبناني قانون إعادة هيكلة المصارف، بعد أشهر من الجدل، وكأنّه رصاصة “تنظيم” تطلق على جسد مأزوم أصلًا، يعاني من تداعيات انهيار مصرفي هو الأعنف منذ نشوء الكيان.
القانون، بمضمونه، يوصف بأنه محاولة لإرساء أسس جديدة للقطاع المصرفي، لكن بتكلفة صادمة على المودعين، قد تُترجم إلى ضياع فعلي لحقوق ماليّة جمّدتها المصارف من دون وجه قانوني منذ عام 2019، وأخفقت الدّولة في حمايتها أو استردادها.
أولًا: البنية القانونيّة للقانون:
جاء القانون في 10 أبواب و37 مادة، من أبرز ما فيها:
إنشاء “هيئة إعادة هيكلة” مستقلة نظريًا لكنها خاضعة من حيث التّعيين للسلطات السّياسيّة والنّقديّة، بما يثير تساؤلات حول استقلالها الحقيقيّ.
منح صلاحيات واسعة تشمل تجميد أو حلّ المصارف، أو فرض اندماجات، أو إعادة هيكلة جذريّة.
تقديم مبدأ الإنقاذ الداخلي Bail-In كآلية للمعالجة، ما يسمح بتحويل جزء من ودائع كبار المودعين إلى أسهم في المصارف، أو شطب جزء منها.
لكنّ الخطورة القانونية تتجلّى في أن القانون لا يُطبَّق إلّا بعد إقرار قانون معالجة الفجوة الماليّة، ما يعني أن القانون الحالي معلّق التّنفيذ فعليًا، ويعتمد على قانون لم يُقرّ بعد. وبذلك، يبقى مصير المودعين والمصارف قيد المجهول، ومحكومًا بنصوص غير مكتملة.
ثانيًا: الأبعاد الاقتصاديّة:
يحاول القانون ترميم الثّقة المفقودة في النّظام المصرفي، عبر تنظيم الخسائر وإعادة هيكلة المصارف “المتعثّرة”، لكنّ الخلل البنيوي في الاقتصاد اللبناني يجعل هذا الهدف صعب التّحقيق، في ظل:
غياب خطة اقتصاديّة شاملة للدولة تتضمّن إعادة هيكلة الدّين العام.
غموض حول مصادر تمويل إعادة الرسملة.
استثناء الدّولة من تحمّل الخسائر رغم كونها أكبر المدينين.
إضافةً إلى ذلك، يتوقّع أن يُلحق القانون الضرر بفئة واسعة من المودعين الذين يفوق حجم ودائعهم السّقوف المحددة، والذين لم يثبت أنهم من المضاربين أو المتربّحين من النّظام السّابق، بل هم أفرادٌ وثقوا بالنّظام المصرفيّ، وتركوا مدّخراتهم فيه لأسباب مختلفة (تقنيّة، مهنيّة، جغرافيّة…).
ثالثًا: التّداعيات الاجتماعيّة:
هنا تقع الكارثة الأخطر. فالقانون لا يراعي:
تفاوت الطبّقات: إذ يحمّل المودعين الكبار أعباء الفجوة رغم أن معظمهم ليسوا من أصحاب النّفوذ أو الامتيازات، بل مغتربون أو متقاعدون أو مهنيون.
انعدام العدالة في التّوزيع: فالقانون يستثني صناديق الدّولة من الخسارة، بينما يفرض الخسائر على القطاع الخاص.
انعدام الثّقة: فكلّ قانون يُقرّ من دون ضمانات تنفيذية حقيقية، يزيد من نقمة النّاس، ويزرع شكوكًا حول حسن النيّة في المعالجة.
بالتّالي، يمكن القول إن القانون يُقونن الانهيار لا يعالجه، ويؤسّس لمنهجيّة تحميل المواطن البسيط مسؤوليّة نظام فاشل شُيِّد على المحسوبيّات والتسيّب.
رابعًا: المقارنة الدوليّة:
في تجارب دول كاليونان وقبرص:
تمّت إعادة هيكلة المصارف بعد برامج إصلاح حقيقيّة، ومساهمة مباشرة من الدّولة وصناديق دوليّة.
تمّت حماية صغار المودعين تمامًا، وفرضت قيود قاسية على أرباح المصارف وإداراتها.
صدر قانون صارم لمحاسبة الفاسدين ومهندسي الانهيار المالي.
أما في لبنان، فالمشهد معكوس:
لا مساهمة للدولة.
لا مساءلة لأحد.
لا حماية شاملة للمودعين.
ولا خطة إنقاذ متكاملة توازي هذا القانون.
خامسًا: خلاصات وملاحظات:
1- القانون خطوة تنظيميّة ضروريّة، لكنه أتى متأخرًا ومنقوصًا، ومشروطًا بقانون لم يولد بعد.
2- أموال المودعين لا تُحمى بنصوص مُعلّقة بل بإرادة دولة واضحة، وعدالة في توزيع الخسائر.
3- غياب المساءلة عن المسؤولين عن الانهيار يفرغ القانون من أي مضمون أخلاقي أو إصلاحي.
4- المجتمع الدّولي – لا سيما صندوق النّقد – لم يُبدِ حماسة كبيرة بعد، معتبرًا القانون منقوصًا وغير شفاف في بنية توزيع الخسائر.
كلمة أخيرة: الدولة مسؤولة… والمودعون ليسوا كبش فداء.
إذا كان القانون مفصلًا لإعادة تكوين القطاع المصرفي على أسس “سليمة”، فإنّ العدل هو الأساس الأول للصحة الماليّة.
لن يُكتب لهذا القانون النّجاح إلّا إذا ترافق مع:
قانون عادل للفجوة الماليّة.
محاسبة صريحة للمنظومة السّياسيّة والماليّة.
ضمانات لاستعادة الثّقة العامة، محليًا ودوليًا.
وإلا، فإن “القانون… الصّدمة” سيُضاف إلى لائحة طويلة من النّصوص التي شرعنت الانهيار، لا التي أوقفته.
“محكمة” – الجمعة في 2025/8/1

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!