ليتني ما وُلدتُ في لبنان/انطونيو الهاشم
انطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقاً):
ليست هذه العبارة كفرًا بالوطن، بل ذروة الإيمان الجريح به. يقولها من يحبّ لبنان حتى التعب، حتى صار الحبّ نفسه عبئًا على القلب. فالوطن الذي لا يسكن أعماقنا لا ينتزع منّا هذه الصرخة. وحده لبنان، حين يمتزج بالدم والروح، يجعلنا نقول من شدّة الوجع ، ليتني ما وُلدتُ فيه.
في لبنان، لا يولد الإنسان طفلًا فقط، بل يولد شاهدًا. يفتح عينيه باكرًا على الفوضى والخوف، وعلى وطنٍ وُهب كل أسباب الجمال وحُرم كل أسباب الطمأنينة. هنا نتعلّم أنّ الانتماء ليس راحة، بل جرحٌ مفتوح، وأنك قد تحبّ أرضًا بكل ما فيك ثم تمضي عمرك معتذرًا منها أو عنها أو لنفسك لأنك لم تستطع أن تنقذ الجنة ممّن حوّلوها إلى جحيم.
الجمال فيه ليس عزاءً، بل زيادةً في الوجع. البحر لا يهدّئ القلب حين يكون الوطن غريقًا، والجبل لا يخفّف الألم حين تكون النفوس حزينة . هذا البلد خُلق ليكون قصيدة، فأصرّوا أن يحوّلوه إلى نشرة نكبات.
في لبنان لا نتعب من الفقر والقلق والانتظار فقط، بل من الإهانة ، من عقلٍ يُهان، وصدقٍ يُعاقب، وكفاءةٍ تُقصى . لذلك “ليتني ما وُلدتُ في لبنان…” ليس اعتراضًا على الولادة، بل على قدرٍ جعل الحبّ والعذاب توأمين.
لبنان ليس وطنًا عاديًا، بل علاقة مصير. نغضب منه ولا نبرأ منه، نهرب منه فيلحقنا، نندم على الزمن الذي صار فيه مكانًا يُوجع أكثر مما يحمي.
ليتني ما وُلدتُ في لبنان…
يقولها القلب من شدّة الوجع.
لكنّه، في سرّه العميق، يعرف أنّه ما كان ليكون هذا القلب كما هو، لو لم يولد هنا.
“محكمة” – الخميس في 2026/4/9



