علم وخبر

المعونة القضائية… لدى البعض قد تكون باباً من أبواب التعسّف باستعمال الحقّ/شربل شرفان

المحامي شربل شرفان:
1- ماهيّة المعونة القضائيّة والأصول والإجراءات لتقديمها:
حدّد قانون أصول المحاكمات المدنيّة في الباب الرابع – الفصل السابع منه أحكاماً تُجيز للخصم الذي لا تمكّنه حالته الماديّة من دفع رسوم ونفقات المحاكمة أن يطلب منحه المعونة القضائية، وقد كرّست ذلك المادة /425/.
والمعونة القضائيّة تُمنح وفقاً لأحكام المادة /426/ للأشخاص الطبيعيّين اللبنانيّين بطبيعة الحال، والأجانب ولكن ضمن شرطين يجب توافرهما مجتمعين، هما: أن تكون إقامتهم في لبنان اعتياديّة، والمعاملة بالمثل أيّ أن يكون القانون في بلادهم يُجيز منحها للأجانب أيضاً، وبالتالي إذا انتفى أحدهما لا يمكن للأجنبي الحصول عليها. كما أجازت هذه المادة حصول الأشخاص المعنوييّن على المعونة بشكل استثنائي ضمن شرطين أيضاً هما أن لا يستهدفون الربح ويكون مركز إدارتهم أو أعمالهم في لبنان.
وقد نظّم قانون أصول المحاكمات المدنيّة المعونة القضائيّة في مواده من /425/ إلى /441/. فيمكن تقديم طلب المعونة لأجل إقامة الدعوى أو لأجل الدفاع فيها، كما يجوز تقديمه لأجل استعمال طرق الطعن ولو قدّم للمرّة الأولى أيّ أنّه يجوز تقديمه لأوّل مرّة في الاستئناف أو التمييز أو أيّ طريق من طرق الطعن العاديّة والاستثنائيّة وفي مرحلة التنفيذ أيضاً إذ إنّ المادة /441/ أ.م.م. أجازت لرئيس دائرة التنفيذ منحها. ولكن المادة /430/ أ.م.م. اشترطت لقبول الطلب وعدم ردّه أن يكون ادعاء طالب المعونة أو دفاعه مقبولاً أو يستند إلى أساس قانوني سليم، كما أنّ طلب المعونة يردّ في التمييز إذا كان استدعاء النقض يخلو من أيّ سبب جدّي للنقض. وهذا يعني أنّ المشرّع أجاز للمحكمة الناظرة بطلب المعونة الدخول في تفاصيل الدعوى التي قدّم طلب المعونة بمعرضها لكي يمكنها تبيان ما إذا كانت الادعاء أو الدفاع فيها مقبولاً أو أنّ سنده القانوني سليماً من الوجهة القانونيّة، وهذا الأمر يخضع لاستنسابيّة هذه المحكمة التي مكّنها المشرّع من الوقوف على الدعوى الأساسيّة وما ورد فيها من وقائع وما أثير فيها من أسباب قانونيّة.
أمّا لناحية الأصول الواجب اتباعها في الطلب، فحدّدتها المواد /428/، /429/، /431/، /432/ و/433/ أ.م.م.، بأنّ يقدّم الطلب بعريضة معفاة من الرسوم والطابع المالي محرّرة بثلاث نسخ، تودع قلم المحكمة التي ستنظر في الدعوى فيحتفظ الكاتب بنسخة ويرسل النسخة الثانية إلى الخصم الذي له أن يبدي ملاحظاته الخطيّة في خلال خمسة أيام ويرسل النسخة الثالثة إلى النيابة العامة التي يمكنها إبداء الرأي في مهلة خمسة أيّام أيضاً. ويجب أن يضمّ طالب المعونة إلى طلبه شهادة من مصلحتي الواردات والخزينة في وزارة الماليّة (مديريّة الماليّة العامة) تدلّ على الضرائب المباشرة التي يؤديها وشهادة من أيّة سلطة محليّة تثبت عسره. وبعد تقديم الطلب تدعو المحكمة طالب المعونة وخصمه للحضور أمامها في غرفة المذاكرة، ولها حتى في حال غيابهما أن تنظر في الطلب وتبتّ به. وبعد صدور القرار يبلّغ قلم المحكمة الخصمين والنيابة العامة مضمونه ويكون هذا القرار غير قابل لأيّ طريق من طرق الطعن، كما يبلّغ القرار الصادر بمنح المعونة القضائيّة إلى نقيب المحامين ليعيّن أحد المحامين للدفاع عن مصالح من نال تلك المعونة. وفي كلّ الأحوال يمكن للمحكمة التي منحت المعونة القضائّية الرجوع عن قرارها من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب النيابة العامة أو وزارة الماليّة إذا تغيّرت الظروف التي من أجلها مُنحت المعونة أو اتضح أنّها غير صحيحة، وفي هذه الحالة الأخيرة تُلغى المعونة بأثر رجعي. ويبقى الخصم الذي مُنح المعونة مستفيداً منها لأجل تنفيذ الحكم أو الدفاع عند استعمال طرق الطعن ضده. وتزول المعونة بوفاة المُعان ولا يكون لزوالها أثر رجعي إنّما يجوز لورثته أن يطلبوها عند الاقتضاء.
2- إساءة استعمال الحقّ في طلب المعونة القضائيّة:
ذكرنا في ما سبق ماهيّة المعونة القضائيّة والأصول التي تحكمها وإجراءات تقديمها. ولكن، قد يُسيء المتقاضي الذي تقدّم بها استعمال حقّه في ذلك، إذ يمكنه الولوج إليها ليس بغاية أنّه معسر، أو أنّه من أصحاب الدخل المحدود ولا يمكنه تحمّل أعباء نفقات ومصاريف المُحاكمة، بل يتقدّم بها بهدف المماطلة والتسويف لعرقلة الدعوى الأساسيّة وتأخير الفصل بها، وهذا ما نراه بشكل شبه يومي في أروقة المحاكم، ومثالاً على ذلك السيناريو الذي يتكرّر كثيراً: عندما يبلّغ الخصم (المدّعى عليه) استحضار الدعوى، وبعد انقضاء مهل التبادل دون تقديم أيّ جواب، يتقدّم المدّعي بطلب موعد جلسة أصولاً. وهنا ينتظر المدّعى عليه موعد الجلسة ليحضر فيها ويقدّم إفادة من المحكمة الناظرة بقضايا المعونة القضائيّة مفادها أنّه تقدّم بطلب أمامها بهذا الخصوص… وهذه الطريقة أصبحت شائعة لدى البعض من سيئي النيّة من المتقاضين سيّما وأنّهم لا يعمدون إلى ملاحقة طلب المعونة، فلا يكون من الأكثر عجلة، وهو بطبيعة الحال المدّعي في الدعوى الأساسيّة، إلاّ أن يقوم بواسطة وكيله القانوني بملاحقة طالب المعونة وإجراءاته وذلك بتقديم طلب إلى المحكمة لأجل استكمال هذه الإجراءات بإبلاغ وزارة الماليّة والنيابة العامة الاستئنافيّة على همّته، وصولاً إلى إبلاغ قرار منح المعونة إلى نقابة المحامين في حال منحها. وهنا يتكبّد المدّعي نفقات ومصاريف كان بغنى عنها لو أنّ المدّعى عليه التزم بقواعد حسن النيّة وتابع طلب المعونة وإجراءاته وصولاً إلى صدور القرار فيها. كما وأنّ هذا الأمر يؤدّي إلى عرقلة مرفق العدالة وسيرها وتأخير إحقاق الحقّ وحصول صاحبه عليه، كما يُعتبر إرهاقاً للمحاكم عن طريق إضاعة الوقت والمجهود واستنفاد الموارد.
ومن جهة ثانية، إنّ الادعاء والدفاع هما حقّان مقدّسان ومكرّسان في دساتير الدول وفي المواثيق العالميّة لحقوق الإنسان والاتفاقيّات المتعلّقة بها. ولكن ممارسة هذين الحقّين يجب أن تكون بحسن نيّة، ودون الإضرار بالغير بشكل كيدي وغير مشروع وبدون وجه حقّ. وهذا ما كرّسه المشرّع اللبناني في عدّة أحكام في قانون أصول المُحاكمات المدنيّة أهمّها المواد /10/ و/11/ و/551/.
فقد نصّت المادة /10/ على أنّ “حقّ الادعاء وحقّ الدفاع مقيدان بحسن استعمالهما، فكلّ طلب أو دفاع أو دفع يُدلي به تعسّفاً يُردّ ويعرّض من تقدّم به للتعويض عن الضرر المسبّب عنه”. كما نصّت المادة /11/ من القانون عينه (بعد تعديلها بموجب المرسوم رقم 2024/13909) على “يُحكم على الخصم المتعسّف بغرامة قدرها مليوني ليرة على الأقل وخمسين مليون ليرة على الأكثر تقضي بها المحكمة من تلقاء نفسها”. والمادة /551/ أيضاً أوجبت على المحكمة “أن تحكم بالتعويض عن كل ضرر ناشئ عن ادعاء أو دفاع أو دفع قصد به الكيد”.
وفي هذا المجال نرى بأنّ هنالك قصوراً تشريعيّاً لناحية تضمين قانون أصول المحاكمات المدنيّة نصوصاً وأحكاماً رادعة من شأنها منع من تسوّل له نفسه التعسّف باستعمال حقّ تقديم طلب المعونة القضائيّة. وهنا يجب أن يتدخّل المشرّع عن طريق تعديل أحكام المعونة والتشدّد في تطبيقها، وذلك وفقاً لما نقترحه أدناه (على سبيل المثال لا الحصر):
• إلزام الخصم الذي تقدّم بطلب المعونة، بمهل محدّدة قصيرة أو معقولة لمتابعة وملاحقة طلبه تحت طائلة سقوط حقّه في المعونة، وفي حال أراد تمديد المهلة أن يستحصل من المحكمة الناظرة بالطلب على قرار بناءً على طلب يقدّمه أمامها ولأسباب جديّة وجوهريّة تبرّر تأخّره عن ذلك على أن يكون القرار معلّلاً.
• تحديد نصاب معيّن للمدخول الشهري العائلي لطالب المعونة، مثلاً أن يكون أقلّ من الحدّ الأدنى الرسمي للأجور. وتكليفه بيان هذا المدخول العائلي أو أيّة موارد أيّاً كان نوعها ومصدرها بمستندات رسميّة. ويُقصد هنا بالمدخول العائلي هو مجموع الرواتب والأجور والموارد لطالب المعونة والأشخاص من أفراد عائليه الذين يعملون ويقيمون معه في سكن واحد. كما فعل المشرّع الفرنسي في المادة /4/ من القانون رقم 91/647 تاريخ 1991/7/10 وتعديلاته.
• إشتراط إبراز طالب المعونة ضمن طلبه وليس بعد تقديمه، الشهادة من مصلحتي الواردات والخزينة في وزارة الماليّة (مديريّة الماليّة العامة) والتي تدلّ على الضرائب المباشرة التي يؤديها.
• اشتراط إبراز طالب المعونة ضمن طلبه وليس بعد تقديمه، كشفاً مصرفيّاً حول أرصدته المصرفيّة وكتاباً من جمعيّة المصارف يُفيد ما إذا كان لدى طالب المعونة أرصدة مصرفيّة في مصارف متعدّدة.
• اشتراط إبراز طالب المعونة ضمن طلبه وليس بعد تقديمه، إفادة نفي ملكيّة تُفيد بعدم تملّكه لأيّة عقارات مبنيّة أو غير مبنيّة.
• ملاحقة وتجريم طالب المعونة في حال أدلى أمام المحكمة الناظرة بالمعونة بأيّة إفادة أو أي تصريح كاذب أو استعمل أو استفاد من أيّ منهما، بجرم التزوير واستعمال المزور. وعند اكتشاف ذلك أن تتّخذ المحكمة الناظرة بالمعونة قراراً في غرفة المُذاكرة بإبلاغ النيابة العامة الاستئنافيّة بذلك لإجراء المقتضى، كما وإصدار القرار بردّ طلب المعونة بأثر رجعي. على غرار ما أقرّه المشرّع الفرنسي في المادة /50/ من القانون رقم 647/91 تاريخ 1991/7/10 وتعديلاته.
• الحكم على طالب المعونة في حال تعسّفه باستعمال الحقّ بالتعويض لخصمه بمبلغ كبير وهام يتمّ تحديده بموجب النصّ التشريعي ولا يُترك أمر تحديده للمحاكم، أو مثلاً أن يوضع حدّ أدنى وحدّ أقصى للتعويض. كما والحكم عليه بالغرامة سنداً لأحكام المواد /10/ و/11/ و/551/ من قانون أصول المحاكمات المدنيّة.
3- الخاتمة:
إنّ مقاصد المشرّع من إقرار المعونة القضائيّة تتمحور حول تطبيق مبدأ “مجانيّة المحاكمة” خصوصاً وأنّ هذا المبدأ، وإن كان صحيحاً من الناحية النظريّة، إلاّ أنّ نفقات المُحاكمة، من الناحية العمليّة، قد تكون عبئاً هاماً على أصحاب الدخل المحدود. من هنا وجدت المعونة لتقديم المساعدة من خزينة الدولة لمن لا يجد للعدالة سبيلاً. ولكن لا ينبغي استغلال هذه الطريق لإلحاق الأضرار بالخصم عملاً بالمبدأ العام الذي يحكم الخصومة القضائيّة وهو “شرف الخصومة” وهو تقيّد الخصوم والتزامهم بمجموعة من القواعد الأخلاقيّة أهمّها الصدق والأمانة والنزاهة ما يضمن حسن سير العدالة لأجل تحقيقها.
“محكمة” – الاثنين في 2025/7/21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!