إشكالية الدائرة السادسة عشرة (إقتراع المغتربين) بين النص القانوني واستحالة التطبيق والطعن بمرسوم دعوة الهيئات الناخبة/بسام جمال
المحامي بسام جمال:
أعاد الجدل السياسي-القانوني حول اقتراع اللبنانيين غير المقيمين إلى الواجهة، إشكالية قانونية دقيقة تتعلق بما يُعرف بالدائرة الانتخابية السادسة عشرة المخصصة لانتخاب ستّة نوّاب عن الاغتراب، وهي مسألة بقيت منذ إقرار قانون الانتخاب رقم 2017/44 معلّقة بين النص والتطبيق.
فبينما أوجد المشترع هذه الدائرة كآلية انتقالية لتنظيم تمثيل المغتربين، بقي تنفيذها رهناً بقرارات تنظيمية وإدارية لم تصدر عملياً، ما أدى إلى تضارب بين النص القانوني النافذ والواقع التنفيذي، وفتح الباب أمام نزاعات محتملة أمام مجلس شورى الدولة.
وفي ظل توجّه بعض القوى السياسية إلى تقديم ترشيحات عن هذه الدائرة، مقابل اتجاه وزارة الداخلية إلى ردّ الطلبات لعدم توافر لوائح الشطب وعدم جهوزية الإدارة، تبرز مسألة قانونية أساسية: هل يصبح مرسوم دعوة الهيئات الناخبة عرضة للإبطال بسبب استحالة تنفيذ جزء من القانون الانتخابي؟
أولاً: الإطار القانوني للدائرة 16 في قانون الانتخاب
نص قانون الانتخاب رقم 2017/44 على:
• تخصيص ستة مقاعد نيابية للمغتربين توزع طائفياً.
• إنشاء دائرة انتخابية مستقلة خارج الأراضي اللبنانية.
• انتقال اللبنانيين غير المقيمين لاحقاً للاقتراع لهذه المقاعد بدل الاقتراع في دوائرهم الأصلية.
إلا أن القانون نفسه ربط التطبيق بإجراءات تنظيمية أساسية، أبرزها:
• إعداد لوائح شطب خاصة بغير المقيمين.
• تحديد أماكن الاقتراع وآليات الفرز.
• إنشاء إدارة انتخابية قادرة على تنظيم العملية خارج لبنان.
وهذه الإجراءات لم تستكمل عملياً، ما أبقى النص القانوني قائماً دون قابلية تنفيذ فعلية.
ثانياً: قرار الحكومة ومفهوم “الاستحالة التنفيذية”
عندما تعتبر السلطة التنفيذية أن تطبيق نص قانوني أصبح متعذراً عملياً، فإنها تستند إلى مبدأ إداري راسخ هو:
لا يُفرض على الإدارة تنفيذ ما يستحيل تنفيذه مادياً أو تنظيمياً.
وقد استقر اجتهاد مجلس شورى الدولة اللبناني على أن القرار الإداري يكون مشروعاً عندما يصدر مراعاةً لظروف واقعية تجعل التنفيذ الحرفي للنص مستحيلاً، شرط عدم مخالفة جوهر القانون أو الالتفاف عليه.
ومن المبادئ التي كرّسها المجلس في عدة قرارات إنتخابية وإدارية:
• وجوب توافر الوسائل التنظيمية قبل إلزام الإدارة بالتنفيذ.
• إعتبار غياب البنية الإدارية سبباً جدياً يبرر اتخاذ تدابير انتقالية.
• أولوية استمرارية المرفق العام وسلامة العملية الانتخابية.
ثالثاً: إشكالية لوائح الشطب وأثرها القانوني
جوهر الأزمة يتمثل في أن وزارة الداخلية:
لا تمتلك لوائح شطب للدائرة 16،
ولا يوجد تحديد فعلي للناخبين ضمنها،
ولا آلية قانونية لاحتساب الهيئة الناخبة.
وهنا يظهر مبدأ قانوني أساسي:
الترشيح يفترض وجود هيئة ناخبة محددة قانوناً.
فإذا كانت الهيئة الناخبة غير موجودة فعلياً، يصبح قبول الترشيحات إجراءً شكلياً بلا موضوع، ما يبرر رد الطلبات إدارياً.
وقد اعتبر مجلس شورى الدولة في اجتهاداته الانتخابية أن أي عملية انتخابية تقوم دون تحديد واضح للناخبين تُعد مخالفة لمبدأ المساواة والشفافية الانتخابية.
رابعاً: أثر فتوى هيئة التشريع والاستشارات
عندما أُفتي بإمكانية اقتراع المغتربين لـ128 نائباً في دوائرهم الأصلية، نشأ تعارض عملي بين:
النص الذي أنشأ دائرة خاصة للمغتربين، والتطبيق الذي أعادهم إلى الدوائر الداخلية.
هذا التعارض يولّد ما يُعرف فقهياً بـتعليق تطبيق النص بفعل ممارسة تشريعية لاحقة أو تفسير رسمي ملزم للإدارة.
وبالتالي تصبح الإدارة ملزمة بالتفسير الأكثر قابلية للتطبيق حفاظاً على انتظام الانتخابات.
خامساً: الطعن المحتمل بمرسوم الانتخابات
في حال ردّت وزارة الداخلية طلبات الترشيح، قد يلجأ المرشحون إلى الطعن بمرسوم دعوة الهيئات الناخبة على أساس:
• مخالفة القانون النافذ.
• تعطيل دائرة انتخابية منصوص عليها.
• المساس بمبدأ تكافؤ الفرص.
إلا أن نجاح الطعن يبقى مرتبطاً بسؤال جوهري:
هل الخطأ من الإدارة أم من عدم قابلية النص للتطبيق؟
واجتهاد مجلس شورى الدولة يميل تقليدياً إلى رفض إبطال العمليات الانتخابية عندما يكون الخلل ناتجاً عن قصور تشريعي أو استحالة تنظيمية لا عن تعسف إداري.
سادساً: التحليل المنطقي والسياسي-القانوني
واقعياً، نحن أمام ثلاث حقائق:
• الدائرة 16 موجودة قانوناً لكنها غير قابلة للتنفيذ عملياً.
• تعديل القانون لم يحصل رغم إحالة مشروع معجل.
• الإدارة مضطرة لتسيير الانتخابات ضمن مهلة دستورية.
وبالتالي، فإنّ ردّ الترشيحات لا يشكّل بالضرورة مخالفة للقانون، بل قد يُعتبر تطبيقاً لمبدأ أعلى هو:
حماية سلامة العملية الانتخابية ومنع إجراء انتخابات وهمية بلا ناخبين.
كما أن مجلس شورى الدولة غالباً ما يوازن بين الشرعية النصية والواقعية التنفيذية، ويرجّح الحل الذي يمنع شلل الاستحقاق الدستوري.
الخلاصة
إن أزمة الدائرة السادسة عشرة تكشف خللاً تشريعياً أكثر منه نزاعاً إدارياً. فالنص القانوني بقي دون أدوات تطبيق، ما وضع السلطة التنفيذية أمام خيارين أحلاهما مرّ: تنفيذ نص غير قابل للتطبيق، أو تجاوز تطبيقه مؤقتاً لضمان إجراء الانتخابات.
والراجح اجتهاداً أن مجلس شورى الدولة، في حال حصول طعن، قد يعتبر أنّ غياب لوائح الشطب، وعدم تحديد الهيئة الناخبة، واستحالة التنظيم اللوجستي، تشكل أسباباً جدية تبرر موقف الإدارة، ما يجعل إبطال مرسوم الانتخابات ، مع تحميل المشترع مسؤولية معالجة الفراغ التشريعي.
“محكمة” – الخميس في 2026/2/19



