دوري شمعون.. الثابت في مواقفه/نهاد جبر
نهاد جبر(نقيب المحامين في بيروت سابقًا):
كان يناديني يا صاحبي،
كم هي عزيزة هذه المناداة،
تختصر علاقة عمرها نيفٌ وخمسين سنة ،

دوري شمعون،
سنة 1957، في بداياته ، وبمناسبة افتتاح مدينة كميل شمعون الرياضية، تعرّف على أمير منطقة الرياض الأمير سلمان بن عبد العزيز، رافقه في تجواله في لبنان، وتوطّدت صداقة بينهما.
سنة 2015، وعند تولي الأمير سلمان عرش المملكة العربية السعودية ، اقترح عليه مقرّبون أن يقوم بزيارته، فرفض الإقتراح لكي لا يُقال أنه قصده من أجل منفعة شخصية أو مصلحة حزبية، فيما أمَّ غيره السعودية ممن لم يكن على معرفة بمَلِكِها.
بقي على علاقات جيّدة مع أصحاب القرار في الدول التي مهّدها له والده فخامة الرئيس كميل شمعون، دون أن يستغلّ هذه العلاقات لمنفعة شخصية له ولحزبه ولعائلته والمقربين منه.
كان صادقاً مع نفسه قبل أن يكون صادقاً مع أي كان.
في عزّ الحوادث في لبنان، انضمّ إلى الجبهة اللبنانية كأمين عام لحزب الوطنيين الأحرار، إلّا أنه اعترض على جباية الأموال من الناس، ونشأ خلاف بينه وبين بعض أعضاء الجبهة، فاستقال منها سنة 1978، مُفسحاً المجال أمام شقيقه داني وسافر إلى باريس.
في العاصمة الفرنسية، وكان العميد ريمون اده مقيماً قسراً فيها، عرض مسؤولون كبار في الرابطة المارونية عقد لقاء مع القيادات المقيمة آنذاك في باريس، فرفض العميد إده العرض قائلاً إنّه يلتقي بدوري شمعون دون سواه وفي أي وقت وفي أي مكان، لثباتهما في الموقف الرافض لما كان يجري في لبنان.
عاد دوري شمعون إلى لبنان بعد اغتيال شقيقه داني وزوجته انغريد وطفليهما طارق وجوليان، وأول لقاء معه في بيروت، كان مع صديقه المرحوم الشيخ سيمون بولس على عشاء في مطعم Au Vieux Quartier، اطمأن منه حينها على أحواله وكانت متعثّرة مادياً، فقال له: انك إذا التقطت ذهباً بين يديك تحوّل تراباً. وعند المغادرة سأله كيف يتجول وحيداً ودون حماية فأجابه أن العمر بيد الله، وقد أكون نازلاً على الدرج وأتعثر وألطم رأسي وأموت.
دوري شمعون لم يكن يهابُ الموت.
دوري شمعون،
في حقبة الاحتلال السوري الواسع للبنان، كما كان يراهُ احتلالاً وليس وجوداً ، كانت الساحة في لبنان خالية من أية مرجعية، أبى أن يستغلّ هذا الوضع متابعاً عمله السياسي والوطني من خلال حزب الوطنيين الأحرار، رافضاً كل الإغراءات التي قُدمت له ولحزبه، من نيابات ووزارات، غير مكترث لملفات رُكّبت للنيل من مواقفه ، ذلك أنه لم يتعوّد أن يبيع المواقف بأي ثمن مهما غلا.
كان صاحب مبدأ، لم يَحِدْ عنه ولم يساوم عليه، قد يكون خَسِر مراكز ومناصب، استغلّها سواه، فيما بقي هو في مكانه تَسُرّه تحيات الناس له: “الله يطول بعمرك يا ريّس”، ومَنَّ الله عليه بسنوات مديدة من العمر جاوزت الأربعة وتسعين سنة، عاشها مرفوع الرأس، عالي الجبين، حرّ الضمير، نقياً صافياً في لبنانيته.
كان وحيداً في مواقفه ولا أحد سواه فيها، ولو على عناد.
دوري شمعون،
يؤخذ عليه عدم اهتمامه بشؤون المحازبين ومن جيل صاعد من الشباب، ليس عن عدم اكتراثٍ بهم أو إهمال، وعند مفاتحته بهذا الموضوع ، قال: إني أنظر إلى صورة داني وزوجته وطفليه، فماذا سيكون وضعي فيما لو أصاب أحد الشباب أو الشابات ما أصابهم، فلست قادراً على تحمّل المزيد من الشهداء والأبرياء.
كان إنساناً تشدّه العاطفة تجاه غيره، وعلى غير ما كان يبدو عليه.
الى هؤلاء،
حزبكم مشرّف،
في وطن هو بأمسّ الحاجة إليكم.
دوري شمعون،
حافظ على إرث عظيم تركه له والده الرئيس كميل شمعون الذي رغم وفاته منذ أربعين عاماً، ما زال محوراً باقٍ لأجيال وأجيال،
تربّى على يد والدته، “الستّ زلفا” بعاطفة أمومتها وإنسانيتها وتواضعها، رفَعَت لقب الستّ إلى أعلى الألقاب،
استلم قيادة حزب الوطنيين الأحرار بعد استشهاد شقيقه داني، ورغم صعوبة تلك المرحلة، أكمل المسيرة بصلابة وعناد،
دوري شمعون،
رحل وفي قلبه غصّة على الجنوب وبيروت والبقاع، وله في كلّ المناطق من لبنان، أصدقاء ومحازبين ومناصرين، ولا ننسى أن حزب الوطنيين الأحرار تأسس من رجالات من كل المذاهب والمناطق، مسيحيين ومسلمين ودروز، ظّل على تواصل معهم في السرّ والعلن.
كل مُناه، كان أن يرجع لبنان إلى سابق عهده في الإلفة والوحدة والإزدهار والبحبوحة ،
هكذا هو لبنان الذي أراده، حرّاً سيداً مستقلاً، لا مكان فيه للتعصّب، للفتنة، ولا مقام فيه لأي مرتهن لسواه.
دوري شمعون،
في يوم عيد الصليب رحل،
حاملاً صليبه من عذابات شعب،
ووطن ما برح على درب الجلجلة ، متعثرة قيامته .
قلت فيه ، بعض ما كان عليه ،
إنسان يعود إلى تراب دير القمر، ذهباً خالصاً،
نودّعه باحترام،
غالٍ كان وسيبقى.
“محكمة” – الاربعاء في 2026/9/16



