هجرة الشباب اللبناني: حين يصبح البقاء أصعب من الرحيل/عاطف منصور
المحامي عاطف حسن منصور:
لم تعد هجرة الشباب اللبناني مجرد ظاهرة إجتماعية عابرة، بل تحولت إلى نزيف حقيقي يهدد إحدى أهم ثروات لبنان، وهي ثروته البشرية. فكل شاب يغادر بحثاً عن فرصة عمل وحياة أفضل لا يخسر لبنان شخصاً فقط، بل يخسر معه سنوات من التعليم والتأهيل والطموح، ويخسر إمكانية مساهمته في بناء الإقتصاد والمجتمع والدولة.
لقد أصبح من الصعب على كثير من الشباب أن يجدوا في وطنهم فرصة توازي طموحاتهم أو تؤمن لهم حياة كريمة. فالرواتب لا تتناسب في كثير من الأحيان مع تكاليف المعيشة، وفرص العمل محدودة، والإستقرار الإقتصادي والاجتماعي مفقود. كما أن الحروب والأزمات الأمنية التي يشهدها لبنان من وقت لآخر، وما رافقها من خوف ودمار وتهجير وعدم إستقرار شكلت سبباً إضافياً دفع كثيراً من الشباب إلى البحث عن وطن أكثر أمناً وإستقراراً لبناء مستقبلهم.
وتكشف الأرقام حجم المشكلة. فقد أظهرت الإستطلاعات أن ما يزيد عن 40% من اللبنانيين يرغبون في الهجرة، وترتفع النسبة إلى 60% لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 32 عاماً. كما ترتفع النسبة بين الجامعيين في مؤشر واضح إلى أن لبنان لا يخسر فقط اليد العاملة، بل يخسر أيضاً أصحاب الإختصاص والكفاءآت التي أنفق سنوات طويلة في تعليمها وتأهيلها.
ولا تقتصر الخسارة على الأطباء والمهندسين والمحامين والأساتذة الجامعيين والمستشارين القانونيين وسائر أصحاب المهن الحرة، بل تشمل أيضا آلاف الشباب الذين كان يمكن أن يكونوا قوة منتجة في الإقتصاد اللبناني. وكلما إزدادت الهجرة، إزدادت صعوبة تعويض هذه الطاقات وأصبح المجتمع أكثر إعتماداً على التحويلات المالية من الخارج بدلاً من الإنتاج والإستثمار في الداخل.
والأخطر أن الهجرة بدأت تتحول في نظر كثير من الشباب من خيار شخصي إلى حاجة مفروضة. فالشاب الذي لا يجد وظيفة، أو يجد وظيفة بأجر لا يكفي لتأمين أبسط متطلبات الحياة، يجد نفسه أمام خيارين: البقاء في وطنه مع إنسداد الأفق، أو مغادرته بحثاً عن فرصة في بلد آخر. وهنا تكمن مسؤولية الدولة. لأن معالجة الهجرة لا تكون بدعوة الشباب إلى البقاء ولا بإطلاق الشعارات، بل بتوفير الأسباب التي تجعلهم قادرين على البقاء. وهذا يبدأ بإصلاح الإقتصاد وتحسين الإدارة العامة وتوفير بيئة آمنة للإستثمار وحماية فرص العمل وربط التعليم الجامعي بحاجات سوق العمل وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.
لبنان لا يستطيع أن يستمر في تصدير شبابه واستيراد حاجاته. فالدولة التي تخسر كفاءاتها وطاقاتها الشابة ثم تعتمد على أبنائها المغتربين لإعالة عائلاتهم في الداخل، تكون أمام مشكلة تتجاوز الإقتصاد إلى مستقبل المجتمع نفسه.
ولا يعني ذلك أن الهجرة يجب أن تكون ممنوعة أو أن الإغتراب اللبناني ظاهرة سلبية. فاللبنانيون في الخارج كانوا ولا يزالون جزءاً أساسياً من قوة لبنان وقد ساهموا في دعم عائلاتهم وإقتصاد بلدهم. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الوطن عاجزاً عن توفير الحد الأدنى من الظروف التي تسمح لشبابه بأن يختاروا البقاء.
إن المطلوب ليس منع اللبناني من السفر، بل أن يكون السفر خياراً لا إضطراراً، وأن يكون اللبناني قادراً على العودة كما هو قادر على المغادرة.
فالثروة الحقيقية للبنان ليست فقط في موارده الطبيعية أو موقعه الجغرافي، بل في الإنسان اللبناني نفسه. وإذا إستمر نزيف الهجرة من دون معالجة جدية، فقد يأتي يوم يصبح فيه السؤال ليس كم لبنانياً يعيش في الخارج، بل من بقي في لبنان لبناء مستقبله.
صفوة القول، إن إنقاذ الشباب اللبناني من الهجرة القسرية لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى دولة تعرف مسؤوليتها، وإدارة تعمل، وإقتصاد منتج، وقضاء عادل، وفرص عمل تحفظ للإنسان كرامته.
فالشباب لا يهاجرون لأنهم لا يحبون وطنهم، بل في كثير من الأحيان لأنهم لم يعودوا يجدون فيه المكان الذي يستطيعون أن يبنوا فيه مستقبلهم.
“محكمة” – الأحد في 2026/9/20



