أبرز الأخبارمقالات

حضرة رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل.. العفو العام أفضل من العقاب الشامل/عماد جعارة

المحامي عماد جعارة:
بصفتي محاميًا والمنسق الأسبق للتيار الوطني الحر في العاصمة بيروت، أقولها لك بكل صراحة، ومن موقع المحبة والثقة والاحترام:
أنا أثق بك، وأثق بأن موقفك من الطعن بقانون العفو العام نابع من قناعة قانونية ودستورية، وليس من رغبة في حرمان أي إنسان من حقه. لكنني، كمحامٍ، أختلف معك في هذه المسألة تحديدًا.
وأتمنى منك أن تعيد النظر في هذا الموقف.
أنا لا أستخف أبدًا بحقوق شهداء الجيش وعائلاتهم، ولا أعتبر العفو العام فضيلة بحد ذاته، ولا أطالب بعفو عن الجريمة أو بإلغاء الحقوق المدنية للمتضررين.
لكنني أسأل سؤالًا جوهريًا:
هل نحن واثقون إلى هذا الحد بأن القضاء اللبناني أعطى كل موقوف ومحكوم ما يستحقه من عدالة، ومحاكمة عادلة، وسرعة في الفصل، ومساواة أمام القانون؟
أنا، كمحامٍ، لا أستطيع أن أجيب بنعم. لأنني لا أثق بكل القضاء والقضاة.
لقد عايشنا، نحن المحامين، حالات وممارسات جعلت ثقة الناس بالقضاء تهتز بشدة. وتعرّض بعضنا، في مناسبات مختلفة، لمواقف وطلبات غير مقبولة من قضاة أو من أشخاص في محيط القضاء.
ولا أقول ذلك للتعميم أو للتشهير بالقضاء كسلطة، (في بعد شوية آوادم) فالقضاء النزيه ضرورة لا يمكن أن تقوم الدولة من دونه. لكن الاعتراف بوجود خلل في العدالة ليس إساءة إلى القضاء؛ بل هو أول خطوة في إصلاحه.
وهنا أطرح عليك، حضرة الرئيس رئيسي في التيار، مسألة أراها بالغة الدلالة:
كيف يمكن أن نجد أشخاصًا يقبعون في السجون بسبب توقيع شيكات دون رصيد، فيما يبدو أن الدولة والقضاء عاجزان، أو مترددان، في وضع حدّ حاسم لممارسات المرابين واستيفاء الأموال بفوائد فاحشة، رغم الأضرار الاجتماعية والاقتصادية الخطيرة التي يمكن أن تنتج عنها؟
لا أتحدث هنا عن إعفاء من المسؤولية في أي من الحالتين، ولا أطالب بحماية أي مرتكب.
لكنني أسأل عن التناسب والعدالة في تطبيق القانون:
لماذا تكون يد العدالة شديدة على من وقّع شيكًا بلا رصيد، بينما يشعر المواطن أحيانًا أن ملاحقة المرابي والحسم في قضايا المراباة ليست بالصرامة نفسها؟
هل هذه هي العدالة التي نريد أن يثق بها المواطن؟
أنا لا أطالب بأن نكون مع المديون ضد الدائن، ولا مع المجرم ضد الضحية.
أنا أطالب بأن يكون القانون واحدًا على الجميع، وأن تكون الحماية القضائية متاحة للضعيف كما هي متاحة للقوي.
لهذا السبب، ورغم أنني أدرك تمامًا أن قانون العفو العام قد يطال جرائم وحقوقًا لأشخاص تضرروا كثيرا، ورغم تفهّمي الكامل لألم الشهداء وعائلاتهم، فإنني أرى أن العفو العام، في الظروف الاستثنائية التي يعيشها لبنان، قد يكون أحيانًا أقل ظلمًا من استمرار سلب حرية أشخاص في ظل منظومة قضائية تعاني من التأخير والاختلالات واكثر لا يمكنني البوح بها.
وبين خيارين مؤلمين، أقولها بصراحة:
بين شرّين، أختار الأقل ظلمًا.
العفو العام ليس إعلانًا بأن الجريمة أصبحت مباحة، وليس شهادة براءة جماعية.
أنا لا أطلب عفوًا عن الجريمة.
أنا أطلب عفوًا عن الإنسان عندما يصبح استمرار التوقيف أو العقوبة، في ظل واقع قضائي مختل، ظلمًا إضافيًا.
دراسة ملف العفو العام يجب ألا تنطلق فقط من السؤال:
“كم مجرمًا سيستفيد؟”
بل أيضًا من سؤال لا يقل أهمية:
“كم مظلومًا قد يبقى في السجن إذا لم نعطِ هذا القانون فرصة؟”
حضرة رئيس التيار الوطني الحر، ناضلنا سويا ومن جهتي من مربض القليعات حتى الأشرفية
أنت تعرف أنني لا أقول هذا الكلام من موقع الخصومة معك. بالعكس. أنا ملتزم.
أنا أثق بك، ولهذا أخالفك الرأي بصراحة.
وأتمنى منك، من موقع المسؤولية، أن تعيد النظر في الطعن بقانون العفو العام، أو على الأقل أن تعيد تقييم الموقف من القانون في ضوء الواقع القضائي والإنساني الذي يعيشه لبنان. كيف تقبل ان يبقى بريء في زريبة رومية التي لا تليق بالحيوانات.
فالتيار الذي رفع شعار الإصلاح ودولة القانون واستقلال القضاء يستطيع أن ينظر إلى هذا الملف من زاوية أوسع:
ليس المطلوب حماية المجرم من العقاب، بل حماية الإنسان من الظلم.
وكيف نطلب من المواطن أن يثق بالقضاء، إذا كان هو نفسه يرى بأم العين أن هناك تفاوتًا في التعامل مع الجرائم، وأن بعض الملفات تصل إلى أحكام وعقوبات قاسية، فيما ملفات أخرى، ومنها ملفات المراباة مثلا، لا يجد فيها دائمًا الحسم القضائي الذي ينتظره؟
حضرة الرئيس،
قد نختلف في الموقف اليوم، وقد نختلف في تفسير النصوص الدستورية، لكن لا يجب أن نختلف على مبدأ واحد:
لا يجوز أن يكون هناك بريء في السجن.
وإذا كان في السجن مذنب، فليحاكم وفق القانون.
أما إذا كان في السجن بريء واحد فقط، فعلينا جميعًا أن نكون مع إنقاذه.
لهذا أنا، كمحامٍ، مع قانون العفو العام، رغم شوائبه، ورغم الألم الذي قد يسببه لبعض العائلات، لأنني أؤمن بأن الحرية والعدالة لا يمكن أن تكونا امتيازًا للأقوى.
راجِعوا موقفكم من العفو العام.
لا دفاعًا عن المجرمين، بل دفاعًا عن احتمال جدي من وجود أكثرية من المظلومين بينهم.
فالعدالة ليست أن يعاقَب الجميع.
العدالة أن لا يُظلم أحد.
“محكمة” – الاربعاء في 2026/9/16

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!