مقالات

إلى الجحيم بخطوطكم الحمراء: القانون فوق الجميع/عاطف منصور

المحامي عاطف حسن منصور:
في لبنان ما عاد المواطن يسمع إلا عبارة واحدة تتكرر حتى الغثيان “هذا خط أحمر”. الرئيس خط أحمر، الوزير خط أحمر، رجل الدين خط أحمر، القائد العسكري أو الأمني خط أحمر، وحتى بعض أصحاب المراكز المدنية صارت لهم هالة خطوط لا يجوز الإقتراب منها كأننا في حقل ألغام وليس في دولة.
للأسف كل زعيم أو مرجعية نصب لنفسه حدوداً مقدسة لا تمس حتى لو ارتكب ما يندى له الجبين، فباتت الكلمة مبتذلة إلى حد الوقاحة، سيفاً مسلطاً على كل دعوة للمساءلة والمحاسبة. فبمجرّد أن يجرؤ أحد على طرح سؤال مشروع، أو يلمح إلى شبهة فساد أو استغلال سلطة، أو مخالفة أحكام القانون، أو حتى التفكير باتخاذ قرار قضائي ما يخرج علينا جوقة من السياسيين ورجال الدين وحماة الطوائف مرددين “إياكم هذا خط أحمر”.
حتى بعض الدول الكبرى والدول المجاورة باتت تتدخل في شؤون لبنان على قاعدة ما يسمى الخط الاحمر، وكأنها إقتبست هذه الذريعة المقيتة من واقعنا الداخلي لتفرضها في حساباتها السياسية.
ولكن ماذا لو كان هذا “الخط الأحمر” جاسوساً لدولة عدوة؟ ماذا لو كان يتلاعب بأمن الناس، أو ينهب المال العام، أو يحول مؤسسات الدولة إلى مزرعة عائلية؟ هل يبقى خطاً أحمر أم يصبح وصمة عار على جبين القانون والدستور؟
الحقيقة المرة أن هذا الاصطلاح الكريه حول لبنان إلى غابة بحيث لم يعد القانون مرجعاً، ولا الدستور حكماً، بل الولاء الطائفي والعصبية المذهبية والحماية السياسية هي القانون الفعلي، وهنا تكمن الجريمة الكبرى حين يصبح الفاسد محصناً والمجرم مكرساً بحجة أنه “خط أحمر”.
إنها مهزلة قضائية وسياسية، فالمحاسبة في دولة حقيقية لا تعرف خطوطاً، بل تعرف قاعدة واحدة أن لا أحد فوق القانون، والدستور اللبناني واضح: المساواة أمام القانون، والمسؤولية على كل من يتولى شأناً عاماً، ولا رئيس جمهورية ولا وزير ولا نائب ولا رئبس حزب ولا شيخ طائفة معفي من المساءلة. فالسلطة ليست إمتيازاً شخصياً بل تكليف بمسؤولية عامة، ومن يخالف القانون أياً كان مذهبه أو مرجعيته يجب أن يسأل ويحاكم، وإلا فما معنى وجود قضاء أو نصوص دستورية أو مواد جزائية؟
بصراحة لن يبنى وطن بخطوط حمراء، ومن السذاجة أن نتحدث عن إصلاح أو بناء دولة حديثة، بينما ما زلنا نحكم بعقلية “المقدسات الوهمية”. من يمنع محاسبة المرتكب لأنه ابن طائفة، أو صهر زعيم، أو محسوب على حزب، أو ثري بالصدفة، إنما يشارك في جريمة قتل الوطن.
لقد أثبتت التجربة أن كل حكومة فشلت وكل إصلاح سقط وكل نهب استشرى كان سببه المباشر التذرع بخطوطكم الحمراء.
صفوة القول، آن الأوان أن ندفن هذا المصطلح في مزابل اللغة والسياسة. فلبنان لا يقوم إلا إذا إختفت قداسة الأشخاص، وحلت محلها قداسة القانون، ولا مكان بعد اليوم لـ “خطوط حمراء” إلا خط واحد لا يتجاوزه أحد ألا وهو خط الدستور والقانون.
إذا أردنا لبنان الغد، دولة مدنية عادلة وقوية، فلا بد أن نسقط هذه المسخرة في حماية الزعامات والأصنام، وأن نعيد الإعتبار للمبدأ البديهي أن الجميع متساوون أمام العدالة، ومن يخطئ يحاسب أياً كان، وأينما كان، ومهما كان اسمه.
“محكمة” – الجمعة في 2025/9/3

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!