المحاماة ومبدأ تداول السلطة/علي زين الدين
إعداد المحامي علي فيصل زين الدين:
” المحاماة وجدتْ لحماية أغلى ما لدى الإنسان، حياتُهُ ومالُهُ وحرّيتُهُ وكرامتُهُ وعرضُه، والحياة لا تستقيم دونَ حماية ” د.عبد الرزّاق السنهوري.
بهذا المعنى الوجودي لمهنة المحاماة، يجسّدُ الدّكتور السّنهوري ضرورة المحاماة، وضرورة عمل المحامي، لذلك كانت هذه المهنة.
هذا وتتفاضَلُ التّشريعاتُ في ما بينها من حيثُ تكريم المحامي ورفعة شأنه، وإيجادِ كلّ السّبل المتاحة ليمارسَ المحامي عمَلَهُ بحرّيّة ودون أي ضغط، فخوّلَ المشرّع اللبناني المحامي تحقيق رسالة العدالة حيثُ جاء في نصّ المادّة ١ ت.م
” المحاماة مهنة ينظّمها هذا القانون وتهدف إلى تحقيق رسالة العدالة بإبداء الرّأي القانوني والدّفاع عن الحقوق ”
كما اعتبَرَ المشرّع اللبناني أنّ المحامي مكلّف بتنفيذ الخدمة العامة، لذلك كان نصّ المادّة ٢ ت.م
” تساهم المحاماة في تنفيذ الخدمة العامة، ولهذا تولي من يمارسها الحقوق والحصانات والضمانات التي ينصّ عليها هذا القانون كما تلزمه بالموجبات التي يفرضها ”
بعد ما أوردناه سالفًا، نجدُ أنفُسَنا أمام سؤالٍ مهمّ يطرحُ نفسهُ بنفسه:
أتوجدُ سلطة في مهنة المحاماة؟ وماذا عن تداولِها إن وجدَت؟
للإجابة على هذه الإشكاليّة، ينبغي علينا تعريف مصطلح السّلطة ومن ثمّ قياسها على المحاماة.
السّلطة هي الحقّ الشّرعي الممنوح لشخص أو هيئة معيّنة في اتخاذ قرارات وإصدار أوامر تلزم الآخرين بالامتثال لها ضمن إطار دستوري وقانوني معيّن.
وقد أجمع الفقه والإجتهاد على اعتبار أنّ نقابة المحامين هي شخص من أشخاص القانون الخاص، كما وأنها تتمتّع بالشخصيّة المعنويّة وبالاستقلالين المالي والإداري المادتين ٣٣ و ٣٤ ت.م
أضِفْ إلى ذلك أنّ النّقابة تتألّفُ من أجهزة حسب ما وردَ في نصّ المادة ٣٤ ت.م” تتألّف أجهزة كلّ من النقابتين من الجمعيّة ومجلس النّقابة والنّقيب “.
وقد أوردَ المشرّع صلاحيّات كلّ من الأجهزة الثلاثة في موادّ مخصّصة، لكنّهُ يتّضحُ من دراسةٍ معمّقة لقانون تنظيم المهنة أنّ هذه الصّلاحيّات قد وردَتْ على سبيلِ المثال لا الحصر، كما وأنّهُ بالامكانِ استنباط صلاحيّات لم ينصّ عليها هذا القانون صراحة، وقد كان لعضو مجلس النقابة المحامي إسكندر إلياس نظرةً خاصّةً لهذه النّقطة المثارة، إذ إنّهُ يُعدُّ من أبرزِ الحقوقيين الذين تعمّقوا في دراسة هذا القانون وأخرجوا إلى حيّز الوجود بعضًا من الصّلاحيّات غير المحدّدة صراحة.
فالجمعيّة العامة أوّلًا هي المرجع الأعلى للمحامين وتعقدُ اجتماعها العادي كلّ سنة في أول يوم أحد من تشرين الثاني، وتجتمع اجتماعًا غير عادي كلّما رأى مجلس النّقابة ضرورة لذلك أو في حال تقديم طلب له من ثلث عدد المحامين الذين يحقّ لهم الاشتراك في هذا الاجتماع، وهذا ما نصّت عليه المادّة ٣٥ ت.م
والمقصود بالمحامين الذين يحق لهم الاشتراك في هذا الاجتماع أولئك المحامين العاملين المقيّدين في الجدول الذين دفعوا الرسوم السنوية في مواعيدها، وهذا ما ورد في نصّ المادّة ٣٩ ت.م
أمّا بالنّسبة الى مهام الجمعية العامة العادية فهي كما وردت في نصّ المادة ٤٠ ت.م
١- انتخاب النقيب وأعضاء مجلس النقابة وأعضاء لجنة صندوق التقاعد.
٢- تدقيق الحساب النهائي للسنة الماضية وموازنة السنة التالية وإقرارهما.
٣- تحديد بدل الاشتراك السنوي المتوجب على المحامين لصندوق النقابة وصندوق التقاعد.
أمّا الجمعيّة العامّة غير العاديّة فتنظر في الأمور المعينة في طلب الدعوة أو في قرار مجلس النقابة دون سواها، وهذا ما صرّحت به المادة ٤١ ت.م
أمّا عن الجهاز الثاني، مجلس النّقابة، فقد جاء في نصّ المادّة ٤٢ ت:” يتألف مجلس نقابة المحامين في بيروت من ١٢ عضوًا بمن فيهم النّقيب، ويتألف مجلس نقابة طرابلس من ٦ أعضاء بمن فيهم النقيب .
ينظّم مجلس النقابة طريقة انتخاب النقيب والأعضاء.
إنّ النقباء السابقين أعضاء دائمون حكمًا في مجلس النقابة غير أنّهم لا يشتركون في التصويت، في ما يختصّ بصلاحيّات مجلس النقّابة الواسعة، عدّد المشرّع في نصّ المادة ٥٩ ت.م هذه الصلاحيّات، والبالغ عددها ١٦، هذه الصلاحيّات، وكما ذكرنا سابقًا، قد وردد تعدادها على سبيل المثال لا الحصر.
المادّة ٦٠ ت.م تفرّغت لتعداد صلاحيّات النّقيب، حيثُ جاء في نصّها الحرفي:
يمثّل النّقيب النّقابة وله على الأخصّ الصلاحيات الآتية:
١- الإشراف على ادارتها والدفاع عن حقوقها.
٢- رئاسة الجمعية العامة ومجلس النقابة وتنفيذ قرارات كل منهما وتوقيع العقود التي يوافقان عليها
٣ – التقاضي باسم النقابة…
٤- تعيين ممثل للنقابة في مركز كل دائرة قضائية وتحديد صلاحياته وإقالته
٥- تعيين المحامين الذين يكلفون الدفاع عن الذين يمنحون المعونة القضائية والمحامين الذين يكلفون عند الاقتضاء الدفاع عن المتهمين والأحداث
٦- العمل على حلّ الخلافات الناشئة بين المحامين في أمور مهنية
كما ويقتضي الإشارة أيضًا، إلى أنّ صلاحيّات النّقيب الوارد تعدادها أعلاه جاءت على سبيل المثال أيضا لا الحصر.
بعد ما بيّناه في دراستِنا لغايةِ الآن، يُبيّن جليًّا أنّ لكلّ من مجلس النقابة والنّقيب صفة ” سُلطة “، لكن ماذا عن تداولِها؟
” مدّة ولاية النّقيب سنتان. ولا يجوز تجديدها إلا بعد سنتين من انتهاء ولايته “، المادّة ٤٤ ت.م.
وهو يحملُ الميداليّة الذّهبيّة برتبتها الاستثنائيّة، وتسلّم له عند استلامه مهامه من سلفه، وهذا ما جاء في نصّ المادّة ١٢٤/أ نظام داخلي
كما نشير إلى أنّ المشرّع حدّد بصورة واضحة الشروط المطلوبة لانتخابِ محامٍ نقيبًا، حيثُ جاء في نصّ المادّة ٤٢/فقرة ١ :
” لا ينتخب محامٍ نقيبًا ما لم يكن قد مضى على تسجيله في جدول المحامين العاملين عشرون سنة على الأقل وما لم يكن عضوًا في مجلس النّقابة”.
هنا يتّضحُ جليًّا أنّ النّقيبَ الفائز في الانتخابات النقابيّة، يعرفُ أنّ ولايته ستنتهي حكمًا في الأحد الأوّل من شهر تشرين الثاني بعد مرور سنتين على انتخابه، وسيعلّقُ الميداليّة الذّهبيّة برتبتها الإستثنائيّة للنقيب الذي سيخلفه.
أمّا بالنسبة إلى انتخاب محامٍ عضوًا في مجلس النّقابة، فقد جاء في نصّ المادّة ٤٦/ فقرة2:
” لا ينتخب محامٍ عضوًا في مجلس النّقابة ما لم يكن قد مضى على تسجيله في الجدول المذكور عشر سنوات على الأقل ”
إنّ مدّة ولاية أعضاء مجلس النقابة ٣ سنوات وتنتهي كل سنة ولاية ثلث الأعضاء ولا يجوز تجديد انتخاب أي عضو أكثر من مرة إلا بعد سنتين من انتهاء ولايته (المادة ٤٥/فقرة ١ ت)
أي أنّ العضو المنتخب يعرف أنّ ولايته ستنتهي حكمًا في الأحد الأول من شهر تشرين الثاني بعد مرور ٣ سنوات على انتخابه، كما ويعرف أنّهُ يجوز لهُ تجديد ولايته مرّة واحدة فقط، لتصبح ولايته ٦ سنوات، ولا يحق له تجديد انتخابه إلا بعد انتهاء سنتين من انتهاء ولايته.
لكنّه يحصلُ أن تمتد ولاية عضو في مجلس النّقابة لأكثر من ٦ سنوات، فكيف يكون ذلك؟
ببساطة، يكون ذلك في الحالة التي يحلّ فيها هذا العضو رديفًا في انتخابات وأصيلًا في أُخرى، ففي الأولى يكملُ ولايةَ الأصيل وفي الثّانية يباشرُ بولايتِهِ من اليوم الأوّل حتى الأخير.
ومن المفيد ذكرهُ أنّ عضو مجلس النّقابة يعتبرُ حاملًا للميداليّة الذّهبيّة برتبتها العاديّة (المادة ١٢٤/ب
في كلّ سنةٍ، في الأحدِ الأوّل من شهر تشرين الثاني من كلّ سنة، تجتمعُ الجمعيّة العامّة العاديّة في نقابة المحامين في بيروت، لانتخابِ ٤ أعضاء، فإنْ لم يتوفّر النّصاب المطلوب في هذا التاريخ، تكرر الدعوة لاجتماع آخر يعقد بخلال ١٥ يومًا ويكون هذا الاجتماع قانونيا مهما كان عدد الحاضرين، وتتخذ القرارات بالأكثرية النسبية بما في ذلك نتائج الانتخابات (المادة ٣٨ ت.م )
على أن يتمّ انتخاب نقيب للمحامين في كلّ سنتين وفقًا للآليّة المذكورة أعلاه، بعد أن يتمّ انتخابه أوّلًا عضوًا في مجلس النّقابة.
وتبقى نقابة المحامين في بيروت أمّ النّقابات، رافعة الوطن، وموئلُ الدّيمقراطيّة.
“محكمة” – الجمعة في 2025/10/3



