في عيدها.. تستحقّ المرأة الأمّ أكثر من احتفاء/جيسيكا ديب
المحامية جيسيكا ديب:
في شهر آذار، حيث تلتقي رمزية عيد المرأة مع دفء عيد الأمّ، تتجدّد فينا معاني الامتنان لكلّ امرأة اختارت أن تناضل بمحبة، وأن تصنع من تعبها اليومي رسالة نجاح، ومن مسؤولياتها المتعددة قوةً تدفعها إلى الأمام.
فالمرأة، في جوهرها، ليست فقط عنوانًا للحنان، بل هي أيضًا صورة للقوّة الهادئة، والإرادة التي لا تنكسر، والعطاء الذي لا يعرف حدودًا.
ومن بين أدوارها المتعددة ومسؤولياتها الكبيرة، تظلّ قادرة على أن تحمل الحياة في قلبها، وأن تزرع الأمل فيمن حولها، وأن تكتب كل يوم، بصمتها وصبرها، قصة نجاح تستحقّ أن تُروى بكلّ فخر.
وإذا كان الاحتفاء بالمرأة والأم يُعبّر بصدق عن الامتنان لمكانتهما ودورهما، فإنّ الإنصاف الحقيقي لهما يقتضي أن يتحوّل هذا التقدير إلى دعم فعلي وتمكين ملموس. ذلك أن تمكين المرأة عمومًا، وتمكين الأم خصوصًا، ليس ترفًا إجتماعيًا ولا عنوانًا إحتفاليًا يُستحضر في المناسبات فقط، بل هو حاجة مهنية وإنسانية ومجتمعية حقيقية. فالأمّ العاملة تخوض كلّ يوم تحدّيًا مزدوجًا بين سهرها على أطفالها، وحرصها على بيتها، وسعيها إلى إثبات ذاتها في ميدان العمل، ومع ذلك تمضي بثبات، حاملةً قلبًا كبيرًا، وعقلًا يقظًا، وإرادةً لا تنكسر.
ومن هنا، فإنّ المؤسسة الواعية هي التي تدرك أن دعم المرأة لا يكون بالكلمات والشعارات فقط، بل بمنحها الثقة، واحتضان طموحها، والإيمان بقدراتها وإعطائها الفرصة لتكون ناجحة في حياتها الأسرية والمهنية معًا.
بالإضافة إلى ذلك، لا بدّ أن يترجم هذا الدعم إلى سياسات عامة وتشريعات حديثة تكفل حماية المرأة عمومًا، والأم خصوصًا، وتمكّنها من تحقيق توازن منصف بين مسؤولياتها المهنية والتزاماتها العائلية. فالحاجة اليوم باتت ملحّة إلى تطوير الأطر القانونية بما يضمن، على سبيل المثال، تمديد إجازة الأمومة، واعتماد أنظمة عمل أكثر مرونة للأمهات، ولا سيما في القطاع الخاص، بحيث لا يغدو دوام العمل عائقًا يحول دون قيام الأم بدورها الطبيعي في رعاية أسرتها وأطفالها. ذلك أنّ الإيمان الحقيقي بمكانة المرأة لا يكتمل إلا بالإيمان بأن تنشئة أجيال المستقبل هي من الركائز الأساسية في بناء الوطن واستقراره، وبأنّ الأسرة هي النواة الأولى للمجتمع، الأمر الذي يفرض على المؤسسات اعتماد سياسات أكثر عدالة وإنصافًا، تراعي خصوصية الأمومة وتدعم المرأة في أداء رسالتها الأسرية والمهنية على حدّ سواء.
وفي SALAMAS Law Firm، لا تبدو هذه المعاني مجرد شعارات رنانة موسمية، بل واقعًا نعيشه كل يوم، في بيئة مهنية يتكوّن فريقها من خمس نساء محاميات وقانونيات، وهو ما يعكس حضور المرأة الفاعل، لا بوصفه حضورًا عدديًا فحسب، بل كفاءةً، ووعيًا، والتزامًا، وقدرةً على تحمّل المسؤولية وصناعة الأثر.
وأقول ذلك إنطلاقًا من تجربة شخصية أعتزّ بها؛ فكوني أمًّا لطفلين لم يكن يومًا عائقًا أمام مسيرتي المهنية في مكتب SALAMAS، بل وجدت فيه بيئةً داعمة مكّنتني من تحقيق التوازن بثقة بين رسالتي كأم وطموحي كامرأة قانونية تسعى إلى النجاح وتحقيق ذاتها.
وفي هذه المناسبة، أتوجّه بجزيل الشكر والتقدير إلى الدكتور والمحامي سلام عبد الصمد على دعمه المتواصل للمرأة، وإيمانه العميق بدورها، وحرصه الدائم على أن تكون بيئة العمل مساحةً حقيقية للنمو وتحقيق الطموحات. وقد كان له بالغ الأثر في هذا المسار، بما يقدّمه من تشجيع مستمر، ودعم صادق، ونظرة راقية ومنصفة إلى المرأة العاملة، ولا سيّما إلى الأم. ولا أنسى كلمته التي لامستني بعمق حين قال لي ذات يوم: “ما أروع أن تحققي أحلامك وضحكات وضجيج أطفالك تحيط بك.” لم تكن تلك العبارة مجرد مجاملة عابرة، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن إيمان حقيقي بأن الأمومة لا تنتقص من نجاح المرأة، بل تمنحه معنى أعمق وإنسانية أكبر.
ختامًا، وفي عيد المرأة والأم، لا يسعنا إلا أن ننحني إجلالًا لكل امرأة تناضل بصمت، ولكل أمّ تنسج من تعبها حياة، ومن صبرها مستقبلًا، ومن محبتها وطنًا صغيرًا يقيم في قلوب أبنائها إلى الأبد.
ونستحضر بكل وفاء الأمهات اللواتي رحلن عن هذه الدنيا، بعد أن تركن أثرًا طيبًا وذكرى خالدة لا تغيب عن وجدان أبنائهن. فالمرأة ليست مجرد نصف المجتمع، بل هي قلبه النابض، وروحه الملهمة، والمدرسة التي تربّي نصفه الاخر. وستظلّ المرأة حكاية قوة تُروى كل يوم، وستبقى الأمّ أجمل فصولها وأعظمها، لأنها لا تصنع حياتها وحدها، بل تصنع حياة من حولها أيضًا.
“محكمة” – الجمعة في 2026/3/20



