الخيانة الوطنية جريمة.. ليست وجهة نظر/سلمان بركات
المحامي سلمان أحمد بركات:
منذ بدء العدوان الإسرائيلي على لبنان في عام 2024 ، لا سيما بعد تصعيده في آذار 2026 ، وحتى تاريخه ، يطلق بعض اللبنانيين توصيف الخيانة على البعض الآخر ، ويحصل الأمر معاكسًا أيضًا، وذلك لغايات سياسية . وما يثير الإستغراب أنه يتم إسقاط هذا الوصف على أفعال لا تنطبق عليه ، في حين تلجأ بعض القوى الساسية ، وبعض وسائل الإعلام إلى تجميل فعل الخيانة ، وتقديمه بصورة العمل الوطني .
للوقوف على حقيقة هذا المصطلح ، لا بد من البحث في تعريفه ، وتحديد مفهومه ، وماهيته ، وأنواعه ، ومتى تشكل الخيانة خيانة وطنية ، ومتى تعتبر جرمًا يعاقب عليه القانون اللبناني .
أولا ً ـ في تعريف الخيانة :
سوف نتناول تعريف الخيانة لغة ، واصطلاحًا.
في اللغة : الخيانة لغة نقيض الأمانة ، وأصل الخون النقص ، لأن الخائن ينقص المخون شيئا ً مما خانه فيه .
ويقال خانه يخونه خونًا، وذلك نقصان الوفاء . وهي تعني التفريط في الأمانة.(يراجع مقاييس اللغة ، ابن فارس ـ ج 2 ـ ص 231 ـ والفيروز آبادي ج 2 ـ ص 582 )
معنى الخيانة إصطلاحًا:
قال البعض إن الخيانة اصطلاحًا، تعني مخالفة الحق بنقض العهد في السر.
وقيل : هي الإستبداد بما يؤتمن الإنسان عليه من الأموال والأعراض والحرم ، وتملك ما يستودع ، ومجاحدة مودعه.
وقيل أيضًا: الخيانة التفريط فيما يؤتمن الإنسان عليه .
وقال ابن عاشور : حقيقة الخيانة ، عمل من اؤتمن على شيء بضد ما اؤتمن لأجله ، بدون علم صاحب الأمانة. (تفسير التحرير والتنوير ـ محمد الطاهر بن عاشور ـ ج 24 ـ ص 174 )
لم يتفق علماء النفس على تعريف محدد للخيانة ، لكن يمكن القول إنّها في مفهومها البسيط تعني : نقض العهد أيًا كان نوعه .
والخيانة مفردة تدل في معناها على حقيقة الوضاعة ، وأعلى مراتب الدناءة ، والسقوط الأخلاقي ، وهي صفة منبوذة ، ومن يتصف بها منبوذ ، محقر بين أهله . وهي تصرف مذموم، غير اخلاقي ، في جميع الأديان وجميع الثقافات ، ووفق المفاهيم والقيم الإنسانية .
ثانيا ً ـ نظرة الأديان للخيانة:
الخيانة كما اسلفنا منبوذة ومذمومة في كل الأديان ، لا سيما في الإسلام والمسيحية .
1 ـ في الإسلام: الخيانة في الإسلام من المعاصي العظيمة ، كونها تعتبر نقضًا للعهود ، وموالاة للأعداء ، وسببًا في فساد المجتمع والبلاد .
وللدلالة عى ذلك ، ورد في القرآن الكريم : ” يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ” . ( سورة الأنفال ـ 27 ).
وأكد القرآن الكريم أيضًا حرمة الخيانة ، حيث جاء في سورة النساء : ” إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما “. ( النساء ـ 107 )
وأيضًا : ” إن الله لا يحب الخائنين ” .( الأنفال ـ 58 )
وهناك العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تؤكد حرمة الخيانة ، ولا يتسع المجال لذكرها . فأوردنا الآيات السالفة الذكر لتأكيد ما تقدّم .
2 ـ في المسيحية: تعتبر الخيانة في الديانة المسيحية خطيئة كبرى ، سواء كانت خيانة زوجية أو خيانة أمانة وثقة ، أو خيانة للوطن والعهد . وتعتبر المسيحية أن الغدر والخيانة من الرذائل التي تنبع من قلب شرير. يؤكد الكتاب المقدس ذلك حيث ورد فيه : ” ويل لك أيها المخرب وأنت لم تخرب ، وأيها الخائن ولم يخونوك ، حين تنتهي من التخريب تخرب ، وحين تفرغ من الخيانة يخونونك ” ( إشعياء 33 : 1 ) .
وأيضًا: ” بل كل من عمل شيئًا من هذه الرجسات تقطع الأنفس التي تعملها من شعبها ” ( لاويين 18 : 29 ) .
ويشير هذا النص إلى أن الخروج من القيم وخيانة ثوابتها يستوجب العزل .
وهناك العديد من النصوص الأخرى التي تتناول الخيانة وإثمها
ثالثا ً ـ أنواع الخيانة:
الخيانة أنواع ، منها:
ــ الخيانة الزوجية: وتكون بأن يخون أحد الزوجين شريكه في الزوجية.
ــ الخيانة المالية : وهي أن يخون المؤتمن بما اؤتمن عليه من مال.
الخيانة الوطنية : وهذا النوع هو الذي سوف نتناوله بشكل موسع ، نظرًا لخطورته على مستقبل الدول والأوطان . فما هي هذه الخيانة .
الخيانة الوطنية، هي عبارة عن الأفعال أو التصرفات التي تهدف إلى الإضرار بمصالح الدولة ، سواء من خلال التعاون مع قوى خارجية ، أو التحريض على الفوضى والإضطرابات الداخلية . وفي كثير من الأحيان يتم تبريرها تحت ذرائع سياسية أو إجتماعية .ومن مصاديق ذلك أعمال الحرب ضد الدولة ، وأعمال دعم أعداء الدولة ، أو التعاون مع الأعداء.
والخيانة الوطنية تعدّ من أبشع الجرائم القانونية والأخلاقية ، لأنها تشكل طعنا ًلسيادة الدولة وأمن الوطن. ولأن المجني عليه فيها هو الوطن بحد ذاته . وخيانة الوطن أشد فتكًا من العدو لأنها تأتي من الداخل ، فلا مبرر لها ، ولا شفاعة لمرتكبها ، مهما كانت منزلته، ومهما كان السبب الدافع إليها. فالوطن بمنزلة الشرف والعرض للإنسان ، ومن هان عليه وطنه يهون عليه عرضه وشرفه . فالخائن لا يؤتمن ، وناكر الجميل لا يؤنس . وما أوضع الإنسان الذي يخلع ثوب الوفاء ويرتدي رداء الخيانة.
نظرًا لخطورة الخيانة الوطنية جرى تجريمها ، ووضعت عقوبات على مرتكبيها . وقد تضمنت معظم قوانين وأنظمة العقوبات في العالم نصوصًا تعاقب عليها . من هذه القوانين قانون العقوبات اللبناني ، الذي جرم هذا الفعل ، وفرض عقوبات على من يرتكبه.
رابعا ً ـ جريمة الخيانة الوطنية في القانون اللبناني :
عالج المشرع اللبناني هذه الجريمة في الكتاب الثاني من قانون العقوبات ، في الباب الأول المتضمن الجرائم الواقعة على أمن الدولة ، وتحديدًا في الفصل الأول من الكتاب المذكور، تحت عنوان ” الجنايات الواقعة على أمن الدولة الخارجي ” في المواد 273 لغاية 280 .
يهمنا في هذا المقام تناول المادتين 274و275 من القانون المذكور.
تنص المادة 274 على ما يلي : ” كل لبناني دس الدسائس لدولة أجنبية أو اتصل بها ليدفعها إلى مباشرة العدوان على لبنان أو ليوفر لها الوسائل إلى ذلك عوقب بالأشغال الشاقة المؤبدة .
وإذا أفضى فعله إلى نتيجة عوقب بالإعدام ” .
وتضيف المادة 275 : ” كل لبناني دس الدسائس لدى العدو أو إتصل به ليعاونه بأي وجه كان على فوز قواته عوقب بالإعدام”.
بالعودة إلى مجريات الأحداث العدوانية التي يرتكبها العدو الصهيوني بحق لبنان ، من قتل وتدمير وإبادة ، وما رافق ذلك من موقف سياسية صادرة عن أفراد وجماعات وقوى سياسية ، تتواصل مع العدو بوسائل شتى ، منها التواصل مع الناطق باسم جيش العدو عبر وسائل التواصل الإلكتروني وغيرها ، وحثه على مواصلة قصف مناطق لبنانية محددة ، والقضاء على ساكنيها من المواطنين اللبنانيين . يتضح بأنّها تشكّل جرائم خيانة وطنية ، ينطبق عليها نصا المادتين 274و 275 السالفا الذكر.
وأكثر من ذلك، إن أي إتفاق حصل مع العدو وأعطاه “حق الدفاع المشروع ” المزعوم ، دون إعطاء هذا الحق للبنان بالمقابل ، يشكّل تحفيزًا للعدو على فوز قواته ، ينطبق عليه نص المادة 275 المومى إليها . لا سيما أن المواد المذكورة لا تزال سارية المفعول والتطبيق ، ولا يمكن تجاهلها .
يبدو واضحًا، مما تقدم أن ارتكاب فعل الخيانة ليس وجهة نظر ، أو مجرد رأي سياسي ، كما يحلو للبعض وصفه ، إنما هو جرم يعاقب عليه قانون العقويات اللبناني وفقا ً لما أسلفنا .
ولا يمكن تجميل هذا الفعل ، أو إضفاء بعض المساحيق التجميلية عليه . فالجرم يبقى جرمًا طالما ينص عليه القانون ، ولو أسبغ بأي صفات أو مفردات أخرى . والخيانة الوطنية تبقى خيانة ، ولو ألبست لبوسًا غير لبوسها.
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/5/5



