العفو عن بعض الجنايات دون العفو عن بعض الجنح!/عماد جعارة
المحامي عماد جعارة:
لا يجوز العفو عن بعض الجنايات واستثناء بعض الجنح لاسيما ان معظم القضايا الجزائية هي مدنية بالأساس يقيمها المدعون للضغط على المدعى عليهم .
في ظل النقاش الدائر حول مشاريع العفو العام، تقف مسألة استثناء جنح إساءة الأمانة والاحتيال أمام اختبار جدّي لمفهوم العدالة الجزائية. فهل يُعقل أن يُصار إلى العفو عن بعض الجنايات، فيما تُستثنى جنح يختلط فيها المدني بالجزائي، ويشوبها في كثير من الأحيان سوء تكييف أو تسارع في الأحكام؟
أولًا: الاجتهاد القضائي اللبناني… نحو تضييق التجريم الجزائي.
كرّس الاجتهاد اللبناني، ولا سيما قرارات محكمة التمييز اللبنانية، مبدأ أساسيًا مفاده:
“لا يكفي الإخلال بالعقد لقيام جرم إساءة الأمانة أو الاحتيال والشيكات، بل يجب توافر عنصر الغش الجرمي والنية الاحتيالية المسبقة”.
وفي العديد من قراراتها، اعتبرت محكمة التمييز أن: مجرد عدم تنفيذ الالتزام لا يرقى إلى جرم جزائي، وأن النزاع يبقى ضمن الإطار المدني إذا غابت وسائل الاحتيال المحددة قانونًا.
كما شددت على أن: القصد الجرمي عنصر جوهري لا يُفترض بل يجب إثباته، وأن الشك يُفسَّر لمصلحة المدعى عليه
ثانيًا: إساءة الأمانة… بين الحيازة الناقصة والنزاع التعاقدي.
في قضايا إساءة الأمانة، ميّز الاجتهاد بين:
الحيازة الناقصة التي تُسلَّم على سبيل الأمانة
والحيازة الناشئة عن علاقة تعاقدية أو شراكة
واعتبر أن:
“تبدل العلاقة القانونية أو نشوء خلاف حسابي لا يُشكّل بحد ذاته جرم إساءة أمانة.”
وهذا ما أدى في حالات عديدة إلى: فسخ التعقبات الجزائية، وإحالة النزاع إلى القضاء المدني.
ثالثًا: الاحتيال… تضييق مفهوم الوسائل الاحتيالية
استقر الاجتهاد على أن جرم الاحتيال يفترض:
استعمال وسائل احتيالية خارج إطار الكذب العادي
وأن يكون من شأنها خداع الشخص المعتاد
وبالتالي:
الوعود التجارية أو المبالغات لا تكفي، والغبن المدني لا يتحول تلقائيًا إلى احتيال.
رابعًا: جرائم الشيكات… قراءة قضائية واقعية
في ما يتعلق بالشيكات دون رصيد الذي قد تخفي مراباة، ورغم طابعها الذي قد يبدو أنه جزائي، فقد اتجهت بعض الاجتهادات إلى: الأخذ بعين الاعتبار طبيعة العلاقة الأصلية خاصة حين يكون الشيك وسيلة ضمان وليس وفاء.
وفي هذا الإطار، تبرز حالات:
ديون بفوائد مرتفعة، علاقات مالية غير متوازنة، ما يعيد التأكيد على الطابع المدني الكامن خلف العديد من هذه الملاحقات.
خامسًا: العفو العام لا يمسّ الحقوق الشخصية
من المبادئ المستقرة أن: العفو العام يُسقط الحق العام فقط، ولا يؤثر على الحق الشخصي، أيّ أنّ المتضرّر: يحتفظ بحقه بالمطالبة بالتعويض ويمكنه التنفيذ على أموال المدين، وبالتالي، فإن شمول هذه الجرائم بالعفو:
لا يضيع الحقوق، بل يعيد النزاع إلى إطاره الطبيعي (المدني)
سادسًا: مبدأ التناسب والعدالة الجزائية
إن استثناء هذه الجنح، مقابل شمول بعض الجنايات بالعفو، يشكل إخلالًا واضحًا بمبدأ التناسب.
فلا يستقيم منطقيًا ولا قانونيًا: أن يُعفى الأشد ويُستثنى الأخف، خصوصًا عندما يكون الأخير مشوبًا بشبهة التكييف المدني.
سابعًا: نداء إلى لجنة الإدارة والعدل
إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق لجنة الإدارة والعدل واللجان المشتركة، بصفتها الجهة التي تصوغ النص النهائي الذي سيُعرض على مجلس النواب اللبناني.
لذلك، فإن المطلوب بصورة ملحّة: إضافة نص صريح يشمل جنح إساءة الأمانة والاحتيال ضمن العفو العام، مع إمكانية استثناء الحالات المشددة (التكرار، التنظيم، الاحتيال المنهجي)، والتأكيد على حفظ الحقوق الشخصية بشكل واضح.
إن التأخير في تصحيح هذا الخلل قد يؤدي إلى:
تكريس ظلم قانوني، واستمرار حبس أشخاص في نزاعات ذات طابع مدني، وضياع فرصة تشريعية قد لا تتكرر.
الخاتمة: قبل فوات الأوان، إن العفو العام ليس مجرد إجراء ظرفي، بل هو لحظة تشريعية لإعادة التوازن إلى العدالة.
وشمول جنح إساءة الأمانة والاحتيال ينسجم مع الاجتهاد القضائي ويعكس واقع النزاعات ويحفظ حقوق الأفراد.
لذلك، فإن الكرة اليوم في ملعب لجنة الإدارة والعدل، لإدخال هذا التعديل الجوهري قبل إحالة المشروع إلى الهيئة العامة، وقبل فوات الأوان.
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/5/5



