علم وخبر

الدستور اللبناني بين نظرية “الضرورة” والبنود الطارئة المطروحة من خارج جدول أعمال مجلس الوزراء/ جهاد اسماعيل

الدكتور جهاد اسماعيل(كاتب واستاذ جامعي محاضر في القانون الدستوريّ):
إن كان الدستور اللبناني لم ينصّ على نظرية “الضرورة”، لكن ذلك لم يمنعه من إفتراض امكانية مواجهة الحكومات لضرورات تدفعها الى تجاوز الأصول العادية أو توسيعها، إنّما من دون أن يحدّد ماهية الحالات التي تشكّل ضرورةً على غرار الدستور الألماني، بحيث تمّ الإكتفاء في طرح الوقائع والنتائج من دون توصيف الأسباب، وتجلّى هذا الأمر في الحالات الآتية:
أوّلًا: مرسوم الضرورة: عملاً بأحكام المادة ٥٨ من الدستور “كلّ مشروع قانون تقرّر الحكومة مستعجلاً بموافقة مجلس الوزراء، مشيرةً الى ذلك في مرسوم الاحالة، يمكن لرئيس الجمهورية بعد مضي أربعين يوماً من طرحه على المجلس، وبعد إدراجه في جدول أعمال جلسة عامة وتلاوته فيها ومضي هذه المهلة دون أن يبتّ فيه، أن يصدر مرسوماً قاضياً بتنفيذه بعد موافقة مجلس الوزراء”..
يلاحظ أن هذا النص قد أعطى تقرير صفة الاستعجال للحكومة، من دون أن يكبّلها بالقواعد التي تحدّ من صلاحيتها التقديرية، وهذا ما لا نوافق عليه، لكونه قد يعطّل حكماً دستورياً صريحاً قد تعبث به الحكومة إن أساءت التقدير في افتراض العجلة أو الضرورة.
ثانياً: جلسة الضرورة: إفترض المشرّع، في الفقرة ١٢ من المادة ٥٣ من الدستور، أن تطرأ على البلاد ضرورات، فيمكن لرئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة دعوة مجلس الوزراء استثنائياً كلما رأى ذلك ضرورياً، ما يعني أنّ تقدير الضرورة لا يتحقق بقوة الدستور، إنّما بقوة اتفاق رئيسي الجمهورية والحكومة.
ثالثاً: بنود الضرورة: يظهر هذا الأمر في الفقرة ١١ من المادة ٥٣ من الدستور اللبناني بنصّها:”يعرض رئيس الجمهورية أيّ أمر من الأمور الطارئة على مجلس الوزراء من خارج جدول الأعمال”، ما يعني أنّ إمكانية الحكومة في بحث أيّ بند طارئ من خارج جدول الأعمال تتحدّد فور قرار رئيس الجمهورية في اعتبار هذا أو ذاك، ضرورياً أو طارئاً، من دون أن يعني ذلك في عرض أيّ بند لا يشكّل بنداً طارئاً، بدليل أنه لو كان الأمر على خلاف ذلك لكان المشرّع ذكر عبارة أخرى كأن يقول: “يعرض على مجلس الوزراء أيّ أمر من خارج جدول الأعمال”…
وعليه، إنّ طرح رئيس الجمهورية بند تعيين حاكم مصرف لبنان من خارج جدول الاعمال ، على سبيل المثال لا الحصر، يجد أساسه في المادة ٥٣ من الدستور، الا أن هذا الحق مقيّد بنطاق الضرورة أو الظروف الطارئة أو تلك الظروف التي لا تحتمل التأخير أو التأجيل كما يستشف من هذا النص، وإلا أصبح في إمكان رئيس الجمهورية طرح أيّ بند، من دون أيّ قيد، من خارج جدول الأعمال، مما يؤدي الى انتفاء الحاجة إلى جدول الأعمال الذي يهدف الى تمكين الوزراء دراسة البنود المعروضة من دون مفاجأة أو عجلة.
هذا، وإنّ المادة ٥٣ من الدستور لم تحدّد ماهية الظروف الطارئة الموجبة لتجاوز الأصول العادية التي تستلزم بحث بنود جدول الأعمال الموزّع مسبقاً على الوزراء، مما يوجب العودة الى مرسوم تنظيم الوزراء رقم ٤٧١٧ وتحديدا الفقرة الثالثة من المادة الخامسة التي أدرجت ماهية البنود الطارئة ضمن عبارة “الأمور المستعجلة” أو التي لها طابع السرية، بعدما منحت مجلس الوزراء، سنداً لأحكام هذا المرسوم، تقدير هذه البنود الضرورية حينما تفرض المصلحة العامة دراستها، مما يعني أن مجلس الوزراء هو صاحب الصلاحية في درس البنود الطارئة أم لا، إنطلاقاً من مدى اعتبارها بنوداً تحتمل التأجيل أم لا، ومن مدى لحاظ القوانين ذات الصلة آلية تجيز بديلاً للشغور أم لا، وذلك في مواضيع التعيين الوظيفي.
لذلك، تنصّ المادة ٢٥ من قانون النقد والتسليف، كنص ذي صلة، على أنه «بحال شغور منصب الحاكم يتولى نائب الحاكم الأول مهام الحاكم ريثما يعيّن حاكم جديد»، وهذا النصّ يقودنا إلى أمرين، الأول يعني حظر أيّ شغور أو فراغ في مصرف لبنان، وبالتالي دحض نظريّة «العجلة» التي تبرّر الخروج عن الأصول العادية. أما الثاني، فيعني بأن السبب المُوجب، نظريًا، للضرورة ، والوازع، في الوقت نفسه، لممارسة الحكومات أو رئيس الجمهورية صلاحيات تخرج عن نطاق الأحوال العادية، يكمن في حماية مبدأ دستوري عام وهو استمرارية المرفق العام الذي يتحقّق، أصلاً، وبقوة القانون، في المصرف المركزي، من دون تدخل الحكومة، وإلّا القول بخلاف ذلك، يبرّر للمؤسسات الدستورية أن تمارس صلاحيات من خارج نطاقها بمجرّد أن تتذرع، على وجه اعتيادي أو طبيعي، بالضرورة، ممّا يعني أنّ اقتراح تعيين حاكم مصرف لبنان من خارج جدول الاعمال يخرج عن البنود الطارئة، لأنّ شغور منصب “الحاكمية” بالأصالة لم يكن عملاً مفاجئاً، عدا أنّ سدّه تحقّق بقوة القانون، وهكذا الأمر بالنسبة إلى سائر المواقع الوظيفية التي يحدّد القانون – الواجب التطبيق – آلية ملئها وإدارتها ونهايتها وديمومتها، وبالتالي مدى إدراج حالات شغورها أو سدّها ضمن دائرة البنود الطارئة أم لا.
كما أنه لا يغيّر من هذا الحكم إدراج رئيس الحكومة بنداً في جدول الأعمال يحمل عنوانًا عامًا من دون أن يدخل في مسمّياته أو أوصافه، تماماً كما يتم فعله في الآونة الأخيرة حينما يُدرج بنداً بعنوان “تعيينات مختلفة”، وهذا إلتفاف يتعارض مع الهدف المنشود من جدول الأعمال وهو تفادي العجلة أو المفاجأة في مناقشة البنود، بدليل أن المادة الأولى من مرسوم تنظيم مجلس الوزراء تشير إلى أنّ جدول أعمال مجلس الوزراء يتضمّن القضايا والمشاريع والاقتراحات التي تدخل في صلاحيات مجلس الوزراء، أيّ البنود التي تلحظ أوصافًا ومسميات وأسبابًا موجبة، لا عناوين عامة تخرج عن دائرة المقاصد للمادة الأولى، مما يوجب مراعاة آلية التعيين، أيّ باقتراح اسماء بناءً على طلب الوزير المختص، وإرفاقها بمسوّغ قانوني وفعلي للتعيين، وصوغها في جدول الاعمال الذي يجب أن يدرسه الوزراء قبل انعقاد الجلسة.
جرّاء ما تقدّم، يتبيّن لنا أن الدستور لا يعطّل نفسه، كما لا يسمح في إزاحة مادة من مواده ضمن ما يُسمّى بدائرة “الإستنساب”، إنّما اعتبر، في متنه وروحه، أنّ القواعد الحقوقية وسيلة للتعبير عن المصلحة العامة، وبالتالي أيّ تغيير يطرأ عليها يستلزم تبدلاً أو توسيعاً في الأثر المباشر للنصوص، وهو حكمٌ يُوجب الأمانة في تقدير المصلحة العامة من قِبل المؤسسات الدستورية، أيّ في احترام الأسباب الدافعة إلى التماهي مع الضرورة بموازاة تطبيق الوقائع والنتائج بكثيرٍ من المسؤولية.
“محكمة” – السبت في 2025/9/13

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!