مقالات

والأذن تعشق قبل العين أحيانًا!/أنطونيو الهاشم

انطونيو الهاشم (نقيب المحامين في بيروت سابقًا):
وُلدت فكرة هذا النص في حديثٍ عذب جمعني بالنقيب الأمير سمير أبو اللمع والزميل الكبير الأستاذ أنطوان شختورة، فتشعّبت بنا الكلمات إلى سرّ الأصوات، وإلى ما تستطيع الأذن أن تراه من الإنسان قبل أن تدرك العين ملامحه. فحضرت أبيات بشّار بن برد:
يا قومِ أُذني لبعضِ الحيِّ عاشقةٌ
والأُذنُ تعشقُ قبلَ العينِ أحيانًا
ليست كلّ الطرق إلى القلب مرئيّة، ولا تحتاج كلّ البدايات إلى وجهٍ كي تولد. فثمّة حضور يتسلّل إلينا في نبرة صوت، أو رجفة كلمة، أو ضحكة عابرة، فيقيم في أعماقنا قبل أن نعرف ملامح صاحبه.
فنحن أبناء الصوت قبل أن نكون أبناء الصورة. في ظلمة الرحم، وقبل أن تنفتح أعيننا على الضوء، كان أوّل ما وصل إلينا خفق قلب الأم وانسياب صوتها. لم نرَ العالم، بل سمعناه. ولم نعرف وجه الأم، لكنّنا عرفنا إيقاع قلبها وسكنّا إليه، كأنّ الطمأنينة نفسها كانت صوتًا.
وكلّما تأمّلت سلطان الصوت، عادت إليّ والدتي. كانت، وأنا أسمّعها دروسي، تردّد على مسامعي: «الشعر باللفظ لا بالمعاني». ولا أزال أسمع نبرتها كأنّ السنوات لم تمرّ، وكأنّ الأم لا تغيب ما دام صوتها مقيمًا في أعماق أبنائها.
ولم تكن تنتقص من المعنى، بل كانت تدرك أنّ الشعر لا يبلغ القلب بالفكرة وحدها، بل بالموسيقى التي تحملها وبالإيقاع الذي يمنح الكلمة روحًا. فالمعاني تُفهم بالعقل، أمّا الشعر فيُسمع أولًا، ثم يُحسّ، ثم يُفهم.
وللصوت سلطان لا يشبه سلطان الملامح . فالعين ترى الشكل، أمّا الأذن فتتجاوز الظاهر إلى أعماق النفس. قد يقول المرء: «أنا بخير»، لكنّ نبرته تكشف ما تنكره كلماته ، لأنّ العبارة تستطيع أن تتجمّل، أمّا الصوت فيبقى ابن القلب.
وتغيب الوجوه وتتبدّل الملامح، لكنّ أصوات من أحببناهم تظلّ حيّة في الذاكرة. نسمعها في كلمة، أو لحن، أو هدوء مساء، فيتهيّأ لنا أنّ الغائب عاد، وأنّ الموت نفسه وقف عاجزًا أمام نبرة ما زالت تسكننا.
وليس العشق الذي يبدأ من الأذن عشقًا لجمال الصوت وحده، بل لما يكشفه من جمال الروح وصدقها. وحتى الصمت قد يكون صوتًا. فثمّة من يصمت إلى جوارك فيشعرك بالوحشة، وثمّة من يصمت فتشعر أنّه قال كلّ شيء.
وعندما يأتي اللقاء، تصل العين متأخّرة لتمنح صورة لذلك الصوت الذي سبقها إلى القلب. ننظر إلى الوجه فنشعر أنّنا نعرفه منذ زمن، كأنّ ملامحه كانت مختبئة في نبرته.
هكذا تعشق الأذن قبل العين أحيانًا … لأنّها لا تبحث عن ملامح الوجه بقدر ما تصغي إلى ملامح الروح. وحين تعثر على صوت يشبه ما افتقدناه طويلًا، لا تسأل من أين جاء ولا كيف يبدو صاحبه، بل تفتح له أبواب القلب وتهمس في سرّها:
لقد رأيتك… قبل أن تراك عيناي.
“محكمة” – السبت في 2026/9/12

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!