مقالات

على قوس العدالة!/جمال الحلو

القاضي م جمال الحلو:
في الثامن من حزيران عام 1999، ارتوت عتبات قصر العدل في صيدا بدماء أربعة قضاة حملوا رسالة الحق حتى الشهادة. ففي لحظة غادرة، سقط القضاة حسن عثمان، عماد شهاب، وليد هرموش، وعاصم أبو ضاهر على قوس المحكمة، ذلك القوس الذي يرمز إلى هيبة القانون وسمو العدالة، فتحوّل إلى شاهدٍ أبدي على تضحيتهم الكبرى.
لم يكن استشهادهم حادثة عابرة في سجل الوطن، بل جرحاً عميقاً أصاب الضمير اللبناني، وذكرى أليمة أكدت أن طريق العدالة قد يكون محفوفاً بالمخاطر، وأن حراس القانون يدفعون أحياناً من أرواحهم ثمناً للحقيقة التي يؤمنون بها. لقد واجه هؤلاء القضاة قدرهم وهم يؤدّون واجبهم النبيل، فارتقت أسماؤهم إلى مصافّ الشهداء الذين خلدتهم المواقف قبل الكلمات.
ومع مرور الأعوام، بقيت ذكراهم حيّة في وجدان اللبنانيين، لا بوصفهم ضحايا للعنف فحسب، بل رموزاً للنزاهة والثبات والإيمان برسالة القضاء. فدماؤهم التي أُريقت على أبواب العدالة لم تزدها إلا قداسة، ولم تجعل من ذكراهم إلا منارةً تهدي الأجيال إلى أن الحق لا يُصان إلا برجال يؤمنون به حتى النهاية.
إن ذكرى القضاة الأربعة تبقى صفحةً حزينة ومشرقة في آنٍ معاً؛ حزينة لفداحة الخسارة، ومشرقة لما جسّدوه من شرف الواجب وسمو الرسالة. وسيظل قوس المحكمة في صيدا يروي بصمتٍ قصة رجالٍ استشهدوا، لكنهم بقوا أحياءً في ذاكرة العدالة والوطن.
“محكمة” – الاثنين في 2026/6/8

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!