من الهامات إلى الأقزام… في انحدار العقل السياسي ممنوع الدخول لمن يفكّر/ انطونيو الهاشم
انطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقاً):
كان التاريخ، في فصوله المفصلية، يقف على أكتاف رجال دولةٍ حقيقيين. قادةٌ امتلكوا من الرؤية والعمق ما يتجاوز مصالحهم الضيقة، ومن الشجاعة ما يسمح لهم بقول “لا” للريح إن مالت عن وجهة الكرامة أو الحكمة. أما اليوم، فنعيش زمنًا آخر… زمنًا بات فيه الصمت أبلغ من خطاب، والخواء أوسع من أي برنامج.
لقد تراجع المستوى الفكري لدى القيادات السياسية في العالم اجمع بشكل مقلق، حتى بات من الصعب أن نميز بين الزعيم والخطيب التلفزيوني، بين رجل الدولة وبائع الأوهام. لم نعد نرى تلك القامات الفكرية التي كانت تمشي إلى المنابر محملةً بالفكر، وتخاطب الشعوب بلغة العقل والضمير، لا بلغة الإثارة والغرائز.
في العقود الماضية، كانت السياسة تعني مسؤولية أخلاقية، مشروعًا ثقافيًا، وجهدًا إنسانيًا لفهم الشعوب وقيادتها نحو الأفضل. أما الآن، فهي في كثير من الأحيان مجرّد مهنة بلا رسالة، وسباق مصالح بلا بوصلة، وشاشة بلا عمق. من كندي وتشرشل وديغول ونهرو وبن بللا، إلى زعماء لا يُجيدون حتى ترتيب جملٍ سليمة أو تفسير موقفٍ مبدئي.
نعم، لقد انحدرنا من زمن “الهامات” إلى زمن “الأقزام”. لم يَعُد الفكر السياسيّ يُصاغ في اوساط النخبة المثقفة، بل في استوديوهات الحملات الإعلامية. لم يَعُد القائد يُقاس بمدى فهمه للتاريخ أو قدرته على تصور مستقبلٍ أفضل، بل بقدرته على اللعب على الحبال، وتزييف الشعارات، واستغلال اللحظات.
تراجُع الفكر السياسي ليس صدفة، بل نتيجة انهيار عام في المنظومة القيمية والتعليمية والثقافية، حيث يُقصى الفلاسفة والمفكرون، ويُهمّش الأكفاء، ويُستبدلون بأصحاب الولاءات العمياء والخطابات الشعبوية. لم يعُد القائد ابن المعرفة، بل ابن الدعاية. لم يَعُد يقرأ كتبًا، بل يكتب تغريدات.
إن هذا الانحدار لا يُهدّد السياسة فقط، بل يهدّد المعنى. حين يغيب الفكر عن القيادة، تغيب الرؤية. وحين تغيب الرؤية، يتحوّل الحكم إلى إدارة أزمة، والمجتمع إلى قطيع، والمستقبل إلى فوضى.
إننا، عالمياً في زمن الاختناق الثقافي، بأمسّ الحاجة إلى قيادات تفكّر، لا تُثرثر؛ تُصغي، لا تصرخ؛ تُخطط، لا تُراوغ. قيادات تستعيد هيبة الفكرة، وكرامة المسؤولية، وعُمق الإنسان.
قيادات تتقن فن السياسة و هو إسعاد الناس و تحسين أوضاعهم.
ولعلّ السؤال الأصعب هو: هل من أملٍ في استعادة الفكر؟ أم أن الأقزام قد أقفلوا الباب، وكتبوا على التاريخ:”ممنوع الدخول لمن يفكّر”؟
“محكمة” – الثلاثاء في 2025/8/12



