علم وخبر

مع محبتي للرئيس جوزاف عون … يبقى التفاوض المباشر مع العدو غير قانوني/عماد جعارة

المحامي عماد جعارة:
إنّ أي نقاش حول التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي يجب أن ينطلق أولاً من مبدأ أساسي في النظام الدستوري اللبناني، وهو مبدأ خضوع جميع السلطات، بما فيها رئاسة الجمهورية، للدستور والقانون. فصحيح أنّ الدستور اللبناني أناط برئيس الجمهورية صلاحية التفاوض في المعاهدات والاتفاقات الدولية، إلا أنّ هذه الصلاحية ليست مطلقة، ولا يمكن أن تُمارَس خلافاً للقوانين المرعية الإجراء أو للثوابت الوطنية التي كرّسها الدستور نفسه.
فالمادة 52 من الدستور اللبناني تنص على أنّ: «يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء… أما المعاهدات التي تتعلق بسلام الدولة أو بأوضاع اللبنانيين الشخصية أو بحقوق السيادة أو التي لا يجوز فسخها سنة فسنة فلا يمكن إبرامها إلا بعد موافقة مجلس النواب.»
وبالتالي، فإنّ أي تفاوض يتصل بعلاقة لبنان مع إسرائيل يدخل حكماً ضمن المسائل المتعلقة بسيادة الدولة والسلم الوطني والخيارات المصيرية، ما يجعله خاضعاً ليس فقط لقرار السلطة التنفيذية، بل أيضاً لموافقة مجلس النواب صاحب السلطة التشريعية وفقاً للمادة 16 من الدستور التي تنص على أنّ: «تتولى السلطة المشترعة هيئة واحدة هي مجلس النواب.»
كما أنّ مقدمة الدستور اللبناني، ولا سيما الفقرة “هـ”، تؤكد أنّ: «النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها.» ما يعني أنّ أي سلطة لا تستطيع الانفراد بقرار يغيّر طبيعة العلاقة القانونية والسياسية مع عدو تعتبره القوانين اللبنانية عدواً قائماً.
ويُضاف إلى ذلك أنّ لبنان لا يزال ملتزماً قانوناً بمقاطعة إسرائيل، استناداً إلى أحكام: قانون مقاطعة إسرائيل الذي نصّ في مادته الأولى على: «يُحظر على كل شخص طبيعي أو معنوي أن يعقد بالذات أو بالواسطة اتفاقاً مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل أو منتمين إليها بجنسيتهم أو يعملون لحسابها أو لمصلحتها.»
كما اعتبرت المادة نفسها أنّ: «كل تعامل مع إسرائيل يُعدّ باطلاً بطلاناً مطلقاً.»
وعليه، فإنّ أي تفاوض سياسي مباشر يهدف إلى إقامة علاقة طبيعية أو الاعتراف المتبادل أو الانتقال من حالة العداء القانونية إلى حالة سياسية مختلفة، يُعدّ متعارضاً مع القوانين النافذة ما لم يبادر مجلس النواب إلى تعديل هذه التشريعات أو إصدار قانون جديد يجيز ذلك صراحة.
ولا يمكن التذرع بصلاحيات رئيس الجمهورية الواردة في المادة 52 لتجاوز مبدأ الشرعية القانونية، لأنّ الاجتهاد الدستوري مستقر على أنّ ممارسة الصلاحيات الدستورية يجب أن تتم ضمن حدود القوانين النافذة، لا في مواجهتها أو خلافاً لها.
وعليه، فإنّ أي تفاوض مباشر مع إسرائيل، خارج إطار الهدنة أو الترتيبات التقنية أو الوساطات الدولية المحدودة، ومن دون تفويض تشريعي واضح، يبقى عرضة للطعن السياسي والدستوري، باعتباره يشكّل تجاوزاً للقانون اللبناني النافذ وللإرادة السيادية التي لم يقرر مجلس النواب تعديلها أو الانقلاب عليها حتى تاريخه.
“محكمة” – السبت في 2026/5/9

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!