أبرز الأخبارعلم وخبر

حكم مهمّ لقاضي الإيجارات في بيروت نجيب بيراق ينتهي بإخلاء المأجور: لا يجوز إدخال الدولة اللبنانية بحجّة عدم تأمينها سكنًا بديلًا/علي الموسوي

المحامي المتدرّج علي الموسوي:
هل يجوز إدخال الدولة اللبنانية في دعوى إيجار شقّة سكنية مقامة من المالك ضدّ المستأجر بذريعة مسؤولية الدولة عن تأمين سكن لمواطنها ما دامت موقّعة على شرعة حقوق الإنسان التي تلزم بحقّ الفرد في المسكن؟ ومن هي الإدارة المختصة التي تمثّل الدولة اللبنانية لكي تصحّ مخاصمتها في هذا النزاع إنْ صحّت فكرة إدخالها في الأصل؟ وهل يمكن إدخالها من دون توافر المصلحة الشخصية والمشروعة التي يوجب قانون أصول المحاكمات المدنية في المادة /40/ وجودها؟ وهل ثمّة تلازم بين الدولة المطلوب إدخالها والموضوع الرئيسي للدعوى المتعلّقة بإمكانية استفادة المستأجرة المدعى عليها من حقّ التمديد القانوني والبقاء في هذا المأجور على الرغم من بروز إشكالية تركه فترة من الزمن والعودة لاحقًا للسكن فيه؟

صحيح أنّ الدولة مسؤولة حُكْمًا عن توفير المسكن للمواطنين، والمقصود هنا الدولة العادلة والقادرة، لا الدولة المزرعة، إلّا أنّها في لبنان عاجزة عن تأمين لقمة العيش بكرامة لهم، وغير قادرة على إيجاد الأموال اللازمة لدعم الصندوق المخصّص لمساعدة المستأجرين منهم في معضلة شائكة لن تحلّ الخلافات القائمة بين المستأجرين والمالكين، ومع ذلك فإنّ إدخال الدولة في أيّ نزاع جدّي أمام المحاكم يجب أن يستند إلى مشروعية قانونية، وليس الإكتفاء بمجرّد القول إنّ الدولة ملزمة بموجب شرعة حقوق الإنسان بضمان السكن.
وقد أجاب قاضي الإيجارات في بيروت نجيب بيراق على هذه الأسئلة في معرض دعوى مقامة أمامه، لا بل ورثها ممن سبقه في هذه المحكمة والذي لم يفصل فيها مكتفيًا بقرارين إعداديين يقضيان بفتح المحاكمة، فأكّد بيراق بصورة واضحة لا لبس فيها أنّ “مسؤولية الدولة في تأمين سكن لا ينشئ بذاته تلازماً مع الطلب الأصلي، إذ إنّ أي سياسة إسكانية أو موجب محتمل على عاتق الدولة لتأمين السكن إنما يكون بطبيعته ذا طابعٍ عام ومجرّد، يُطبّق على فئةٍ من المواطنين وفق شروط ومعايير محدّدة، ولا يمكن أن ينشأ بصورةٍ فردية أو خاصة بنتيجة نزاع معيّن بين طرفين”، مفترضًا أنّه في أصعب الحالات وأدقّها لا يمكن لحكم بالإخلاء أن يلزم الدولة بتأمين سكن آخر للمستأجر المضطرّ بفعل القانون إلى ترك المأجور، لأنّ تنفيذ السياسة الإسكانية في حال جرى التفكير بها والتخطيط لها يخضع “لأطر عامة ومستقلة عن هذا النزاع” الفردي، وبالتالي فإنّ طرح إدخال الدولة اللبنانية يأتي من خارج السياق العام للدعوى، لينتفي التلازم المتصوّر بين طلب الإدخال والطلب الأصلي، ويكون مطلب المدعى عليها غير جائز لا بل يستحقّ الرد.
وطرحت المدعى عليها مسألة مرور الزمن في طريقها إلى التمسك أكثر بحقّها في التمديد القانوني، فقطع عليها القاضي بيراق مسارها لأنّ مرور الزمن “لا يقوم مقام توافر شروط الحقّ(…) ولا يصلُح بذاته لإنشاء حقٍ أو لإحياء حقٍّ سقط لعدم توافر شروطه، بل يبقى تابعاً لقيام هذا الحق ابتداءً، بحيث إذا انتفى هذا الأخير، انتفى معه محل التذرّع بمرور الزمن”.
ومن البديهيات التي لا تحتاج إلى نقاش، أنّه يمكن الإستناد إلى تقرير خبير معيّن من قاضي الأمور المستعجلة في النزاع الحاصل أمام محكمة الأساس، وإنْ حاول الطرف الآخر، وهو هنا المستأجرة المدعى عليها، التشكيك في سطوره لمجرّد إثارة الريبة لعلّها تصلح ما أفسدته عملية دهم المأجور وأخذ أقوالها والجيران بتقدير وإتقان مما يمكن البناء عليها كإثبات واقعات يحتاجها النزاع، علمًا أنّ تعيين قاضي العجلة خبيرًا بناء على طلب صاحب صفة ومصلحة، هو لتسريع الخطوات أمام محكمة الأساس، والإستفادة من الوقت قدر المستطاع، ولا يمكن المنازعة في هذا الموضوع.
وخلص القاضي بيراق في حكمه الذي تتفرّد “محكمة” بنشره كاملًا، إلى إلزام المدّعى عليها بإخلاء المأجور لأنّها سكنت فيه فترة من الزمن مع والدها، ثمّ تركته بعد زواجها، وما لبثت أن عادت لتسكن فيه، ليسقط حقّها بالتمديد القانوني، عملًا بما تنصّ عليه المادة /29/ من قانون الإيجارات رقم 2017/2 الصادر في 2017/2/28:
“بإسم الشّعب اللّبناني
إنّ القاضي المنفرد في بيروت النّاظر في قضايا الإيجارات،
لدى التّدقيق؛
تبيّن أنّه في تاريخ 2019/4/30، تقدّمت الجهة المدّعية (…) بواسطة وكيلتها المحامية(…) باستحضار دعوى بوجه الجهة المدّعى عليها (…) وعرضت فيه الآتي:
– أنّها تملك كامل أسهم العقار رقم 710 من منطقة المصيطبة العقارية، وهو عبارة عن بيت من حجر للسكن مؤلف من ثلاث قطع وقطعة خشب وجنينة، وأنّها كانت قد اشترت أغلبية الأسهم فيه خلال العام 2011 وتملكت الباقي عن طريق البيع الجبري خلال العام 2017، وأنّها علمت بأنّ المرحوم(…) كان يشغل عن طريق الإجارة المأجور الكائن في الطابق الأرضي – الشقة الشرقية من البناء القائم على العقار المذكور، وأنّها (الجهة المدّعية) تقدّمت بطلب تعيين خبير لدى قاضي الأمور المستعجلة لمعاينة العقار والكشف عليه والتثبت من هوية شاغلي القطع السكنية فيه وبيان سند إشغالهم وتاريخ بدء هذا الإشغال، وأنّه في تاريخ 2019/1/14 صدر قرار عن قاضي الأمور المستعجلة في بيروت قضى بتعيين الخبير(…) للقيام بهذه المهمة، وأنّه أثناء إجراء الخبرة والكشف على القطعة السكنية الشرقية، تبيّن أنّ الجهة المدّعى عليها(…) و(…) أرملة المرحوم(…) تشغلانها مع أولادهما، وأنّه وفقاً لما أفادت به الجهة المدّعى عليها أمام الخبير، فإنّها كانت تقيم مع زوجها في محلة الأوزاعي ثم عادت إلى السكن في المأجور مع أولادها منذ حوالي سنتين بعد وفاة زوجها، وأنّها تقيم حالياً مع أحد أولادها وابنتها وشقيقتها(…) المطلقة منذ العام 1982 والتي كانت قد انتقلت بدورها إلى السكن في منطقة الأوزاعي، وأنّه يتبيّن من ذلك أنّ أولاد المستأجر الأساسي(…)، أي الجهة المدّعى عليها(…)، كانتا قد تركتا المأجور بسبب الزواج وانتقلتا إلى العيش في منطقة الأوزاعي، وأنّ(…) عادت إلى المأجور بعد طلاقها في العام 1982، كما عادت(…) وأولادها إلى المأجور بعد وفاة زوجها منذ سنتين وفقاً لما أقرت به، ممّا يدل على انقطاع إشغالهما للمأجور لفترة سابقة.
– وأنّه يقتضي إعلان عدم استفادة الجهة المدّعى عليها من التمديد القانوني وإلزامها بإخلاء المأجور فوراً ودون أي مهلة سنداً لأحكام المادّة 29 من القانون رقم 2017/2، وأنّه يتبيّن أنّ الجهة المدّعى عليها قد تركت المأجور لعدة سنوات وانتقلت إلى مسكن آخر بسبب الزواج، ثم عادت إليه لاحقاً، ما يفقدها شرط الاستمرار في إشغال المأجور دون انقطاع، وأنّه تبعاً لذلك، فإنّها لا تستفيد من التمديد القانوني لعدم توافر الشروط المحددة في المادة 29 من القانون رقم 2017/2.
وقد طلبت الجهة المدّعية في النّتيجة إعلان عدم استفادة الجهة المدّعى عليها من التمديد القانوني لتركها المأجور بسبب الزواج وعودتها إليه لاحقاً، وإخلاء الجهة المدّعى عليها(…) و(…) مع أولادها من المأجور الكائن في الطابق الأرضي من العقار رقم 710 المصيطبة وإخراج أي شاغل آخر وأية موجودات فيه، وتضمينها النّفقات القانونية كافّة.
وتبيّن أنّه في تاريخ 2019/7/10، تقدّمت الجهة المدّعى عليها (…) بواسطة وكيلتها المحامية(…) بلائحةٍ جوابيّةٍ عرضت فيها الآتي:
– أنّه في تاريخ 2019/1/14 قرر قاضي الأمور المستعجلة في بيروت تعيين الخبير(…) لإجراء معاينة فنية للعقار رقم 710 من منطقة المصيطبة بناءً على طلب الجهة المدّعية، وأنّ الخبير تجاوز نطاق المعاينة المكلف بها وحوّلها إلى تحقيق تضمّن أخذ إفادات من شاغلي العقار وتدوينها بمحاضر حملهم على التوقيع عليها، وأنّه شابت التقرير أخطاء جوهرية تمثّلت باستحصال الخبير على إفادة مقطوعية عداد كهربائي لعقار آخر هو العقار 704 المصيطبة، وعدم تضمّن إفادة مؤسسة كهرباء لبنان أي ذكر للعقار 710 موضوع المعاينة، وأنّ الجهة المدّعية تقدّمت بالدعوى الحاضرة مستندة حصراً إلى ما ورد في تقرير الخبير دون الإشارة إلى أي وقائع أخرى خارجه، وأنّه تبيّن من الإفادة العقارية أنّ الجهة المدّعية تملّكت 2253.125 سهماً في العقار المذكور في تاريخ 2011/1/12، وأنّها لم توجّه خلال فترة تتجاوز ثماني سنوات أي إنذار أو مطالبة إلى الجهة المدّعى عليها، وأنّ عقد الإيجار الموقّع بين ورثة (…) ومورثها (الجهة المدّعى عليها)(…) يعود إلى العام 1972.
– وأنّه بالنسبة للعيوب التي شابت تقرير الخبير، فإنّ أحكام قانون أصول المحاكمات المدنية، ولا سيّما المواد 336 و342 وما يليها، ترعى أنواع الخبرة وحدود كل منها، وأنّ ما قام به الخبير تجاوز نطاق المعاينة إلى تحقيق فني، ما ينعكس على سلامة التقرير، وأنّه تضمّن تصاريح واستجوابات للجهة المدّعى عليها دون إذن قضائي، وأنّ هذه العناصر تخرج عن نطاق المعاينة وتشكل مساساً بأصل الحق، في حين أنّ مهمة الخبير تقتصر على المشاهدات المادية دون جمع إفادات أو شهادات، وأنّه لا يجوز الاحتجاج بتقرير خبير يتناول مسائل تحقيقية خارج إطار منازعة قائمة ولم تكن الجهة المدّعى عليها ممثلة فيه، وأنّ ما ورد فيه من تصاريح وشهادات لا يمكن الركون إليه حتى على سبيل المعلومية، وأنّه تبعاً لذلك، فإنّ التقرير يشوبه عيب جوهري يوجب إهماله وعدم الأخذ بمندرجاته، ممّا يؤدي إلى تجريد الدعوى من أساسها الإثباتي، وبالتّالي ردّ الدّعوى المسندة إليه.
– وأنّه يقتضي ردّ الدّعوى لعدم ثبوتها وسنداً للمادّة 344 من قانون الموجبات والعقود وما يليها، إذ إنّ الجهة المدّعية تطلب إعلان عدم استفادة الجهة المدّعى عليها من التمديد القانوني سنداً للمادة 29 من القانون رقم 2017/2، استناداً إلى ما ورد في التقرير المذكور، وأنّه مع سقوط هذا الدليل لا يبقى في الملف ما يثبت واقعة ترك المأجور بصورة أكيدة، وأنّه تبعاً لذلك، يكون طلب الإخلاء غير قائم على أي إثبات واقعي أو قانوني، وأنّه على سبيل الاستطراد، فإنّ الجهة المدّعية تدلي بأنّ الجهة المدّعى عليها تركت المأجور بعد الزواج ثم عادت إليه في العام 1982 وأقامت فيه دون انقطاع، وأنّه لا يوجد في الملف ما يثبت توجيه أي مطالبة قضائية أو غير قضائية خلال هذه المدة، كما أنّ الجهة المدّعى عليها كانت تسدّد بدلات الإيجار للمالكين السابقين، وأنّه تبعاً لذلك، فإنّ مرور الزمن قد انقضى سنداً للمادتين 344 و349 من قانون الموجبات والعقود دون اتخاذ أي إجراء قاطع له، ما يؤدي إلى سقوط الحقوق المدلى بها.
وقد طلبت الجهة المدّعى عليها في النّتيجة ردّ الدّعوى لارتكازها على تقرير خبير ينطوي على عيوب جوهرية مفضية إلى البطلان لتجاوزه نطاق المعاينة الّتي كلّفه بها قاضي الأمور المستعجلة ولعدم جواز التذرّع بخبرة مقررة خارج نطاق المنازعة الحاضرة لم تكن هي طرفاً فيها ولعدم صحّتها وعدم ثبوتها ولانقضائها بمرور الزّمن سنداً للمادّتين 344 و349 من قانون الموجبات والعقود وتضمين الجهة المدّعية النّفقات القانونيّة كافّة.
وتبيّن أنّه في تاريخ 2019/12/3، تقدّمت الجهة المدّعية بلائحةٍ جوابيّةٍ كرّرت فيها إدلاءاتها ومطالبها السّابقة كافّة مضيفةً الآتي:
– أنّه ردّاً على أقوال الجهة المدّعى عليها فإنّ الخبير(…) كان قد عُيّن بموجب قرار صادر في تاريخ 2019/1/14 عن قاضي الأمور المستعجلة في بيروت للكشف على العقارين 710 و704 المصيطبة والتثبت من هوية الشاغلين وسند إشغالهم وتاريخه، وأنّ استحصاله على إفادة مقطوعية عن العقار 704 لا يشكّل خطأً جوهرياً، لا سيّما أنّ موضوع الدعوى هو عدم استفادة الجهة المدّعى عليها من التمديد القانوني وليس الإسقاط لعلة الترك، وأنّها (الجهة المدّعية) كانت قد اشترت غالبية أسهم العقار خلال العام 2011 وتملّكته بالكامل خلال العام 2017، وأنّه انتقلت إليها جميع الحقوق والالتزامات، وأنّها لم تكن على علم بوضع الشاغلين قبل إجراء الخبرة، ما يبرّر لجوءها إلى تعيين خبير تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية.
– وأنّه يقتضي دحض مزاعم بطلان تقرير الخبير، إذ إنّ تعيينه تمّ وفق الأصول وبموجب مهمة محدّدة شملت الكشف على الشقق وتحديد هوية الشاغلين وصفاتهم وتاريخ إشغالهم، والاستماع إلى إفاداتهم، ووصف حالة المأجور، وأنّ الخبير نفّذ مهمته ضمن هذا الإطار دون تجاوز، وأنّ ما أدلت به الجهة المدّعى عليها لجهة بطلان التقرير لعدم دعوة الخصم أو لكون الخبرة غير نزاعية مردود، إذ إنّ طبيعة الخبرة المأذون بها من قاضي الأمور المستعجلة لا تستوجب دعوة الخصوم، وأنّه تبعاً لذلك، يقتضي ردّ مزاعم بطلان تقرير الخبير لعدم صحتها ولثبوت عكسها.
– وأنّه يقتضي التّأكيد على وجوب إعلان عدم استفادة الجهة المدّعى عليها من التمديد القانوني وإلزامها بالإخلاء، إذ ثبت من إقرار الجهة المدّعى عليها أمام الخبير أنّها تركت المأجور بعد الزواج وانتقلت إلى مسكن آخر في الأوزاعي ثم عادت إليه لاحقاً، وأنّ هذا الإقرار يشكّل دليلاً على واقعة الترك والانقطاع عن إشغال المأجور، وأنّه بعد تملّكها العقار في العام 2017، بادرت إلى التحقق من وضع الشاغلين عبر الخبرة، وأنّها أقامت الدعوى فور تبيّن عدم أحقية الجهة المدّعى عليها بالإشغال، وأنّ الدفع بمرور الزمن مردود، إذ إنّ حق الجهة المدّعى عليها في الاستفادة من التمديد لم ينشأ أصلاً لتركها المأجور خلال حياة المستأجر الأساسي سنداً للمادة 29 من القانون رقم 2017/2، وأنّ إشغالها للمأجور يُعدّ دون مسوّغ قانوني، وأنّه لا يمكن التذرع بمرور الزمن لإضفاء المشروعية عليه.
وتبيّن أنّه في تاريخ 2020/1/9، إختُتمت المحاكمة.
وتبيّن أنّه في تاريخ 2020/1/9، تقدّمت الجهة المدّعى عليها بلائحةٍ جوابيّةٍ مع طلب إدخال كرّرت فيها إدلاءاتها ومطالبها السّابقة كافّة مضيفةً أنّه يقتضي إدخال الدّولة اللّبنانية في الدّعوى الحاضرة إذ إنّ المواثيق الدّولية والدساتير تسمو على القوانين الداخلية وإنّ قوانين الإيجار الاستثنائيّة توضع بصورةٍ مؤقّتة بانتظار خطّة إسكانيّة تقع مسؤولية تحقيقها على الدّولة اللّبنانيّة وأنّ شرعة حقوق الإنسان حددت الحقوق الأساسيّة الّتي التزمت بها الشّعوب وأنّ المادّة 25 منها نصّت على حقّ كلّ شخص في المسكن، وبما أنّ الدّولة اللّبنانيّة وقّعت على هذا الإعلان، وبما أنّ حق الفرد في السكن هو من الحقوق الأساسية الّتي تعهّدت الدولة بضمانها، فإنّه يقتضي إدخال الدولة اللّبنانية في هذه الدّعوى لضمان حق الجهة المدّعى عليها في السّكن.
وتبيّن أنّه في تاريخ 2020/5/28، صدر قرارٌ إعدادي قضى بفتح المحاكمة.
وتبيّن أنّه في تاريخ 2020/10/12، تقدّمت الجهة المدّعية بلائحةٍ جوابيّةٍ مع إنفاذ قرارٍ إعدادي ومع تصحيح خطأ مادي أبرزت فيها وثيقة وفاة المرحوم(…) وصورة طبق الأصل عن حصر إرثه، كما أبرزت بيان قيد عائليًا للمدّعى عليها(…) يتبيّن منه أنّها قد نقلت من المصيطبة 696 بالزواج خلال العام 1984 إلى سجل زوجها في محلة المصيطبة 1094، وبالتالي فإنّ تاريخ تركها للمأجور يكون حاصلاً على الأرجح خلال العام 1984، وأنّه يتبيّن من بيان القيد العائد للمرحوم(…) بأنّ المدّعى عليها(…) قد أعيدت من برج البراجنة من قيد زوجها بعد الطلاق إلى قيدها الأساسي في تاريخ 1987/1/15، علماً بأنّ تاريخ تركها للمأجور هو في العام 1967 باعتبار أنّها تزوّجت خلال هذا العام كما هو ثابت من وثيقة زواجها، كما طلبت رد طلب إدخال الدولة اللّبنانيّة شكلاً لعدم صحته ولعدم توافر شروطه وإهماله واعتباره كأنّه لم يكن، واستطراداً الفصل فيه مع الحكم في الموضوع، إذ إنّ الهدف من الطّلب المذكور هو إطالة أمد المحاكمة ما يقتضي معه سنداً لأحكام المادّة 43 من قانون أصول المحاكمات المدنيّة إلزام الجهة المدّعى عليها بأداء بدل العطل والضرر المقدّر بمبلغ خمسين مليون ليرة لبنانيّة وبالغرامة سنداً لأحكام المادتين 10 و11 من القانون ذاته، كما طلبت تصحيح الخطأ المادّي في شهرة الجهة المدّعى عليها لتصبح “(…)” بدلاً من “(…)”.
وتبيّن أنّه في تاريخ 2020/11/12، تقدّمت الجهة المدّعى عليها بلائحةٍ جوابيّةٍ كرّرت فيها إدلاءاتها ومطالبها السّابقة كافّة.
وتبيّن أنّه في تاريخ 2021/1/5، تقدّمت المطلوب إدخالها الدولة اللّبنانية ممثلةً برئيس هيئة القضايا في وزارة العدل بواسطة المحامي(…) بلائحةٍ عرضت فيها الآتي:
– أنّه يقتضي ردّ طلب الإدخال شكلاً لعدم تحديد الإدارة المعنية، وأنّ الجهة المدّعى عليها اكتفت بطلب إدخال الدولة اللبنانية بصورة عامة دون تحديد الإدارة المقصودة، ما يجعله مفتقراً لشروطه القانونية سنداً للمادتين 38 و40 من قانون أصول المحاكمات المدنية، وأنّه يتوجّب تحديد الإدارة المطلوب إدخالها عند مخاصمة الدولة اللبنانية باعتبارها شخصاً معنوياً، ولا يجوز توجيه الطلب بصورة عامة دون تحديد الجهة المختصة، وأنّه تبعاً لذلك، يقتضي ردّ طلب الإدخال شكلاً لعدم صحته ولعدم قانونيته.
– وأنّه يقتضي ردّ طلب الإدخال لعدم قانونيّته، باعتبار أنّ موضوع النزاع محصور بعدم أحقية إشغال الجهة المدّعى عليها للمأجور العائد للجهة المدّعية، وأنّ القانون الواجب التطبيق هو قانون الإيجارات الاستثنائي، وأنّ ما أدلت به الجهة المدّعى عليها لجهة التذرّع بنصوص أو معاهدات دولية لا يرتبط بموضوع النزاع، وأنّه لا موجب لإدخال الدولة اللبنانية في دعوى تخضع لأحكام القانون الخاص، وأنّه يتبيّن أنّ طلب الإدخال يرمي إلى عرقلة سير العدالة وإطالة أمد المحاكمة دون مسوّغ مشروع، ما يوجب ردّه لعدم قانونيته.
– وأنّه يقتضي تطبيق أحكام المواد 10 و11 و551 من قانون أصول المحاكمات المدنية على الجهة المدّعى عليها، لثبوت سوء النية من خلال تقديم طلب الإدخال بقصد عرقلة المحاكمة وأنّه لا صفة ولا مصلحة للمطلوب إدخالها في النزاع الراهن، وأنّ طلب الإدخال لا يستند إلى أي أساس قانوني، بل يرمي إلى إطالة أمد المحاكمة، وأنّه تبعاً لذلك، يُترك تقدير العطل والضرر للمحكمة.
وقد طلبت المطلوب إدخالها في النّتيجة ردّ طلب الإدخال شكلاً وأساساً لعد قانونيته ولعدم صحّته ولثبوت سوء النيّة وتضمين الجهة المدّعى عليها الغرامات والعطل والضرر سنداً لأحكام المواد 10 و11 و551 من قانون أصول المحاكمات المدنيّة.
وتبيّن أنّه في تاريخ 2021/4/20، تقدّمت الجهة المدّعى عليها بلائحةٍ جوابيّةٍ كرّرت فيها إدلاءاتها ومطالبها السّابقة كافّة مؤكّدةً على طلب إدخال الدّولة اللّبنانية في الدعوى الحاضرة، وطالبةً ردّ ما جاء في اللّائحة الجوابيّة المقدّمة من هذه الأخيرة.
وتبيّن أنّه في تاريخ 2021/6/21، تقدّمت المطلوب إدخالها بلائحةٍ جوابيّةٍ كرّرت فيها إدلاءاتها ومطالبها السّابقة كافّة.
وتبيّن أنّه في تاريخ 2022/10/20، تقدّمت الجهة المدّعية بلائحة معنونة “طلب فصل خصومة” عرضت فيها أنّها كانت قد تقدّمت بالدعوى الراهنة بوجه الجهة المدّعى(…) و(…) طالبة إعلان عدم استفادة الأولى من التمديد القانوني لتركها المأجور قبل وفاة المستأجر الأساسي بسبب الزواج وعودتها إليه لاحقاً بعد الطلاق، وإسقاط حق الثانية لتركها المأجور بعد وفاة المستأجر الأساسي بسبب الزواج وعودتها إليه بعد سنوات طويلة، وطلبت إخلاءهما من المأجور لهذه العلة، وأنّه تبيّن أنّ الجهة المدّعى عليها(…) قد توفّاها الله في تاريخ 2021/10/7، وأنّها كانت مطلّقة من زوجها السابق(…) وفقاً لبيان القيد العائلي، وأنّه بنتيجة الوفاة، أصبحت المطالبة المقامة بوجه الجهة المدّعى عليها المذكورة ترمي إلى إخلائها من المأجور دون موضوع، لا سيّما وأنّ حق الاستفادة من التمديد القانوني لا ينتقل إلى ورثتها، سنداً لأحكام المادة 29 من القانون رقم 2017/2، وأنّه يقتضي فصل الخصومة القائمة، استناداً إلى أحكام المادتين 501 و502 من قانون أصول المحاكمات المدنية، لجهة صلاحية المحكمة في ضم أو فصل الخصومات تحقيقاً لحسن سير العدالة، وأنّه تبعاً لذلك، طلبت الجهة المدّعية فصل الخصومة والسير بالدعوى بوجه الجهة المدّعى عليها(…) فقط، تمهيداً للفصل في أساس النزاع واتخاذ المقتضى القانوني.
وتبيّن أنّه في تاريخ 2022/11/21، تقدّمت المدّعى عليها(…) بلائحةٍ جوابيّةٍ كرّرت فيها إدلاءاتها ومطالبها السّابقة كافّة وطلبت تكليف الجهة المدّعية توضيح الاختلاف الواقع في قيود إخراجي القيد العائليين المبرزين منها، وأنّ المستندين يثيران التباساً لجهة اسم عائلة أولاد المرحومة (…) لينا وفادي وهدى، بحيث ورد في أحدهما اسم العائلة “(…)”، في حين ورد في الآخر “(…)”، ما يوجب توضيح هذا التناقض الواقع في مستندين رسميين تم استحصالهما وإبرازهما من قبل الجهة المدّعية، وأنّ المحاكمة منقطعة لوفاة(…) في تاريخ 2021/10/7، سنداً للمادة 505 من قانون أصول المحاكمات المدنية، وأنّه يقتضي إبلاغ ورثتها قبل متابعة السير بالدعوى، باعتبار أنّ مسألة إبلاغ الورثة تتعلق بصحة تشكيل الخصومة، وأنّ الجهة المدّعية تخلط بين مسألة حلول الورثة في المأجور ومسألة حلولهم في الدعوى، وأنّ الدعوى تبقى قابلة للانتقال سنداً للمادة 505 من قانون أصول المحاكمات المدنية، وأنّ الجهة المدّعية تستبق الحكم في النزاع القائم، وعلى سبيل الاستطراد، فإنّ شروط المادة 501 من قانون أصول المحاكمات المدنية غير متوافرة في طلب فصل الخصومة، باعتبار أنّ الضم أو الفصل لا يتم إلا بطلب الخصوم وليس أحدهم، ما يوجب رد طلب الجهة المدّعية لعدم استيفائه الشروط القانونية.
وتبيّن أنّه في تاريخ 2022/11/21، تقدّمت المطلوب إدخالها بلائحةٍ كرّرت فيها إدلاءاتها ومطالبها السّابقة كافّة مؤكّدةً على عدم صفتها ومصلحتها في الدّعوى الحاضرة مدليةً بأنّها لا ترى مانعاً يحول دون إجابة طلب الجهة المدّعية الرّامي إلى فصل الخصومات تطبيقاً لأحكام المادة 501 من قانون أصول المحاكمات المدنية وذلك لانسجامه مع الأصول والنصوص القانونية.
وتبيّن أنّه في تاريخ 2023/3/21، تقدّمت الجهة المدّعية بلائحةٍ طلبت فيها وجوب إقرار انفصال الخصومة، وإلّا حصرها بالمدّعى عليها(…) بعد أن أصبح المأجور بإشغال هذه الأخيرة فقط.
وتبيّن أنّه في تاريخ 2023/5/15 ، صدر قرارٌ إعدادي عن هذه المحكمة قضى بحصر الخصومة بين الجهة المدّعية والمدّعى عليها(…) والمطلوب إدخالها.
وتبيّن أنّه في الجلسة المنعقدة في تاريخ 2024/1/18، جرى استجواب المدّعى عليها.
وتبيّن أنّه في تاريخ 2024/5/9، تقدّمت الجهة المدّعية بلائحة تعليقًا على الاستجواب عرضت فيها الآتي:
– أنّ هنالك تناقضًا بين إفادة المدّعى عليها(…) التي أدلت بها بصورة عفوية أمام الخبير(…) ووقّعت عليها بإرادتها، وبين أقوالها أمام المحكمة، حيث حاولت الإيحاء بأنّها لم تترك المأجور، بل إنّ زوجها انتقل للعيش معها فيه، وأنّ عدم مصداقيتها يتجلّى في تضارب إفاداتها أمام المحكمة، إذ أدلت بأنّها “سكنت عند اختها ثم عادت”، كما أدلت بعد تلاوة ما ورد في تقرير الخبير بأنّها “كانت تسكن في الضاحية”، ثم صرّحت بأنّها “تسكن مع زوجها في الاوزاعي ثم بعد خلافها معه اعطتها اختها(…) غرفة نوم في منزلها الزوجي لتسكن فيه”، ما يشكّل إقراراً بانتقالها للسكن خارج المأجور ومن ثمّ العودة إليه، وأنّ المدّعى عليها حاولت التنصّل من إفادتها أمام الخبير بالقول إنّها لا تعلم على ماذا وقّعت، رغم أنّها صرّحت أمامه بأنّها “قد تركت المأجور بعد زواجها وانتقلت الى العيش في منطقة الاورزاعي”، ثم عادت واستندت إلى ما صرّحت به أمام الخبير لجهة عدم دفع بدلات الإيجار، ما يدلّ على انتقائيتها في الإفادة ويُفقد أقوالها المصداقية، وأنّ التناقض يتبيّن في تحديد المدّعى عليها لتاريخ زواجها ووفاة زوجها، إذ صرّحت بأنّها قد تزوجت في العام 1985، في حين تبيّن من المستندات أنّ الزواج حصل في العام 1984، كما أفادت بأنّ زوجها توفي بين العامين 2016 و2017 وأنّها لا تعرف التاريخ تماماً، في حين ثبت أنّ وفاته حصلت في تاريخ 2017/6/3، وأنّ ذلك يؤكد بأنّه بعد أن توفي عادت لتسكن مع أولادها في المأجور وذلك وفقاً لما صرّحت به أمام الخبير أثناء الكشف الحاصل في 2019/1/23، بأنّها عادت إلى المأجور منذ حوالي سنتين، وأنّ ذلك يدحض أقوالها المصرّح بها أمام المحكمة لجهة أنّها كانت على خلاف مع زوجها قبل تاريخ وفاته بسنتين، لأنّه لو كان الأمر صحيحاً، لما كانت أدلت في إفادتها الأولية والعفوية أمام الخبير بأنّها بقيت مقيمة معه في الأوزاعي حتى تاريخ وفاته.
– وأنّ تناقض أقوال المدّعى عليها ظهر جلياً بشأن سكن زوجها في الأوزاعي، إذ أجابت “كلا” عند سؤالها عمّا إذا كان يملك أو يستأجر منزلاً هناك، في حين أقرت في موضع آخر أنّها كانت تسكن معه في تلك المنطقة (الصفحة 25 من محضر المحاكمة)، وأنّ المدّعى عليها أقرت أمام الخبير بأنّها “لما تزوجت سكنت مع زوجها المرحوم(…) في محلة الاوزاعي” وأنّها عادت إلى السكن في المأجور مع أولادها بعد وفاته منذ حوالي سنتين من تاريخ الكشف الحاصل في 2019/1/23، وأنّها تقيم حالياً مع أحد أولادها وابنتها، وأنّ واقعة ترك المدّعى عليها للمأجور ثم عودتها إليه ثبتت من خلال إقرارها أمام الخبير وأمام المحكمة، سنداً للمادة 210 من قانون أصول المحاكمات المدنية، وأنّ هذا الإقرار يشكّل حجة عليها ولا يمكن دحضه إلا بإدعاء التزوير.
وتبيّن أنّه في تاريخ 2024/5/9، تقدّمت المدّعى عليها بلائحةٍ جوابيّةٍ، كرّرت فيها إدلاءاتها ومطالبها السّابقة كافّة.
وتبيّن أنّه في تاريخ 2024/5/27، إختُتمت المحاكمة.
وتبيّن أنّه في تاريخ 2025/9/5، صدر قرارٌ إعدادي قضى بفتح المحاكمة.
وتبيّن أنّه في تاريخ 2025/10/27، تقدّمت الجهة المدّعية باستدعاء طلبت بموجبه صرف النّظر عن استجواب المدّعى عليها مجدداً لانتفاء ما يبرّره ولعدم فائدته.
وتبيّن أنّه في الجلسة المنعقدة في تاريخ 2025/12/9، جرى استجواب المدّعى عليها.
وتبيّن أنّه في تاريخ 2025/12/22، تقدّمت الجهة المدّعية بلائحةٍ تعليقاً على استجواب المدّعى عليها كرّرت فيها إدلاءاتها ومطالبها السّابقة كافّة.
وتبيّن أنّه في تاريخ 2026/2/17، تقدّمت المدّعى عليها بلائحةٍ جوابيّةٍ كرّرت فيها إدلاءاتها ومطالبها السّابقة كافّة.
وتبيّن أنّه في تاريخ 2026/4/7، اختُتمت المحاكمة.
بناءً عليه
أوّلاً: في الشّكل:
حيثُ إنّ الدّعوى الحاضرة جاءت مستوفيةً الشّروط كافّة المنصوص عليها قانوناً، ما يقتضي معه قبولها شكلاً؛
ثانياً: في طلب الإدخال:
حيثُ إنّ المدّعى عليها كانت قد طلبت إدخال الدّولة اللّبنانية ممثلةً برئيس هيئة القضايا في الدّعوى الحاضرة إذ إنّ المواثيق الدّولية والدساتير تسمو على القوانين الداخلية وإنّ قوانين الإيجار الاستثنائيّة توضع بصورةٍ مؤقّتة بانتظار خطّة إسكانيّة تقع مسؤولية تحقيقها على الدّولة اللّبنانيّة وأنّ شرعة حقوق الإنسان حددت الحقوق الأساسيّة الّتي التزمت بها الشّعوب وأنّ المادّة 25 منها نصّت على حقّ كلّ شخص في المسكن، وبما أنّ الدّولة اللّبنانيّة وقّعت على هذا الإعلان، وبما أنّ حق الفرد في السكن هو من الحقوق الأساسية الّتي تعهّدت الدولة بضمانها، فإنّه يقتضي إدخال الدولة اللّبنانية في هذه الدّعوى لضمان حق الجهة المدّعى عليها في السّكن؛
وحيثُ إنّ المادّة 40 من قانون أصول المحاكمات المدنيّة نصّت على أنّه يُشترط لقبول التدخل أو الإدخال أن تكون للمتدخل أو لطالب الإدخال مصلحة شخصية ومشروعة؛
وحيثُ إنّه إضافةً إلى الشّرط المذكور، يُشترط أن تتوافر في طلب الإدخال الشّروط المنصوص عليها في المادّة 30 من قانون أصول المحاكمات المدنيّة، أي التلازم مع الطّلب الأصلي وأن لا يخرج عن اختصاص المحكمة النّاظرة في الطّلب الأصلي؛
وحيثُ إنّه لا يُقبل طلب الإدخال إلا إذا كان بينه وبين الطلب الأصلي تلازمٌ قانوني أو واقعي يبرّر نظرهما معاً، بحيث يكون الفصل في الدعوى الأصلية مؤثّراً حكماً في مركز المطلوب إدخاله، أو يكون وجوده لازماً لحسن الفصل في النزاع؛
وحيثُ إنّ الطلب الأصلي في الدعوى الحاضرة محصور في التحقّق من مدى استفادة المدّعى عليها من التمديد القانوني، على ضوء أحكام المادة 29 من القانون رقم 2017/2 وواقعة ترك المأجور أو الاستمرار في إشغاله؛
وحيثُ إنّ هذه المسألة تدور حصراً بين الجهة المدّعية بصفتها مالكة للمأجور وبين المدّعى عليها بصفتها شاغلة له، ولا يرتّب الفصل فيها أي موجب مباشر أو نتيجة قانونية على عاتق الدولة اللبنانية؛
وحيثُ إنّ ما أدلت به المدّعى عليها لجهة حق السكن أو مسؤولية الدولة في تأمينه لا ينشئ بذاته تلازماً مع الطلب الأصلي، إذ إنّ أي سياسة إسكانية أو موجب محتمل على عاتق الدولة لتأمين السكن إنما يكون بطبيعته ذا طابعٍ عام ومجرّد، يُطبّق على فئةٍ من المواطنين وفق شروط ومعايير محددة، ولا يمكن أن ينشأ بصورةٍ فردية أو خاصة بنتيجة نزاع معيّن بين طرفين؛
وحيثُ إنّه حتى في حال صدور حكم بإلزام المستأجر بالإخلاء، فإنّ هذا الحكم لا يرتّب حكماً أي التزامٍ مباشر على الدولة بتأمين مسكنٍ بديل له، ولا ينشئ علاقة قانونية بينها وبين موضوع الدعوى، بحيث يبقى تنفيذ أي سياسة إسكانية، إن وجدت، خاضعاً لأطر عامة ومستقلة عن هذا النزاع؛
وحيثُ إنّ إدخال الدولة اللبنانية في هذه الحالة لا يضيف عنصراً لازماً للفصل في النزاع، ولا يؤثر في التحقق من واقعة الترك أو في تطبيق المادة 29، بل يؤدي إلى توسيع الخصومة خارج موضوعها؛
وحيثُ إنّه، تبعاً لذلك، ينتفي التلازم بين طلب الإدخال والطلب الأصلي، ما يقتضي معه ردّ طلب إدخال الدولة اللبنانية في المحاكمة الحاضرة؛
ثالثاً: في الأساس:
حيثُ إنّ الجهة المدّعية طلبت بموجب الدّعوى الحاضرة إعلان عدم استفادة المدّعى عليها من التمديد القانوني لتركها المأجور بسبب الزواج وعودتها إليه لاحقاً، وإخلاء المدّعى عليها مع أولادها من المأجور الكائن في الطابق الأرضي من العقار رقم 710 المصيطبة وإخراج أي شاغل آخر وأية موجودات فيه؛
وحيثُ إنّ المدّعى عليها طلبت من جهتها ردّ الدّعوى لارتكازها على تقرير خبير ينطوي على عيوب جوهرية مفضية إلى البطلان لتجاوزه نطاق المعاينة الّتي كلّفه بها قاضي الأمور المستعجلة ولعدم جواز التذرّع بخبرة مقررة خارج نطاق المنازعة الحاضرة لم تكن هي طرفاً فيها ولعدم صحّتها وعدم ثبوتها ولانقضائها بمرور الزّمن سنداً للمادّتين 344 و349 من قانون الموجبات والعقود؛
حيثُ إنّه يقتضي البحث بدايةً في الدّفع المدلى به من المدّعى عليها بمرور الزّمن سنداً للمادتين 344 و349 من قانون الموجبات والعقود؛
وحيثُ إنّ الدفع بمرور الزمن، بطبيعته القانونية، لا ينشئ حقاً جديداً ولا يرتّب مركزاً قانونياً مستقلاً، بل يفترض وجود حق قائم ابتداءً يمكن أن يرد عليه السقوط أو عدم سماع الدعوى بشأنه بعد انقضاء المهلة؛
وحيثُ إنّ الحق المدلى به في النزاع الحاضر ليس حقاً مطلقاً أو ثابتاً بذاته، بل هو حق استثنائي بالاستفادة من التمديد القانوني، مشروط بتوافر عناصر محدّدة وفي مقدّمها الاستمرار في إشغال المأجور دون انقطاع؛
وحيثُ إنّ هذه الشروط، وفي حال عدم توافرها، تؤدّي إلى زوال الحق من أساسه، بحيث لا يبقى له وجود قانوني يمكن أن يكون محلاً لتطبيق قواعد مرور الزمن؛
وحيثُ إنّ الدفع بمرور الزمن، والحالة هذه، لا يصلُح بذاته لإنشاء حقٍ أو لإحياء حقٍ سقط لعدم توافر شروطه، بل يبقى تابعاً لقيام هذا الحق ابتداءً، بحيث إذا انتفى هذا الأخير، انتفى معه محل التذرّع بمرور الزمن؛
وحيثُ إنّه بالتالي، لا يمكن للمدّعى عليها التمسّك بمرور الزمن لتثبيت حقها في التمديد القانوني أو لتجاوز شرط الاستمرارية المفروض قانوناً، لأنّ هذا الدفع لا يقوم مقام توافر شروط الحق، ما يقتضي معه رد الدفع بمرور الزّمن؛
وحيثُ إنّه، وبعد ردّ الدّفع بمرور الزّمن، فإنّ المسألة المطروحة على بساط البحث تكمن في تحديد مدى إستفادة المدّعى عليها من التمديد القانوني بعد وفاة والدها المرحوم(…) المستأجر الأساسي تمهيداً للبت بطلب إلزامها بإخلاء المأجور؛
وحيثُ إنّه من الثّابت أنّ المرحوم(…) متوفٍّ في تاريخ 1982/7/12، وفق ما يتبيّن من وثيقة وفاته المرفق نسخة عنها في الملف؛
وحيثُ إنّ المادّة 29 من قانون الإيجارات رقم 2017/2 تاريخ 2017/2/28 تنصّ على أنّه:
” في حال وفاة المستأجر الأساسي أو تركه المأجور، يحل محلّه حكماً في الإستفادة من عقد الإيجار الأساسي أو الممدّد عند الإقتضاء بكافّة شروطه الأخيرة:
١-زوج المستأجر
٢- أولاد المستأجر الأساسي الّذين دخلوا معه إلى المأجور عند بدء تنفيذ الإجارة، وأولاده الّذين وُلدوا بعد تنفيذ الإجارة، وكانوا لا يزالون مستمرين في إشغال المأجور دون إنقطاع.
٣-أنسباء المستأجر… “؛
وحيثُ إنّه بالنّسبة لإستفادة أولاد المستأجر الأساسي من التمديد القانوني يُشترط أن يكونوا دخلوا معه إلى المأجور وأن يكونوا لا يزالون مستمرّين في إشغال هذا المأجور دون إنقطاع؛
وحيثُ إنّه بالعودة إلى واقعات القضيّة الحاضرة، يتبيّن ما يلي:
– أنّ المدّعى عليها صرّحت أمام الخبير(…) بأنّها لما تزوجت سكنت مع زوجها في منطقة الأوزاعي، وأنّها استمرت في الإقامة معه إلى حين وفاته، وأنّها عادت لاحقاً إلى السكن في المأجور مع أولادها منذ حوالي سنتين من تاريخ الكشف الحاصل في 2019/1/23؛
– وأنّ المدّعى عليها أدلت أمام هذه المحكمة خلال جلسة الاستجواب الأولى بأنّها “سكنت عند اختها ثم عادت”، كما صرّحت بأنّها “كانت تسكن في الضاحية”، كما عادت وأدلت كذلك بأنّها “تسكن مع زوجها في الاوزاعي ثم بعد خلافها معه اعطتها اختها(…) غرفة في منزلها الزوجي لتسكن فيه وأنّ أولادها كانوا يسكنون في منزل أهلها، وأنّها ذهبت لوحدها عند أختها(…) وأنها كانت تذهب وتعود من منزل أهلها وأنها لم تكن تنام وأنها لا تستطيع ترك أولادها عند إخوتها لأنهم كانوا لا يزالون صغاراً”، كما عادت وصرّحت خلال الجلسة ذاتها وبسؤال وكيلها بأنّها كانت تعيش مع زوجها في منزل أهلها بتاريخ وفاة المستأجر الأساسي، وأنّها صرّحت أمام الخبير بأنّها “قد تركت المأجور بعد زواجها وانتقلت الى العيش في منطقة الاورزاعي”، وعادت وأدلت أمام المحكمة بأنّها لا تعلم على ماذا وقّعت أمام الخبير؛
– وأنّ المدّعى عليها أدلت أمام هذه المحكمة خلال جلسة الاستجواب الثّانية بأنّه “لم أسكن إطلاقاً في الأوزاعي مع زوجي إنما كان الأخير يسكن معي في المأجور موضوع القضيّة… وإنني لم أترك المأجور إلا للاهتمام بشقيقتي المريضة في منطقة الأوزاعي وقد انتقل معي زوجي إلى هذا المنزل أيضاً لأنه كان على خلاف مع شقيقتي التي كانت تقطن معنا في المأجور موضوع القضيّة وأنّ هذه الفترة لم تستغرق أكثر من ثلاثة أيام تقريباً وعدنا بعدها إلى المأجور موضوع القضيّة؛
وحيثُ إنّه، بالاستناد إلى الوقائع الثابتة أعلاه، يتبيّن أنّ أقوال المدّعى عليها لم تأتِ على وتيرة واحدة، بل اتسمت بالتبدّل والتناقض لجهة تحديد مكان إقامتها وطبيعة إشغالها للمأجور، إذ أدلت أمام الخبير بإقامتها مع زوجها في الأوزاعي إلى حين وفاته وعودتها لاحقاً إلى المأجور، في حين عادت أمام هذه المحكمة لتدلي بإفاداتٍ مختلفة ومتباينة بين الإقامة في الضاحية، والسكن مع الزوج في الأوزاعي، والانتقال المؤقت إلى منزل شقيقتها، والقول بعدم ترك المأجور إطلاقاً؛
وحيثُ إنّ هذا التعدّد في الروايات، لجهة مكان الإقامة ومدّتها وطبيعتها، لا يمكن التوفيق بين عناصره، لا سيّما وأنّ بعض هذه الأقوال ينفي الآخر بصورة مباشرة، بحيث يستحيل الجمع بين الإقامة المستمرة في المأجور وبين الإقرار بالسكن في الأوزاعي أو في أماكن أخرى خارج المأجور، وإنّ إدلاءها بانتقالها خارج المأجور لفترة وجيزة لا تتعدّى بضعة أيام لا ينسجم مع مضمون إفادتها الأولى أمام الخبير التي تفيد باستمرار الإقامة مع الزوج إلى حين وفاته، كما لا تنسجم مع تعدّد أماكن الإقامة التي أدلت بها؛
وحيثُ إنّ الإدلاء بعدم العلم بما تمّ التوقيع عليه أمام الخبير، في موازاة التمسّك ببعض ما ورد في الإفادة ذاتها، يفقد هذا الدفع جديّته ويعزّز الطابع الانتقائي في عرض الوقائع؛
وحيثُ إنّ هذا التناقض الجوهري في الأقوال، في ضوء غياب أي دليل جدّي يثبت استمرار الإشغال الفعلي للمأجور دون انقطاع، يضعف مصداقية إدلاءات المدّعى عليها ويحول دون الركون إليها لإثبات شرط الاستمرارية؛
وحيثُ إنّه يُستفاد من مجمل هذه المعطيات أنّ إقامة المدّعى عليها لم تكن متصلة بالمأجور بصورةٍ دائمة، بل تخلّلها انتقال فعلي إلى مسكن آخر خارج نطاقه، قبل العودة إليه في مرحلة لاحقة، وإنّ هذا الواقع يشكّل انقطاعاً في إشغال المأجور بالمعنى المقصود قانوناً، فينتفي شرط الاستمرارية المطلوب للاستفادة من التمديد القانوني سنداً للمادة 29 من القانون رقم 2017/2، فتكون شروط المادّة المذكورة غير متوافرة في القضيّة الرّاهنة، ما يقتضي معه إعلان عدم استفادة المدّعى عليها(…) من حقّ التمديد القانوني، كما يقتضي تبعاً لذلك إلزامها بإخلاء المأجور الكائن في الطّابق الأرضي الشقة الشرقية من البناء القائم على العقار رقم 710 من منطقة المصيطبة العقاريّة وتسليمه إلى الجهة المدّعية فوراً خالياً وشاغراً من أيّ شاغلٍ؛
وحيثُ إنّه، وبعد التوصّل إلى هذه النّتيجة، يقتضي ردّ سائر الأسباب الزّائدة أو المخالفة، بما فيها طلب العطل والضرر إمّا لعدم الجدوى منها، وإمّا لأنّها لقيت جواباً ضمنيّاً في ما سبق؛
لذلك،
يحكم بالآتي:
أوّلاً: قبول الدّعوى الحاضرة شكلاً.
ثانياً: ردّ طلب إدخال الدّولة اللّبنانية في المحاكمة.
ثالثاً: في الأساس، ردّ الدّفع بمرور الزّمن، إعلان عدم استفادة المدّعى عليها(…) من حقّ التمديد القانوني، وإلزامها بإخلاء المأجور الكائن في الطّابق الأرضي الشقة الشرقية من البناء القائم على العقار رقم 710 من منطقة المصيطبة العقاريّة وتسليمه إلى الجهة المدّعية (…) فوراً خالياً وشاغراً من أيّ شاغلٍ.
رابعاً: ردّ كلّ ما زاد أو خالف، وطلب العطل والضرر وتضمين المدّعى عليها النّفقات القانونيّة كافّة.
حكمٌ صدر وأُفهم علناً في بيروت في تاريخ 2026/5/26.
“محكمة” – الأحد في 2026/5/31
*حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، يمنع منعاً باتاً على أيّ شخص، طبيعيًا كان أم معنويًا، وخصوصًا الوسائل الإعلامية ودور النشر والمنشورات والمكتبات الحقوقية وغير الحقوقية منها، نسخ أكثر من 20% من مضمون الخبر أو النصّ، مع وجوب ذكر إسم موقع “محكمة” الإلكتروني، وإرفاقه بالرابط التشعّبي للخبر(Hyperlink).
كما يمنع نشر وتصوير أيّ خبر أو نصّ، بطريقة الـ”screenshot” وتبادله عبر مواقع التواصل الإجتماعي، وتحديدًا منها “الفايسبوك”، و”الواتساب”، و”اكس”، و”الإنستغرام”، و”التلغرام”، أو إعادة استنساخه عن طريق الذكاء الإصطناعي (AI)، أو “ChatGPT”، ما لم يرفق باسم “محكمة” والإشارة إليها كمصدر.
ويحظّر إجراء أيّ تعديل أو تحريف، حذفًا أو إضافة، في النصوص المنشورة في “محكمة” وخصوصًا تلك المتعلّقة بالأحكام والقرارات القضائية، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية أمام المرجع القضائي المختص، مع الإحتفاظ بكامل الحقوق المادية والمعنوية لإدارة مجلّة “محكمة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!