قصة حكومة السيد نواف السلام والمقاومة/عصام اسماعيل
الدكتور عصام نعمة اسماعيل:
إعتقد فريق كبير من اللبنانيين وكذلك جهات خارجية كثيرة فاعلة في الشأن اللبناني بأن المقاومة هُزمت في عداون العام 2024 وقد بنوا على هذه الخسارة فرضيات ووضعوا خططاً لانهاء حالة المقاومة لمرّة واحدة وللأبد، على اعتبار أن الفريق المنتصر يحقّ له إقصاء ومحاكمة الفريق المنهزم وإنهاء وجوده السياسي.
كانت الخطوة الأولى هي إملاء اتفاقية وقف اطلاق النار على الجانب اللبناني والتي عُرِضت على مجلس الوزراء باللغة الانجليزية وبدون ترجمة، ووافق عليها بموجب قراره رقم 1 تاريخ 2024/11/27 وعنوانه التشدد مجدداً على الالتزام بتنفيذ القرار رقم 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي بمندرجاته كافة والالتزامات ذات الصلة، وتضمن في متنه الالتزام بالترتيبات المرفقة به باللغة الانجليزية التي تضمنت عدة بنود منها التزام الحكومة اللبنانية برصد أي إدخال غير مرخّص للأسلحة والمعدات العسكرية ذات الصلة إلى لبنان وعبره، بما في ذلك عبر جميع المعابر الحدودية، ومكافحته، وكذلك مكافحة التصنيع غير المرخّص للأسلحة والمعدات داخل لبنان، والبدء من منطقة جنوب الليطاني بتفكيك جميع المنشآت غير المرخّصة المتعلقة بتصنيع الأسلحة والمعدات العسكرية ذات الصلة، ومنع إقامة مثل هذه المنشآت مستقبلاً، والبدء من منطقة جنوب الليطاني بتفكيك جميع البنى التحتية والمواقع العسكرية، ومصادرة جميع الأسلحة غير المرخّصة المتعارضة مع هذه الالتزامات.
بعد صدور قرار مجلس الوزراء اللبناني المذكور بالموافقة على الترتيبات المذكورة، دخل وقف اطلاق النار حيّز التنفيذ، وكان لا بدّ من الاتيان بحكومة قادرة على تنفيذ هذا الالتزام، فوقع الاختيار على القاضي نواف سلام ليرأس حكومة تعمل على تنفيذ هذه الالتزامات.
وبالفعل تمّ انتخاب العماد جوزف عون رئيساً للجمهورية اللبنانية بتاريخ 2025/1/9 وبعده بأيام أي بتاريخ 2025/1/13 تمّ تكليف السيد نواف سلام بتشكيل الحكومة وحاز على تأييد 84 نائباً (أي أن التوجه النيابي كان نحو اعتماد هذا الخيار بناء لاعتبارات خارجية أملت هذه التسمية).
تولى السيد نواف سلام اختيار وزراء حكومته على أساس الصقور المؤيدّة لتوجهه، والحمائم من الخيارات الأخرى، ما جعل مجلس الوزراء مشوباً بخلل فقدان التوازن السياسي داخله لناحية قوة الخيار الموحد لتنفيذ ما جرى الاتفاق عليه مسبقاً بإنهاء حالة المقاومة بكافة صورها بدون معارضة فاعلة أو مؤثرة داخل هذا المجلس.
بتاريخ 2025/2/8 صدر مرسوم تشكيل الحكومة التي اجتمعت وأقرّت بيانها الوزاري بموجب القرار رقم 1 تاريخ 2025/2/17 وتضمّن حرفياً إلتزامها بالترتيبات الخاصة بوقف الأعمال العدائية كما وافقت عليه الحكومة السابقة بتاريخ ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤ (أي وافقت على الورقة المكتوبة باللغة الانجليزية بالبنود الواردة فيها والمذكورة أعلاه)، فنالت ثقة مجلس النّواب في 26 شباط 2025 بأغلبية 95 صوتاً من أصل 128.
لم تنتظر هذه الحكومة كثيراً واختارت من بيانٍ وزاريٍ يضمّ عشرات البنود الهامة بنداً واحداً جعلته هدفها الأسمى وما ذلك إلا لأنه هدفها الوحيد الأوحد، وبدأت السعي لتنفيذه ولم تفلح كلّ الدعوات الموجهة لها بألا تعادي المقاومة، ولم تنجح كل التمنيات والحجج ووسائل الاقناع بأن لا تسمح للعدو بدخول قرى وتدميرها بعد أن كان قد عجز عن دخولها في وقت الحرب ولم تتخذ أي تدابير لمجابهة العدو الذي كان يلاحق اللبنانيين ويغتالهم في منازلهم أو في الطرقات، ولم تحرّك حتى الدبلوماسية ضدّه، واستكملت الحكومة اجراءات تضييقية على المقاومة وجماهيرها بإجراءات ذات اوجه متعددة إلى أن قررت في شهر آب 2025 الموافقة على ورقة أميركية تنقل حصرية السلاح جنوب الليطاني إلى كلّ لبنان، فأصدر مجلس الوزراء القرارين رقم 1 تاريخ 2025/8/5 ورقم 1 تاريخ 2025/8/7 المتعلقين بالموافقة على الورقة الأميركية بشأن تمديد وتثبيت إعلان وقف الأعمال العدائية بين لبنان واسرائيل التي تضمنت ضمان حصر حيازة السلاح بيد الدولة وحدها في جميع أنحاء لبنان والانهاء التدريجي للوجود المسلح لجميع الجهات غير الحكومية بما فيها حزب الله في كافة الأراضي اللبنانية جنوب نهر الليطاني وشماله. وقد ترافقت هذه القرارات مع زيادة الضغط من قوى الصقور المنضوية في الحكومة ضدّ المقاومة وشيطنتها بكلّ الوسائل المشروعة وغير المشروعة.
وبعد العدوان الأمريكي الغادر على الجمهورية الاسلامية الايرانية واغتيال المرجع الشيعي الأعلى وبداية الحرب الظالمة، وجدت المقاومة فرصتها للإنتقام لشهدائها ومظلوميها أوّلًا، ولإفهام الحكومة أنها لا زالت قوّية عصيّة على الكسر، وأن على هذه الحكومة إذا ما أرادت انهاء حالة المقاومة عليها أن تعمل على إزالة مسبباتها وهي العدوان الاسرائيلي الدائم والمستمر، وضمان حماية المواطنين وعدم تركهم لمصيرهم.
إلا أن الحكومة وبدلًا من استيعاب فكرة أن المقاومة قويّة لها حاضنة شعبية كبيرة ولا يمكن كسرها بقرارات، وبدلاً من مراجعة حساباتها الخاطئة والاعتذار من اللبنانيين عن سوء تقدير الموقف، إذا بها تكمل ذات النهج السابق وتصدر القرار رقم 1 تاريخ 2026/3/2 وبمقتضاه عمدت إلى حظر النشاط العسكري والأمني لحزب الله والتنفيذ المباشر والحازم لقرار مجلس الوزراء تاريخ 2026/2/16 أي شقه المتعلق بحصر السلاح شمال نهر الليطاني.
واليوم تسعى الحكومة إلى الدخول بمفاوضات مع العدو المجرم، ما يثير الخشية من أن توافق بموجب قرار يتخذه مجلس الوزراء دون علم أو موافقة مجلس النواب، على ورقة معدّة سلفاً نفترض أنها ستكون أكثر تشدداً من الورقتين السابقتين اللتين دخلتا حيّز التنفيذ بالنسبة لهذه الحكومة التي لم تجد حرجاً بتبنيهما والسعي لتطبيقهما وكأنهما كتاب منزل.
هذه المواقف التي اتخذتها هذه الحكومة لناحية العداء المطلق للمقاومة قد أسسّت به عادة جديدة في الحكم قائمة على فكرة الحكم المفرد غير التوافقي، وأن الجميع يعلم أن البادئ في المعاداة هو هذه الحكومة وليس العكس، حيث إنّه وبخلال كلّ تلك الفترة لم تتخذ المقاومة أي موقف سلبي من الحكومة ولا حتى سحبت ممثليها منها.
إلا أن الأمر سوف يختلف بعد خروج المقاومة منتصرة من هذه المعركة، إذ إنّ لها الحق، وفق العادة التي أقرّتها حكومة سلام، بأن تلغي كافة مفاعيل القرارات التي اتخذتها هذه الحكومة ومساءلة أعضاء هذه الحكومة وملاحقة المرتكبين منهم أمام العدالة الوطنية الصادقة.
“محكمة” – السبت في 2026/4/11



