مقالات

قانون العفو العام بين ضرورة الضرورات و” تشقيف الحطب”/علي زين الدين

المحامي علي فيصل زين الدين:
كثر الكلام في الآونة الأخيرة حول ضرورة إقرار قانون العفو العام، فانكبّت اللجان النيابية على دراسته، باعتباره من القوانين الملحّة والضرورية في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد. وتبرز أسباب عدة تجعل من هذا القانون حاجة فعلية، وفي مقدمتها الاكتظاظ الكبير داخل السجون، والتأخر المزمن في المحاكمات، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي انعكست بصورة مباشرة على الواقع القضائي والأمني.
إن فكرة العفو العام بحد ذاتها تُعد خطوة إيجابية يمكن أن تفتح صفحة جديدة في تاريخ البلاد، وأن تمنح فرصة لإعادة دمج عدد كبير من الأشخاص في المجتمع، كما قد تسهم في تخفيف الضغط عن المؤسسات القضائية والسجنية. غير أن أهمية هذا القانون لا تكمن فقط في إقراره، بل في ما يجب أن يرافقه من إصلاحات حقيقية وعملية تضمن عدم تحوّله إلى حل مؤقت أو إجراء ظرفي لا يلبث أن يفقد جدواه.
فإذا لم تُعالج الأسباب الأساسية التي أدت إلى تفاقم الأزمة، من ضعف الرقابة، وبطء الإجراءات القضائية، وسوء أوضاع السجون، والنقص في الإمكانات البشرية واللوجستية، إضافة إلى الحاجة الملحّة لإصلاح البنية الأساسية للمرفق القضائي، فإن قانون العفو العام لن يكون سوى عملية “تشقيف حطب”، أي معالجة سطحية لا تمس جوهر المشكلة.
وعندها، لن يمر وقت طويل حتى نجد أنفسنا أمام الأزمة ذاتها، مع اكتظاظ جديد وتأخير جديد ومعاناة جديدة، فنعود للمطالبة بقانون عفو عام آخر، وكأننا ندور في حلقة مفرغة من الحلول المؤقتة بدل التوجه نحو معالجة جذرية ومستدامة.
إن العفو العام يجب أن يكون جزءاً من خطة إصلاحية متكاملة، لا مجرد خطوة شعبوية أو ظرفية، لأن بناء دولة القانون لا يتحقق بإطفاء الحرائق الآنية، بل بإرساء منظومة عدالة فعّالة، سريعة، وعادلة، تحفظ حقوق المجتمع وكرامة الإنسان في آنٍ.
“محكمة” – الخميس في 2026/5/7

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!