مقالات

يا للعجب.. الدولة إكتشفت عصابات الطوابع اليوم فقط !/عاطف منصور

المحامي عاطف حسن منصور:
نشرت وسائل الإعلام اليوم خبراً عن مداهمات لبعض المحال التي تبيع الطوابع الأميرية بأسعار مضاعفة تفوق قيمتها الرسمية.
لا شك أنّ هذه الخطوة ستلقى الترحيب من قبل الرأي العام، وهي تعكس تحرّكاً طال انتظاره ضد مافيا الطوابع التي امتهنت إبتزاز المواطنين، وينبغي أن تستمر حملة المداهمات بلا توقّف ولا انقطاع لأيّ اعتبارات، وألا تتحول إلى مجرد فولكلور إعلامي حتى يتم إنهاء هذه الظاهرة بالكامل ومحاسبة كل المتورطين.
لكن السؤال الأهم يبقى: لماذا تحرّك الملف اليوم فقط بعد سنوات من الصمت، ومن المسؤول عن هذا التأخير؟
عجباً ! منذ أربع سنوات وكلنا نصرخ ونناشد ونرفع الصوت في كل مناسبة، محذرين من هذه المافيا، لكن أحداً لم يحرك ساكناً، وقد جرى التغاضي عن هذا الملف وكأنه أمر ثانوي، فيما هو في الحقيقة قضية فساد كبرى تمس الدولة والمواطن معاً وتنهش المال العام بلا رادع.
واليوم فقط بدأ الحديث عن التحرك! السؤال ماذا تغير الآن؟ ومن يجرؤ على ملاحقة من جنى ملايين الدولارات من هذه التجارة غير المشروعة؟ أليس السكوت المستمر طوال هذه السنوات دليلاً على أن الحماية كانت مؤمنة للمتورطين من أعلى المستويات؟
إن أخطر ما في هذه الفضيحة أنها أصابت مرفق العدالة في العمق، وكان المحامون هم الأكثر تضرراً من هذه المافيا، فهم الذين اضطروا يومياً إلى شراء الطوابع بأسعار مضاعفة من السوق السوداء لتسيير دعاواهم ومعاملاتهم القضائية. هذا الواقع جعل المحامي رهينة مافيا منظمة، وأثقل كاهل المتقاضين بأعباء إضافية، فصار المواطن يدفع ثمن الفساد مرتين: مرة من جيبه، ومرة من ثقته المفقودة بالعدالة.
لقد سبق لي أن كتبت تحت عنوان: “فلترحل الحكومة إذا كانت عاجزة عن تأمين طابع أميري”.

فلترحل الحكومة إذا كانت عاجزة عن تأمين طابع أميري/عاطف منصور


واليوم أكرر أنه يجب تحميل مسؤولية التأخير في بت هذا الموضوع لكل مقصر مهما علا شأنه إذا كنا فعلاً نريد دولة مؤسسات تحترم نفسها وتحترم مواطنيها.
من هنا، فإن معالجة الملف اليوم لا يجب أن تقتصر على إجراءات شكلية أو محاكمات إنتقائية، لأنّ المطلوب محاسبة حقيقية تطال الرؤوس الكبيرة، وإعادة الإعتبار لهيبة القضاء وضمان عدم تكرار مثل هذا النزيف الذي جعل العدالة نفسها تباع وتشترى بورقة طابع.
إننا نهيب بالقضاة الشرفاء وكلهم شرفاء، أن يفتحوا هذا الملف حتى النهاية، ونطالب أيضاً نقابة المحامين أن ترفع الصوت عالياً بإسم كل المحامين الذين تضرروا على مدى سنوات، وأن تتخذ موقفاً يليق بحجم الضرر الذي لحق بالمهنة وبكرامة العدالة نفسها.
صفوة القول، العدالة لا يمكن أن تقوم على طوابع مسروقة، ولا على أكتاف مافيا إمتهنت المتاجرة بحقوق الناس.
“محكمة” – السبت في 2025/9/6

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!