للتقيّد الدقيق بنظام التوقيف الاحتياطي تعزيزاً للثقة بموضوعية القضاء الجزائي/ أكرم عازوري
المحامي أكرم عازوري:
إنّ الجو الإيجابي الذي خلقته التشكيلات القضائية الناجحة لدى الرأي العام و لدى المحامين بدأ بإعادة ثقة المجتمع اللبناني بالسلطة القضائية المستقلة والمحايدة، وإلغاء الاستنسابية بالتوقيف الاحتياطي يساهم في تعزيز هذه الثقة.
إنّ التوقيف الاحتياطي هو عملياً عقوبة حبس تنفذ بحق المحقق معه أو المدعى عليه قبل الإدانة وقبل حتى المحاكمة. لذا و منذ العام 2001، لم يعد قرار التوقيف خاضعاً لسلطة القاضي الاستنسابية، بل أصبح تدبيراً استثنائياً منظماً بدقة في المادة 107 أ.م.ج لجهة شروط تقريره كتدبير استثنائي جداً ومنظم أيضا لجهة حدّه الأقصى وهو 4 أشهر للجنح وسنة للجناية (ضمن شروط) دون أن يكون لقضاة البداية الحق بتقرير التوقيف الاحتياطي بصورة استنسابية أو تجاوز المدة القصوى بطريقة ملتوية عن طريق فرض كفالة لتمديد التوقيف الاحتياطي متى توافرت شروطها لما يتجاوز الحد الأقصى (4 أشهر أو سنة) عن طريق فرض كفالة مثلاً.
وقد راعى لبنان في تعديل عام 2001، معايير المحاكمة العادلة الدولية المعمول بها في الدول المتقدمة.
إنّ توقيف المدعى عليه استنسابياً وهو لا يزال بريئاً في غير الحالات المنصوص عنها في القانون، يمسّ بقرينة البراءة ويحرم المرء من حريته قبل المحاكمة التي قد تؤدي إلى إعلان براءته. وهذا أمر سيّء لا يعزز ثقة المواطن بالقضاء المستقلّ لأنّ مجرّد حصول التوقيف الاحتياطي بصورة إستنسابية يشكل وسيلة ضغط على المدعى عليه الموقوف قد ترغمه على الموافقة على شروط لإخلاء سبيله لم يكن ليوافق عليها في ما لو كان التوقيف مبرّراً ومتوافقاً مع شروط المادة 107 أ.م.ج
لكن رغم تنظيم شروط التوقيف الاحتياطي، بقي التوقيف خلافاً للقانون يقرر بصورة استنسابية خلافاً لشروط المادتين 107 و 108 أ.م.ج كما كانت هي الحال قبل تعديل عام 2001
صحيح أنّ محكمة التمييز الجزائية ومحاكم الاستئناف راقبت بفعالية وفسخت قرارات التوقيف الاحتياطي الاستنسابية المخالفة اللقانون. ونذكرعلى سبيل المثال القرارات التالية :
– تمييز جزائي، غرفة سادسة، قرار رقم 2016/258 تاريخ 2016/6/14 – تمييز جزائي، غرفة سادسة، قرار رقم 2004/329 تاريخ 2004/12/23 وقرار الهيئة الاتهامية في بيروت تاريخ 2023/7/6.
لكنّ الفترة اللازمة لمحكمة الاستئناف أو التمييز لإلغاء التوقيف الاحتياطي المقرر بصورة إستنسابية خلافاً للقانون لا يلغي الضرر اللاحق بالمدعى عليه، لذلك، ومنعاً للإستنسابية في تقرير التوقيف الاحتياطي وتحويره من الغاية التي وجد من أجلها، يجب أن تتقيد المراجع الابتدائية فعلياًّ في نص المادتين 107 و108 أ.م.ج وأن تراقب الهيئات الاستئنافية في جميع المحافظات اللبنانية قرارات التوقيف الاحتياطي المقررة خلافاً لشروط المادة 107 أو التي تتجاوز مدة التوقيف الاحتياطي المنصوص عنه في المادة 108، تطبيقاً فعلياً لقرارات محكمة التمييز الجزائية واحتراماً للحرية الشخصية.
لذلك، أقترح أن يصدر حضرة النائب العام التمييزي تعليمات ملزمة للنواب العامين الخاضعين قانوناً لسلطته بأن يتقيدوا في مطالعاتهم بنص وروح المادتين 107 و108 أ.م.ج، وأن تتشدّد محاكم الاستئناف في مراقبة تطبيق شروط التوقيف الاحتياطي الذي يقرّره قضاة التحقيق أم قضاة الحكم الابتدائيين خلافاً للشروط الإلزامية التي وضعها قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد في العام 2001.
“محكمة” – السبت في 2025/9/13



