مقالات

قانون القضاء العدلي… الاستقلال المؤجَّل/ زياد الخازن

المحامي زياد رامز الخازن:
في ٣١ تموز ٢٠٢٥، أقرّ مجلس النواب مشروع قانون تنظيم القضاء العدلي الجديد، وقد قُدّم القانون كخطوةٍ إصلاحية تهدف إلى تعزيز استقلالية السلطة القضائية.
ورغم ما تضمّنه النص من مؤشرات إيجابية في الشكل، بقيت الملاحظات الجوهرية حول بعض أحكامه حاضرة، إذ لم تَرْسُ بنوده على استقلالية فعلية، بل ظلّت قاصرة عن تحقيق الفصل الحقيقي بين السلطتين القضائية والتنفيذية.
ولعلّ الطريقة التي أُقِرّ بها القانون تكشف جانباً من الخلل البنيوي في التشريع اللبناني، فالجلسة التي أعلن في ختامها رئيس مجلس النواب المصادقة على اقتراح القانون لم تتجاوز نصف ساعة، وجاءت بعد مداخلاتٍ أحادية الجانب، غابت عنها المناقشة الجدية، واختلّت فيها أصول التشريع. هكذا تكرّست، مرةً جديدة، “الفوضى التشريعية” التي باتت جزءاً من ثقافتنا البرلمانية.
ولم تمضِ أسابيع حتى أعاد رئيس الجمهورية القانون إلى مجلس النواب بمرسومٍ حمل الرقم ١١٠٥ تاريخ ٥ أيلول ٢٠٢٥، مبيّناً الأسباب الداعية إلى إعادة النظر في بعض أحكامه، استناداً إلى صلاحياته الدستورية المنصوص عليها في المادة ٥٧ من الدستور، ومؤكداً ضرورة مراجعته بما يضمن فعلاً استقلال القضاء لا شكلاً.
من هنا، يبرز السؤال الجوهري: هل ما صدر في نهاية تموز هو بالفعل خطوةٌ نحو استقلال القضاء، أم مجرّد فصلٍ جديد من فصول الإصلاح المؤجَّل الذي يكتبه لبنان كلّ مرة بالحبر ذاته؟
في الشكل، خطوةٌ إلى الأمام. منح القضاة حقَّ انتخاب ممثليهم في مجلس القضاء الأعلى، وألغى وصاية وزير العدل على هيئة التفتيش، وفتح الباب أمام التقييم والتدريب، وأقرّ حرية القاضي في التعبير ما لم تمسّ هيبة موقعه… كلّها إشاراتٌ حسنة النيّة، لكنّ الاستقلال الذي وُعِدَ به القضاء خرج ملجوماً بلجامٍ قديم، تُمسكه الأيدي ذاتها التي تدّعي أنها أطلقته.
فالتشكيلات القضائية ما زالت تمرّ من بوابة السياسة، والميزانية لم تُفصل عن خزائنها، والرتب والمناصب لا تزال محكومةً بتوازنٍ طائفيٍّ يعلو على الكفاءة. الإصلاح الذي أُعلن عنه جاء أنيقاً في العبارة، فارغاً في العمق، كأنه استُعجل ليُقال لا ليُطبَّق.
القانون الجديد بصيغته المقترحة برّاقٌ في الشكل، ناقصٌ في الجوهر. حمل في طيّاته عنواناً كبيراً اسمه “استقلال القضاء”، فيما الدستور نفسه، في مادته العشرين اليتيمة التي تناولت السلطة القضائية، تحدّث عن “استقلال القضاة”. والفارق بين العبارتين ليس في الحروف، بل في المعنى. القضاء هو الهيكل، أمّا القضاة فهم الأعمدة التي تحمله. الهيكل يُرمَّم، لكنّ الأعمدة إذا تصدّعت، لا يجديها الطلاء نفعاً.
فكيف يُبنى استقلال القضاء فيما رواتب القضاة لا تكفي لحياةٍ كريمة؟ وكيف يُراد من القاضي أن يحكم على أصحاب السلطة، وهو ينتظر توقيعهم على تعيينه أو ترقيته؟ لا عدالة بلا كرامة، ولا كرامة لقاضٍ يخشى راتبه كما يخشى غضب السياسي.
القانون الجديد (في صيغته المقترحة) في ذاته محاولةٌ شريفة، لكنه، ككلّ المحاولات في هذا البلد، وُلد من رحم التمنّي لا من إرادة التنفيذ. بقيت العدالة تفتّش عن بيتٍ تسكنه، والقاضي عن سقفٍ يحميه من رياح السياسة والطائفية معاً.
الإصلاح الحقيقي لا يُكتب بالمراسيم، بل يُصاغ بالمواقف. والاستقلال لا يتحقّق بمواد القانون، بل بضمير القاضي حين يكتب حكمه. حين يصبح القاضي سيّد قراره، لا أسير موقعه ولا رهين مرجعه، عندها فقط يمكن أن يُقال إن العدالة اللبنانية بدأت تستعيد نفسها من غربةٍ طويلة.
وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى قانون القضاء العدلي الجديد (قيد الدرس حالياً بعد الاعادة) شاهداً على وعدٍ جميلٍ لم يكتمل، وعلى استقلالٍ وُلد مؤجَّلاً ينتظر أن ينتقل من النص إلى الفعل، في وطنٍ ما زال يكتب إصلاحاته بالقلم نفسه، منتظراً لحظةً يصدّق فيها أن العدالة ليست مادةً للتشريع، بل روحاً تُبنى بالنقاش الحرّ والإرادة الصادقة.
“محكمة” – الاثنين في 2025/10/20

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!