مقاربة الحياد مع قانون العقوبات/فؤاد مطر
المحامي فؤاد مطر:
في ظل ما تتداوله بعض الاوساط حول خرق التدابير التي اتخذتها الحكومة اللبنانية للمحافظة على حياد لبنان في الحرب القائمة، فإنّه لا بدّ من معالجة هذا المبدأ موضوعياً وقانونياً، وننطلق وفق منهجية علمية.
١.الحياد ومفهومه:الحياد هو اتخاذ موقف وسطي بعدم الانحياز لأيّ طرف في نزاع، خصومة، أو قضية، مع الالتزام بالموضوعية وعدم التدخل.
وهنالك الحياد الايجابي الذي تتبناه الدول لعدم الانحياز لأيّ من التكتلات الدولية المتصارعة مع المشاركة الفعالة في حفظ السلم والأمن الدوليين ومناصرة القضايا العادلة.
٢.الحياد الايجابي:عقد مؤتمر في باندونغ عام ١٩٥٥ ضم اقطاباً من العالم الثالث أمثال شوان لاي وجمال عبد الناصر ونهرو وسوكارنو .. وانبثق عنه حركة مناهضة للإستعمار ورفض التبعية للقوى العظمى، وأطلق على سياسة الحياد حركة عدم الانحياز، تجمعها مبادئ عامة منها احترام أهداف ومبادئ ميثاق الامم المتحدة، واحترام سيادة جميع الدول وسلامة أراضيها، وإقرار مبدأ المساواة بين جميع الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى أو التعرّض لها.
٣. نموذج الحياد في سويسرا: الحياد السويسري هو سياسة خارجية دائمة تتبناها سويسرا بإعتراف دولي بموجب معاهدة باريس عام ١٨١٤، وتمخض في مؤتمر فينا عام ١٨١٥ بضمانة القوى العظمى حيث تتعهد بموجبها بعدم المشاركة في أي نزاعات مسلحة بين الدول الاخرى، مع الحفاظ على استقلالها العسكري. ويعتبر هذا الحياد ركيزة أساسية للامن السويسري ومصدراً للإستقرار خاصة في ظل الصراعات الاوروبية. ورغم ذلك شهدت حرباً أهلية عام ١٨٤٧.
تسعى سويسرا دائما لتثبيت حيادها بمختلف الوسائل العسكرية والسياسية والدبلوماسية وموازنة العلاقة بين الدول المتصارعة .
بالرغم من كل ذلك واجهت سويسرا بحيادها في الحرب العالمية الاولى حيث نشرت قواتها على الحدود تحديداً مع فرنسا، ثمّ لاحقاً مع ايطاليا. ومع انتهاء هذه الحرب، أعادت القوى العظمى تكريس اعترافها بحياد سويسرا في معاهدة فرساي.
وفي الحرب العالمية الثانية، لم تضطرّ سويسرا للقتال بسبب إرادتها للمقاومة ضدّ أيّ غزو ألماني محتمل، فأعادت القوى العظمى تكريس اعترافها بحياد سويسرا من خلال عصبة الأمم.
لقد لجأت سويسرا في سبيل حماية الحياد، إلى تأمين مستلزمات عسكرية رادعة ونجحت بعد ان حصلت على الضمانة الدولية وشكّلت رادعاً عسكرياً في العديد والعتاد، وبفضل إرادتها على المقاومة واستناد إستراتيجيتها الدفاعية على ما يسمّى “الحصن الوطني” بتحصينات عسكرية دفاعية، وهي لا تزال تفرض الخدمة العسكرية على الذكور، وطواعية للنساء.
وهنالك سبع دول أخرى محايدة منها ايرلندا وفنلندا والنمسا…
٤.الحياد في عهد الرئيس فؤاد شهاب: بتاريخ 1959/2/9 عقد أهم لقاء سياسي أمني أخوي بين الجمهورية اللبنانية برئاسة الرئيس فؤاد شهاب والجمهورية العربية المتحدة(مصر وسوريا وقتذاك) برئاسة الرئيس جمال عبد الناصر، في خيمة نصب نصفها في الأراضي اللبنانية والنصف الآخر في الأراضي السورية بعيداً عن البروتوكولات الرسمية المعتادة. وقد أرسى هذا الاجتماع إحترام سيادة لبنان واعتبر مرجعية سياسية وتاريخية لمناقشة حياد لبنان في مواجهة التدخلات الخارجية وتثبيت الاعتراف بقدسية الحدود اللبنانية والاستقلال اللبناني، وأصبح رمزاً لمواجهة التجاذبات الاقليمية.
لقد كان سعي الشهابية ناجحاً في ضمان عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبنان على ان لا يكون لبنان ممرّاً ومقرّاً لأيّ اعتداء على أي جزء من المحيط العربي ومن غير أن يفرض ذلك على لبنان التخلّي عن صداقاته مع العالم الخارجي.
لكن في مجال حماية الحدود، بقيت ثغرة الحدود مع فلسطين المحتلة حيث عجزت الدولة اللبنانية رغم حيادها في الصراع مع العدوّ الاسرائيلي الذي احتل اراض لبنانية منها مزارع شبعا وتلال كفرشوبا في أعقاب حرب الخامس من حزيران عام ١٩٦٧، ولبنان لم يشارك في الحرب تأثرًا بمقولة قوة لبنان في ضعفه.
٥.الحياد في الدستور اللبناني والقوانين الدولية: تؤكد وثيقة الوفاق الوطني على حقّ لبنان شعباً وجيشاً ومقاومة على تحرير كافة أراضيه والدفاع عنها، واتخاذ كافة الاجراءات لتحرير الارض اللبنانية من الاحتلال الاسرائيلي ..والاتاحة لعودة الامن والاستقرار الى منطقة الحدود .
كما نصت على التمسك بتتفاقية الهدنة الموقعة في 1949/3/23 .
ونصت المادة الثانية من الدستور على أنّه لا يجوز التخلي عن أحد اقسام الاراضي اللبنانية او التنازل عنه.
ان المقاومة التزمت بقرار وقف أطلاق النار رغم كثافة الاختراقات من جانب العدو الاسرائيلي الدائم والمستمر وخرقه الواسع في التمدد خارج الخط الازرق.
ان المقاومة حق مشروع وفقاً لمبادئ القانون الدولي.
وان محاولات قمع أي نوع من أنواع الكفاح ضد الاحتلال الاسرائيلي تشكل مخالفة صارخة لكافة الشرائع.
وان المقاومة ضد العدوان الاسرائيلي مشروعة ومباحة وفق المواثيق الدولية ومن خلال ميثاق الأمم المتحدة.
فلا مشروعية لمنطق الحياد وفق أحكام الدستور اللبناني والمواثيق والقوانين الدولية في ظل الاعتداءات الاسرائيلية.
وبما ان لبنان ما زال يرزح تحت وطأة الاحتلال الاسرائيلي وعدوانه، فلا يمكن استنساخ تجارب الحياد الذي يقضي الى جانب كل ما أوردناه ان يكون المعتدي دولة وفق مفاهيم القانون الدولي، إذ إنّه ﻻ تتوافر بهذا الكيان أبسط القواعد البديهية المسلّم بها، فهو مصطنع لا يتمتع بشروط قيام الدولة التي ينبغي، بل ويجب ان يكون لها حدود كما تعلن على لسان قياداتها سياسة الضمّ لتحقيق اسرائيل الكبرى بتنبؤات توراتية لتقتطع لبنان والاردن وأجزاء من مصر وسوريا والعراق والمملكة العربية السعودية.
٦.مقاربة الحياد مع المحاولة البائسة لتوظيف تفسيرات لأحكام المادة ٢٨٨ من قانون العقوبات اللبناني:
يتحفنا بعض الجهابذة في استخدام مفاهيم من عندياتهم لإرضاء أسيادهم في تفسيرات أقل ما يمكن ان يقال عنها خاطئة، أو يتغافلون عن قصد أو عن غير قصد لقواعد قانونية منها إلزام بالتسلسل في أولوية تطبيق القوانين واحترام الدرجات الأعلى.
إنّ المادة ٢٨٨ عقوبات نصت على المحافظة على حياد الدولة خلال الحرب، الا ان الحرب القائمة ليست صراعاً بين دولتين، وكأنّ لبنان ليس هو المتصارع عليه من قبل العدوّ الاسرائيلي ومشاريعه المعروفة للقاصي والداني، كما وكأنّ الكيان الاسرائيلي يتمتّع بمفهوم الدولة وفق أحكام القانون الدولي.
والأنكى بأنّ مزاعمهم وحجّتهم في ضرورة تطبيق المادة المذكورة بأنّهم يخشون ضرب الصلات بإسرائيل كدولة أجنبية! وهذا اعتراف بمشروعيتها كدولة ضاربين بعرض الحائط بأحكام الدستور وقواعد القانون الدولي ومعاهدات ومواثيق دولية ذات الصلة.
لا يجوز بتاتاً الاحتجاج بمبدأ الحياد مع العدوّ الاسرائيلي، وإنّ أيّ استغلال بحجّة الاجتهاد في هذا المجال، هو مردود جملة وتفصيلاً لفقدانه لأيّ أساس قانوني، بل إنّ أيّ قرار قد يصدر من أية جهة كانت، هو فوراً، بحكم المعدوم وفاقد لشرعية الوجود، ولا يرتّب أيّ أثر قانوني لانعدامه وتجاوزه لكلّ القواعد الدستورية والقانونية.
ونتساءل هنا لمصلحة من الحياد؟ ولكي لا تضع اي جهة نفسها في هكذا حال في موضع تهمة، نجاوبها بالمجان بأنّ الجواب الأوحد لمصلحة الكيان، فاعتبروا قبل فوات الأوان.
“محكمة” – السبت في 2026/3/21



