أبحاث ودراسات

التحول الرقمي وإنهاء طوابير الانتظار في الإدارات العامة اللبنانية: تحول خجول والورق سيد الموقف/ قمر محيش

الدكتورة قمر محيش:
لم تعد طوابير الانتظار مجرد مشهد يومي يختبر صبر الأفراد أمام الإدارات والمؤسسات العامة، بل أصبحت تعبيرًا عن فجوة أعمق بين متطلبات العصر الرقمي وآليات العمل التقليدية التي لا تزال تحكم كثيرًا من المرافق والخدمات. ففي الوقت الذي أصبحت فيه التكنولوجيا قادرة على إنجاز المعاملات وتحليل البيانات واتخاذ القرارات بسرعة غير مسبوقة، ما زال المواطن في لبنان مضطرًا إلى الانتظار طويلًا لإنجاز إجراء قد لا يتطلب في جوهره سوى دقائق معدودة.
فالمشكلة ليست مجرد مسألة لوجستية أو تقنية، بل ترتبط بمبادئ أساسية في القانون الإداري، ولا سيما مبدأ حسن سير المرفق العام، ومبدأ المساواة بين المواطنين في الانتفاع من الخدمات العامة، وضرورة تحقيق الإدارة لأهدافها بأعلى قدر من الكفاءة والفعالية.
وفي المقابل، يشهد العالم تحولاً عميقاً بفعل التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث لم تعد التكنولوجيا تقتصر على أرشفة الملفات أو تقديم الخدمات الإلكترونية، بل أصبحت قادرة على تحليل البيانات، تنظيم الإجراءات، التنبؤ بالحاجات الإدارية، والمساهمة في تحسين عملية اتخاذ القرار.
و يشهد التحول الرقمي في الإدارات العامة اللبنانية تفاوتاً واضحاً بين جهات متقدمة استطاعت أتمتة خدماتها (كوزارة المهجرين والجمارك والمالية)، وأخرى تسير بخطى تدريجية تقتصر على الأرشفة وريد المعاملات. وتجسد “الأحوال الشخصية” هذا النموذج الجزئي إلى جانب مؤسسات حيوية أخرى (كالمطار والمرفأ والعقارية ووزارات العدل والصحة والطاقة)، حيث أُطلقت خدمات رقمية محدودة لإخراجات القيد والسجلات، فيما لا يزال الورق المهيمن الأساسي على نظام العمل.
أولاً: تحركات تشريعية محدودة:من تنظيم المعامات الإلكترونية الى إنهاء طوابير الإنتظار.
لا يمكن تناول التحول الرقمي في الإدارة العامة اللبنانية بمعزل عن التحول التشريعي المواكب له؛ إذ لم تعد الرقمنة مجرد توجه تقني أو خيار إداري، وإنما بدأت تتبلور بوصفها مسارًا قانونيًا ومؤسسيًا لإعادة بناء الإدارة والخدمات العامة. فقد شكّل القانون رقم 2018/81 المتعلق بالمعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي خطوة تأسيسية في الاعتراف بالمعاملات والوسائل الإلكترونية وتنظيم جوانب أساسية من البيئة الرقمية.
غير أن التطورات المتسارعة في التكنولوجيا فرضت الانتقال من مرحلة الاعتراف القانوني بالمعاملة الإلكترونية إلى مرحلة أكثر شمولًا تقوم على بناء منظومة متكاملة للتحول الرقمي والحوكمة الرقمية. وفي هذا السياق، برزت خلال عام 2025 تحركات تشريعية باتجاه إنشاء إطار مؤسسي وطني للتحول الرقمي، بالتوازي مع توجهات تشريعية جديدة تتناول الذكاء الاصطناعي، وحماية البيانات، والأمن السيبراني، والهيئات الرقمية، والتوقيع والمعاملات الإلكترونية. ويكشف هذا المسار عن تحول جوهري في فلسفة التنظيم القانوني: فالقانون لم يعد يكتفي بإضفاء المشروعية على استخدام التكنولوجيا، بل يتجه تدريجيًا إلى جعل التكنولوجيا أداة لإعادة تصميم الإدارة ذاتها، وتقليص البيروقراطية، وتسريع إنجاز المعاملات، وتحقيق الشفافية، وصولًا إلى إدارة يستطيع فيها المواطن الحصول على الخدمة دون أن يكون الحضور الشخصي والانتظار الطويل شرطًا ملازمًا لها. ومن ثم، فإن نجاح التحول الرقمي لا يُقاس بعدد المنصات الإلكترونية التي تُنشأ، وإنما بقدرته على إعادة هندسة الخدمة العامة وتحويل طوابير الانتظار من ظاهرة إدارية مزمنة إلى نموذج تجاوزه القانون والتكنولوجيا معًا، مع ضمان ألا تأتي السرعة والكفاءة على حساب حماية البيانات والحقوق والحريات والمساواة في الوصول إلى الخدمات.
ثانياً:هل تنهي التكنولوجيا هذه البيروقراطية؟
غير أن التحول الرقمي لا يحقق غايته بمجرد استبدال الورقة بشاشة، أو نقل المعاملة التقليدية إلى منصة إلكترونية؛ فالإدارة التي تحتفظ بالإجراءات المعقدة ذاتها، وتعدد الموافقات ذاتها، وتسلسل المراجعات ذاته، لا تصبح إدارة رقمية بالمعنى الحقيقي، وإنما تتحول إلى بيروقراطية إلكترونية. ومن هنا تبرز القيمة الحقيقية للتحول الرقمي في قدرته على إعادة هندسة الإجراءات الإدارية من جذورها، وإلغاء الخطوات غير الضرورية، وربط قواعد البيانات، وتبادل المعلومات بين الجهات العامة، وتمكين المواطن من إنجاز معاملته دون التنقل بين المكاتب وانتظار التواقيع والموافقات. فالمعيار الحقيقي للرقمنة ليس عدد الخدمات التي أصبحت متاحة عبر الإنترنت، وإنما مقدار الوقت والجهد والكلفة التي جرى توفيرها على المواطن، ومدى انتقال الإدارة من منطق «المواطن يلاحق المعاملة» إلى منطق «المعاملة تتحرك داخل الإدارة دون أن يتحول المواطن إلى ساعي بريد بين مؤسساتها»( وهذا هو للأسف واقعنا اليوم). وهنا تحديدًا يتخذ التحول الرقمي بُعدًا قانونيًا يتجاوز التقنية؛ إذ يصبح إعادة توزيع للصلاحيات، وإعادة تعريف لمسؤولية الموظف العام، وتكريسًا لمبادئ السرعة والشفافية والمساءلة، وصولًا إلى إعادة صياغة مفهوم الحق في الحصول على الخدمة العامة في عصر لا ينبغي فيه أن يكون الانتظار ثمنًا لممارسة هذا الحق.
ثالثاً:حدود التحول الرقمي وضمانات المواطن من البيروقراطية الرقمية.
غير أن الاحتفاء بالتحول الرقمي لا ينبغي أن يحجب الوجه الآخر لهذه العملية؛ فالرقمنة، مهما بلغت درجة تطورها، لا تشكل بذاتها ضمانة لحسن الإدارة أو اختفاء البيروقراطية. فقد تنتقل مظاهر التعقيد من المكاتب إلى المنصات، ومن الطوابير أمام شبابيك الإدارات إلى طوابير رقمية خلف شاشات الانتظار، إذا لم تقترن الرقمنة بإصلاح حقيقي للإجراءات والقواعد التي تحكم العمل الإداري. كما أن الاعتماد المتزايد على الأنظمة والخوارزميات يطرح إشكاليات قانونية دقيقة تتعلق بحماية البيانات الشخصية، وأمن المعلومات، وشفافية القرار الإداري، وإمكانية مساءلة الإدارة عن الأخطاء الناتجة عن الأنظمة الرقمية، فضلًا عن خطر استبعاد الفئات التي تفتقر إلى القدرة أو الوسائل اللازمة للوصول إلى الخدمات الإلكترونية. ومن ثم، فإن السؤال القانوني الأكثر إلحاحًا لا ينبغي أن يكون: كيف نرقمن الإدارة؟ بل: كيف نضمن ألا تتحول الرقمنة من وسيلة لتحرير المواطن من البيروقراطية إلى شكل جديد من البيروقراطية الرقمية؟ فالإدارة الرقمية المنشودة ليست تلك التي تستبدل الموظف بالمنصة فحسب، وإنما تلك التي تجعل التكنولوجيا خاضعة للقانون، والقرار الرقمي قابلًا للفهم والمراجعة والمساءلة، والخدمة العامة أكثر سرعة وعدالة وإتاحة للجميع. وبغير هذه الضمانات، قد تنهار الطوابير أمام أبواب الإدارات، لكنها قد تعود بصورة أكثر تعقيدًا خلف شاشات لا يرى المواطن من يقف وراء قراراتها.
خاتمة
التحول الرقمي لا ينبغي أن يُقاس بعدد المنصات الإلكترونية التي تطلقها الإدارة، ولا بعدد المعاملات التي انتقلت من الورق إلى الشاشة، وإنما بقدرته على تغيير تجربة المواطن مع الدولة تغييرًا جوهريًا. فالقيمة الحقيقية للرقمنة تبدأ عندما يصبح إنجاز المعاملة أسرع، والوصول إلى الخدمة أسهل، والقرار الإداري أكثر شفافية، والمواطن أقل حاجة إلى الوقوف أمام أبواب المؤسسات أو الانتقال بينها بحثًا عن توقيع أو موافقة.
غير أن إسقاط طوابير الانتظار لا يعني بالضرورة إسقاط البيروقراطية؛ فقد تنتهي الطوابير أمام شبابيك الإدارات، لتظهر طوابير جديدة خلف المنصات الرقمية، وقد تختفي الأوراق دون أن تختفي الإجراءات المعقدة، وقد يحل النظام الخوارزمي محل الموظف دون أن يعرف المواطن من المسؤول عن القرار أو كيف يمكن الاعتراض عليه. وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي أن يواجهها القانون: أن تكون الرقمنة وسيلة لتحرير المواطن من البيروقراطية، لا وسيلة لإخفائها داخل خوارزميات لا تُرى ولا تُساءل.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام المشرّع اللبناني لا يتمثل في اللحاق بالتكنولوجيا فحسب، بل في بناء دولة رقمية مسؤولة؛ دولة توازن بين سرعة الخدمة وحماية الحقوق، وبين كفاءة الخوارزميات وشفافية القرار، وبين تبسيط الإجراءات وحماية البيانات، وبين أتمتة الإدارة والإبقاء على حق الإنسان في الفهم والاعتراض والمراجعة.
“محكمة” – الجمعة في 2026/8/7

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!