كم يجب أن يتقاضى النائب اللبناني والأجير؟ بين الأرقام والقانون والفقه والاتفاقيات الدولية (دراسة مقارنة)/أديب زخور
المحامي أديب زخور:
اولاً: راتب النائب اللبناني والحد الأدنى للأجور: ما هي النسبة العادلة للأجير والنائب؟
لقد تمّ رفع راتب النائب الشهري الى مبلغ خمسة آلاف دولار أميركي. ولمقاربة هذا الموضوع بطريقة علمية وقانونية وموضوعية، يجب الرجوع الى الحد الادنى للأجور ومعايير وضعها المشرّع ذاته، لحماية هذا الأجر وتحديده وزيادته.
ففي لبنان، أصبح الحد الأدنى الرسمي للأجور في القطاع الخاص 28 مليون ليرة شهرياً منذ أول آب 2025، أي ما يعادل تقريباً 312–313 دولاراً وفق سعر الصرف، بعد انهيار العملة الوطنية اللبنانية الى أدنى مستوياتها،
وقد جاءت المادة 44 من قانون العمل اللبناني لتنص بشكل واضح وملزم وليس من باب التمني او الاقتراح، بأنه ” يجب ان يكون الحد الادنى للأجر كافياً لسد حاجات الاجير الضرورية وحاجات عائلته” واكدت عليه المادتان 23 و25 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان اللتان نصّتا على المساواة في الاجر وتأمين العيش اللائق والظروف الاقتصادية المناسبة للأجير والحق بتقاضي أجر عادل، واكدت المادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن تعترف الدول الاطراف لكل شخص في تقاضي أجراً منصفاً وعيشاً كريماً للأجراء ولأسرهم، وجاءت اتفاقية العمل العربية رقم 15 لتحديد وحماية الاجر المبرمة من لبنان بتاريخ 2000/5/24، بموجب القانون رقم 182، على هذه المبادئ. (يراجع: موسوعة الوضع القانوني للأجراء-الاجانب في ضوء التشريع والجتهاد اللبناني والدولي دراسة مقارنة، المحامي اديب زخور ص.222 وما يليها).
والسؤال والمقاربة هو من أجل تحديد كم مرة يجب أن يكون راتب النائب، وكم مرة أكبر من راتب العامل الذي يعيش على الحد الأدنى للأجور وكم يجب تحديده بالنسبة للمواطن العادي، اذ ان هذه هي المقارنة الأكثر عدالة، لأنها تقيس الفارق بين من يمثل الشعب اي النائب وبين العامل والمواطن العادي الذي يعيش على الحد الأدنى من الدخل والاهم كم يجب تحديد أجره الشهري الادنى مستقبلاً، سواء للنائب او الاجير.
فإذا كانت المطالبة برفع راتب النائب 5,000 دولار شهرياً فيكون المعدل 5,000 ÷ 312 = أي حوالي 16 مرة الحد الأدنى للاجور للأجير،
وهنا تظهر المشكلة بوضوح، فإذا كان الأجير اللبناني الذي يتقاضى الحد الأدنى يحتاج إلى العمل شهراً كاملاً ليحصل على 312 دولاراً، فإن النائب سيحصل على ما يعادل دخل ذلك العامل خلال 16 شهراً في شهر واحد.
ثانياً: المقارنة الأوروبية تجعل الصورة أكثر وضوحاً:
فنسبة راتب النائب بالنسبة للحد الأدنى للأجور تتراوح بين ٥ مرات في فرنسا وبلجيكا وايرلندا و٦ مرات في المانيا وبريطانيا على سبيل المثال. مع العلم ان الحد الأدنى للأجور في بعض الدول الأوروبية، ومنها تقريباً:
ألمانيا: 2,343 يورو، و هولندا: 2,295 يورو، و فرنسا: 1,823 يوروو إسبانيا: 1,381 يورو، و نطاق الاتحاد الأوروبي: من حوالي 620 يورو في بلغاريا إلى نحو 2,704 يورو في لوكسمبورغ،
وبالتالي اذا حسبنا راتب النائب اللبناني لو اعتمدنا نسباً مختلفة من الحد الأدنى للأجور البالغ 312 دولاراً فتكون:
3 مرات الحد الادنى للأجور= 936 دولاراً و 4 مرات = 1,248 دولاراً و 5 مرات = 1,560 دولاراً و 6 مرات = 1,872 دولاراً و 7 مرات = 2,184 دولاراً و 8 مرات = 2,496 دولاراً و 10 مرات = 3,120 دولاراً و 16 مرة = 4,992 دولاراً
وبالتالي لا يصح أن نقول إن راتب النائب اللبناني يجب أن يكون رقماً معيناً بالدولار بمعزل عن مستوى معيشة المواطن، فالمعيار الأكثر عدالة هو تحديد نسبة دخل النائب بالنسبة للحد الأدنى لأجر العامل أو الاجير الفعلي المفترض ان يكون بعد رفعه مقارنة وبالنسبة لمعدل التضخم وحاجات العامل الاساسية والمتطلبات الاجتماعية والصحية اليومية والشهرية.
ثالثاً: المسافة الاجتماعية بين السلطة والمجتمع وزيادة الحد الادنى للأجور:
والأهم ليس الرقم المطلق، بل “الفارق النسبي بين دخل السياسي او النائب ودخل العامل، وهذا يقودنا إلى مبدأ مهم: فكلما اتسعت المسافة بين دخل المسؤول ودخل المواطن الأدنى دخلاً، اتسعت المسافة الاجتماعية بين السلطة والمجتمع.
بخاصة إن لبنان خرج من أزمة مالية ونقدية هائلة أدت إلى انهيار قيمة العملة وتآكل الرواتب، لذلك لا يمكن النظر إلى راتب المسؤول كما لو أن لبنان يعيش ظروف دولة أوروبية مستقرة، اذ إن العامل اللبناني لا يقيس راتبه ودخله الشهري فقط بالدولار، بل يجب ان يكفيه تسديد النفقات الاساسية وعيشاً كريماً، ومنها ايجار المسكن، والغذاء، والمأكل والمشرب، والكهرباء ضرب اثنين مع الماء والاتصالالت والانترنت، والطبابة والدواء والاستشفاء بغياب التأمين الصحي الشامل وضمان الشيخوخة اضافة التعليم والضرائب والرسوم واخذ أموال المودعين، (يراجع: لا يجوز ان يقل الاجر عن الحد الادنى الرسمي الذي تحدده الدولة والذي يراعي في تحديده العناصر المذكورة اعلاه، بالاضافة الى الظروف الاقتصادية العامة للبلاد، مما يضمن للأجراء عيشاً كريماً يليق بإنسان يبذل جهده ووقته في سبيل عمل شريف(المادة 44 من قانون العمل،(أنور الحسامي تطور الحد الادنى للأجور، م.إ.ل. 1996، عدد6، ص25، صادر بين التشريع والاجتهاد ، العمل، ص 2013).
رابعاً: وهنا تظهر مسألة “العدالة الاجتماعية”:
وبالتالي المطلوب رفع الحد الادنى للاجور بالرغم من اعتراض نقابات اصحاب العمل ، لذلك الحل ليس بتخفيض او رفع راتب النائب ونترك الأجير فقيراً ومحتاجاً، دون عدالة اجتماعية، بل: برفع الحد الأدنى للأجور، ونضع في الوقت نفسه سقفاً عقلانياً للفارق بين التضخم والحد الادنى للاجور ونفقات المعيشة، وبين دخل العامل ودخل المسؤول او النائب، وهذا أكثر عدالة.
وربط الحد الأدنى بمؤشرات موضوعية مثل: “التضخم و كلفة المعيشة والإنتاجية، ومتوسط الأجور،والقدرة الشرائية”.
فيكون اقلّه الحد الادنى للأجور الف دولار شهرياً، وبالتالي يكون ربط راتب النائب بالحد الأدنى مثلاً: يكون راتب النائب لا يتجاوز 3 و5 أضعاف الحد الأدنى للأجور.
وبذلك لا يستطيع أي مجلس نيابي مستقبلي أن يرفع راتبه بصورة منفصلة عن وضع المواطنين.
“محكمة” – الاربعاء في 2026/8/12



