مقالات

أسباب التأخر في فصل الدعاوى ووجوب تحسين أوضاع القضاة/ناضر كسبار

ناضر كسبار (نقيب المحامين في بيروت سابقاً):
ينظم المرسوم الاشتراعي رقم 150 تاريخ 16 ايلول 1983، المعروف باسم قانون القضاء العدلي شرط الدخول الى السلك القضائي والصفات والمؤهلات والموجبات التي يفرضها على القاضي.
فالقاضي، كما قلت في عدة مقابلات ومقالات سابقة، هو الذي يحكم ويبت في الملفات والقضايا. وصلاحياته تمتد على مختلف القضايا الادارية والمدنية والتجارية والجزائية والنقابية والاحوال الشخصية وغيرها وغيرها. وتجسد هذا الكلام يوم قلت انه لا يجوز للقاضي ان يعتكف، لانه يشبه عندئذ كابتن الطائرة الذي يعتكف فتقع الطائرة في البحر وتغرق مع ركابها.
من هنا، فإن القانون فرض شروطاً قاسية للدخول في سلك القضاء، كما نص على موجبات متعددة يجب على القاضي احترامها، وعلى كفاءات يجب ان يتمتع بها. فيأتي التعيين على اساس الكفاءة لا الواسطة خصوصاً بعد ان غزت الاحزاب النقابات والجامعات والوزارات والادارات حيث تنجح في بعضها وتفشل في بعضها الآخر. بالاضافة الى موجبات اقلها النزاهة والاستقلالية وحسن السيرة والاخلاق والتجرد، والمحافظة على سرية المذاكرة والتصرف بما يتناسب ومقامه. والاهم هو موجب التحفظ.
وهنا لا بد من القول، ومن دون مجاملة، ان في لبنان قضاة يتمتعون بالعلم والكفاءة، وتعدد اللغات والتحفظ والتجرد. صحيح ان الوضع الحالي ليس كالسابق، لان كل شيء في لبنان قد تغير بسبب ما اصابه من حروب وتراجع في مختلف المجالات التربوية والطبية والمصرفية والاجتماعية، إلا ان وضع القضاء لا يزال بخير. ويكفي ان نسمع عن التهديدات اليومية لمختلف شرائح المجتمع اللبناني، وانتشار السلاح بشكل كبير بين المواطنين، وتزايد الجرائم بشكل ملحوظ، حتى نتفهم ما يحصل احياناً من عدم بت بعض الملفات الخطيرة والشائكة والامنية المرتبطة بشبكات في الداخل والخارج، مستعدة للقتل لاي سبب بسيط. ففي ظل مثل هذه الظروف الخطيرة، يجب تأمين الحد الادنى من الحماية للقضاة الذين عليهم البت بهذه الملفات الخطيرة.
وبالتالي، فإن من اهم المشاكل التي يواجهها المتقاضي تتمحور بعدة نقاط:
اولاً: عدم بت الملفات بالسرعة اللازمة. صحيح انه يجب بت الملفات بسرعة دون تسرع، إلا ان الدعاوى في لبنان قد تستغرق عشرات السنين وخصوصاً الدعاوى العقارية وتعدد الورثة، وعدم إمكانية اجراء التبليغات اللازمة. اذ لو تبلغ خمسون شخصاً وبقي شخص واحد غير مبلغ، ترجأ الجلسة لإبلاغه.
ثانياً: النقص في عدد القضاة. فقديماً كان عدد الدعاوى بالآلاف ثم بعشرات الآلاف. اما اليوم فهناك اربعماية الف دعوى.
مع لفت النظر انه وللاسف، هناك عدد كبير من القضاة يودون تبؤ المراكز الجزائية، في حين انه قديما لم يكن هذا الامر مهماً او مطروحاً خصوصاً مع توسع شبكة العلاقات الاجتماعية، وفصل مرافقين، وتلقي الاتصالات، والشهرة. اذ حتى في المحاماة، فإن المحامي الجزائي يشتهر اكثر من المحامي المدني.
ثالثاً: التشكيلات القضائية التي قد لا تكون موفقة كلياً او جزئياً. وفي هذا المجال يروي احد كبار القضاة المتقاعدين انه قديماً كان يتخرج القاضي من المعهد فيعين عضواً في المحكمة الابتدائية، ثم ينتقل الى المركز الآخر كقاضٍ منفرد او محام عام. اما اليوم فيتم تعيين البعض فوراً في مراكز حساسة تحتاج الى الخبرة. ومن المآخذ ان البعض يكون قاضياً لمدة عشرين سنة في الميدان الجزائي، فينقلونه امام القضاء المدني. وفي هذا المجال كان يشتكي القاضي المرحوم وليد القاضي انه امضى حياته القضائية كمحام عام في بعبدا. إلا انهم احتاجوا لقاضٍ درزي لتعيينه رئيساً لمحكمة التمييز الناظرة في الدعاوى التجارية، فتم تعيينه، وهو لم ينظر سابقاً في ملفات تجارية مشابهة. كما لاحظنا في الفترة الاخيرة ان بعض قضاة الجزاء الذي تم نقلهم امام القضاء المدني.
رابعاً: ومتابعة لنقطة التشكيلات. كان القاضي الكبير شكري صادر يردد دائماً، وقالها في محاضرة في نقابة المحامين وكنت رئيساً لمحاضرات التدرج يومها، انه لا يعلم حتى تاريخه كيف تتم التشكيلات القضائية، وما هي المعايير.
ويروي ان في ملفه القضائي، يوجد شهادة البكالوريا القسم الثاني، وشهادة الحقوق ومرسوم تعيينه وبقية المستندات. في حين ان ملفه خالٍ من اي مستندات اخرى او تقارير او ملاحظات. وهكذا بالنسبة لبقية القضاة. فعلى اي اساس تتم التعيينات.
خامساً: عدم تركيز القضاة على عقد الجلسات ودراسة الملفات واصدار الاحكام والقرارات فقط. بل ايضاً على التعليم في الجامعات وعلى متابعة المؤتمرات في الداخل والخارج. هذه الامور جيدة اذا كان لدى القاضي ترف الوقت، والنشاط اللازم لمتابعة الملفات وبتها. اما اذا كان العكس، فهذه الامور تؤثر سلباً على انتاجية القاضي.
سادساً: يطالب الكثيرون بقانون استقلالية السلطة القضائية. ونحن متأكدون بأن معظم من يطالبون بذلك يعتقدون ان الاستقلالية تعني حرية العمل من دون تدخل او ضغظ. وهذا خطأ.
قالقاضي الآدمي الشجاع يحصّن نفسه بنفسه. وهو الذي يصنع الاستقلالية لا النصوص. ومن دون دعاية لاحد. من كان يتجرأ على التدخل في عمل الرؤساء عاطف النقيب وطارق زيادة وسليم العازار رحمهم الله.
ومن كان يتجرأ على التدخل مع القضاة مهيب معماري ورالف الرياشي وجوزيف شاوول اطال الله في اعمارهم”. لا احد ونعتذر عن تعداد عشرات لا بل مئات القضاة المتوفين او الذين لا يزالون على قيد الحياة. والذين لم يكن احد يتجرأ حتى على التلميح امامهم بأي امر مهما كان سخيفاً او هدية مهما كانت صغيرة.
سابعاً: وجوب تحسين ظروف القضاة المعيشية. ولا يمكن القول بأنهم استفادوا سابقا من رواتب مقبولة ومتناسبة. فالقاضي هو الذي يحكم بين المتقاضين. واذا لم يكن مرتاحاً فهذا الامر سوف يؤثر على عمله وعلى عطائه. خصوصاً متى علمنا امراً مهماً وهو ان وزارتي التربية والدفاع تصرفان 62% من موازنة الدولة. في حين ان الوزارتين المهمتين اللتين تؤمنان المداخيل الباهظة فهما وزارة الاشغال (خصوصا مع وجود المطار والمرافئ والدوائر العقارية) ، ووزارة العدل. فهل يعلم المواطن اللبناني ان قيمة التقاضي هي الاعلى في العالم، اذ يدفع المدعي 2,5% من قيمة المبلغ المطالب به في الدعاوى المدنية والتجارية. ويضاف اليه الخمس كتعاضد قضاة. هذا كرسم نسبي عدا عن الرسم المقطوع. وبالتالي، فإن هذا المدخول الكبير هو الذي يساهم في تسديد مصاريف الدولة الباهظة. واقل الايمان ان تكون رواتب القضاة متناسبة مع عملهم الذي يؤدي الى تأمين تلك المداخيل للدولة. وهذه النقطة اثرتها يوم كنت لا ازال نقيباً عاملاً واعتكف قسم كبير من القضاة. فأقنعتهم بالعودة الى العمل لانهم بذلك يؤمنون موارد كبيرة للدولة ولصندوق التعاضد، وإلا تتوقف تلك الموارد اذا اعتكفوا ولم يعملوا او يصدروا الاحكام والقرارات.
***
هذه عينة عن اهم النقاط المتعلقة بقانون التنظيم القضائي.
“محكمة” – الخميس في 2026/10/22

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!