علم وخبر

فسخ الزواج الكنسي أمام المحاكم المدنية في الإمارات: هل يُنفّذ فعلياً في لبنان؟/ميشال الخوري

المحامية ميشال طنوس الخوري:
شهدت الفترة الاخيرة تزايدًا ملحوظًا في لجوء اللبنانيين المقيمين في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى المحاكم المدنية هناك لطلب فسخ زيجاتهم المعقودة في لبنان بموجب طقوس دينية، سواء أكانت كنسية أم مذهبية.
وقد سهّل هذا التوجّه صدور قانون مدني للأحوال الشخصية في الإمارات، والمعدل حديثاً بالمرسوم بقانون رقم 41 لسنة 2022 بشأن اصدار قانون مدني للاحوال الشخصية المادة الاولى منه فقرة 3 والتي تنص على ما يلي: “تسري أحكام هذا القانون على غير المواطنين ما لم يتمسك أحدهم بتطبيق قانونه أو أي قانون آخر اتفق على تطبيقه مما تجيزه التشريعات السارية في الدولة.”
وقد استغل العديد من اللبنانيين هذا الإطار القانوني الجديد للتوجه إلى تلك المحاكم بطلب فسخ زواجهم الكنسي، والحصول على حكم مدني بالفسخ.
ووفقاً للمادة 1010 من قانون اصول المحاكمات المدنية اللبنانية وما يليها جرى تنفيذ هذه الاحكام في لبنان في حالات عدّة مما أدى إلى تعديل قيود الأحوال الشخصية، وتسجيل حالة “فسخ الزواج” في السجلات الرسمية.
لكن السؤال القانوني الجوهري الذي يطرح نفسه: هل يُنتج هذا الفسخ المدني أثرًا قانونيًا كاملاً في لبنان، خصوصًا من الناحية الدينية؟ وهل يتيح للمحكوم له الزواج مجددًا؟
يخضع نظام الأحوال الشخصية في لبنان لتنظيم طائفي لا مدني. فبموجب القرار 60 ل.ر. لعام 1936، الصادر فترة الانتداب الفرنسي والذي يزال سارياً حتى اليوم، تحتفظ كل طائفة معترف بها بصلاحية تنظيم شؤون الأحوال الشخصية لأتباعها، بما في ذلك الزواج، الطلاق، والمواريث (للمحمديين فقط) وعلى هذا الأساس، فإن السلطة التي تعقد الزواج (أي المرجعية الدينية) هي، وحدها، صاحبة الصلاحية للنظر ببطلان الزواج او فسخه او طلاق ما لم يبدل الزوجين طائفتهما. (المادة 23 من هذا القرار).
وبالتالي، لا يُمكن لأي جهة سوى المحكمة الروحية التابعة للطائفة التي عقدت الزواج أن تُنهي الرابطة الزوجية.
رغم إمكانية تسجيل الحكم في دوائر النفوس، إلا أن هذا الفسخ المدني لا يُعتد به دينياً في لبنان. فالطوائف المسيحية في لبنان لا تعتبر الزواج منحلًا طالما لم يصدر عنها حكم ببطلانه أو فسخه أو تطليق أحد الزوجين.
ويُترتب على ذلك آثار قانونية واجتماعية خطيرة، منها أن الشخص الذي حصل على فسخ مدني عبر محكمة أجنبية، حتى وإن تم تسجيله في لبنان، يبقى متزوجًا بنظر الطائفة التي عقدت زواجه، ولا يستطيع الزواج مجددًا أمامها أو أمام طائفة مسيحية أخرى، لعدم تحقق شرط “إطلاق الحال”.
بمعنى أوضح: قد يبدو الشخص مُطلقًا في السجل الرسمي، لكنه لا يزال متزوجًا في نظر القانون الديني.
ما توفره المحاكم المدنية في الإمارات يُعَدّ ملاذًا عمليًا وسريعًا للبعض، لكنه يبقى حلًا ناقصًا في سياق النظام اللبناني الطائفي للأحوال الشخصية. فالتعامل مع الزواج كعقد مدني في الخارج لا يُغني عن الاعتراف الديني اللازم في لبنان، لا سيما إذا كان الهدف هو الزواج مجددًا داخل لبنان أو وفق الطقوس الدينية.
“محكمة” – الجمعة في 2025/7/25

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!