أعظم من الحزن.. مرثية عمر/أنطونيو الهاشم
انطونيو الهاشم (نقيب المحامين سابقاً):

وصلتني هذه الصورة فهزّتني من الأعماق، وحرّكت في داخلي مشاعر موجعة لا تُقال بسهولة، لأنني لم أرَ فيها رجلاً يجلس أمام شاشة، بل رأيت وطناً كاملاً وقد شاخ على مهل، لا من العمر وحده، بل من الانتظار، ومن الاعتياد القاسي على سماع الكارثة كأنها نشرة طقس يومية.
نرى طفلاً بدأ حياته جالساً على الأرض، بعينين واسعتين وقلبٍ لم يتعلّم بعد معنى الدم، ثم نراه يكبر لا على إيقاع الفصول، بل على إيقاع الحروب. كلّ مرحلة من عمره لم تكن تُقاس بعيد ميلاد، ولا بشهادة، ولا بحلمٍ تحقق، بل بعنوانٍ عاجل على شاشة ، حرب أهلية، خطف، قتل على الهوية، اجتياح، صواريخ، غارات جوية، سيارات مفخخة، اغتيالات، دمار، ونارٌ تتبدّل أسماؤها، فيما الوجع واحد.
كبر هذا الإنسان ، وفي كل مرة، عليه أن يتأقلم مع جرحٍ جديد. تعلّم باكراً أن البيت قد يبقى واقفاً فيما الطمأنينة تنهار، وأن النجاة ليست دائماً خلاصاً، بل أحياناً مجرّد تأجيلٍ لمصيبة أخرى. صار يشاهد الخراب كما يشاهد آخرون مباريات كرة القدم، لا لأن قلبه قاسٍ، بل لأن كثرة الألم تدفع الإنسان أحياناً إلى الاحتماء باللامبالاة كي لا يموت من فرط الإحساس. وما أقسى أن يكبر المرء وهو يرى العالم من نافذة حرب. أن يتعلّم أسماء الأسلحة قبل أسماء الزهور، وأن يحفظ أخبار الجبهات أكثر مما يحفظ أغاني الطفولة.
هذه الصورة تختصر مأساة أجيالٍ في لبنان، أناسٌ لم يُمنحوا الحياة العادية. لم يُترك لهم الوقت الكافي ليحبّوا بسلام، أو ليخطّطوا لمستقبلٍ بسيط، أو ليؤمنوا أن العمر يمكن أن يمضي في شيء آخر غير الحذر. حتى القهوة في يد الشيخ هنا لا تبدو علامة راحة، بل علامة تعبٍ طويل، كأنها آخر ما بقي من تصرّفٍ إنساني صغير في وجه الجنون الكبير.
ومع ذلك، في الصورة ما هو أعظم من الحزن . فيها شهادة على قدرة اللبناني على البقاء. هذا الطفل الذي لم تكسره الشاشة، اصبح الرجل الذي لم تنطفئ فيه تماماً الرغبة في المتابعة، ليس مجرد ضحية، بل شاهد على قسوة التاريخ وعلى عناد الحياة فيه ، فإن تستمر في الجلوس، في النظر، في التنفّس، وسط كل هذا الركام، هو أيضاً شكلٌ من أشكال الصمود.
إنها صورة عمرٍ لم يعش حياته كما ينبغي، بل كما فُرض عليه. عمرٌ سُرق منه الهدوء على دفعات، وتناوبت عليه الحروب . لكنها أيضاً صورة إنسانٍ لم يفقد، رغم كل شيء، ملامحه الأخيرة، وذاكرته، وإحساسه، وحقّه في أن يحزن. وهذا الحزن ليس ضعفاً، بل آخر ما يثبت أنه ما زال إنساناً، ولم يتحوّل كلياً إلى حجر.
ما أشبه هذه الصورة بسيرة كثيرين منّا. بدأنا أطفالاً ننتظر الغد، فإذا بنا نكبر ونحن ننتظر فقط أن يمرّ هذا النهار بسلام. وما أفجع أن يصبح الحلم المتواضع عند الإنسان، بعد عمرٍ كامل من العواصف، ليس المجد ولا الثراء ولا الانتصار، بل مجرد يومٍ عادي، لا خبر عاجل فيه، ولا نار، ولا أسماء جديدة للموت.
هذه ليست صورة رجل أمام تلفاز.
هذه مرثية عمر.
وهذه أيضاً إدانة عالمٍ جعل من حياة الأبرياء مقاعد انتظارٍ طويلة أمام شاشات الخراب.
لماذا؟!
“محكمة” – الجمعة في 2026/3/13



