جرم الإحتيال في لبنان: نحو اصلاح مزدوج/قمر محيش
الدكتورة قمر محيش:
يُعد جرم الإحتيال من أخطر أنواع الجرائم التي تطال الأفراد والجماعات ، لما ينطوي عليه من مخاطر معنوية تمس جوهر العلاقات بين الناس والمساس بالثقة العامة التي تشكل أساس التعاملات القانونية والتجارية والإقتصادية في المجتمع. فلا يمكن أن نجد مجتمعاً سليماً من هذه الظاهرة وتتفاوت درجاتها من مجتمع الى آخر تبعاً للأوضاع الإقتصادية داخل المجتمع ومدى درجة الوعي المجتمعي فيه فضلاً عن عوامل أخرى كثيرة. ونرى المجتمع اللبناني مثقلاً بهذا النوع من الجرائم التي تتغلغل في العلاقات اليومية بين الأفراد سواءً في المعاملات المعلنة أو غير المعلنة منها، فأدوات هذه الجريمة الأساسية هي التضليل بغرض انتزاع مال أو حق بوجه غير مشروع أو لتحقيق منفعة غير مشروعة على حساب الآخرين.
ويعالج المشرع اللبناني هذا الجرم ضمن أحكام قانون العقوبات اللبناني محدداً أركانه وشروط توافره والعقوبات المفروضة عليه، الاّ أن قراءة متأنية في واقع الحال اللبناني اليوم تفرض ضرورة تسليط الضوء على الإطار القانوني لجرم الإحتيال وتحديد مدى فعالية النصوص القانونية الحالية في احتواء هذا الجرم في ظل الوسائل الإحتيالية الحديثة وتنوع أشكال الممارسات اليومية ، نحو الحاجة الى تطوير الإطار القانوني وتكييف الآليات الوقائية وتعزيز الثقافة المجتمعية لضمان حماية المجتمع من هذه الظاهرة.
مفهوم الإحتيال وفقاً للقانون اللبناني
تقوم جريمة الإحتيال في القانون اللبناني بشكل رئيسي على المناورات الإحتيالية التي توقع الضحية في الغلط لتسليم مال منقول أو غير منقول أو أسناد تتضمن تعهداً أو ابراء أو منفعة الى المحتال.(المادة 655 من قانون العقوبات اللبناني.)
و سنداً للمادة المذكورة تعتبر من أعمال الإحتيال ما يلي:
– الأعمال التي من شانها ايهام المجني عليه بوجود مشروع وهمي او التي تخلق في ذهنه املاً بربح أو تخوفاً من ضرر.
– تلفيق أكذوبة يصدقها المجني عليه نتيجة تأييد شخص ثالث ولو عن حسن نية أو نتيجة ظرف مهد له المجرم أو ظرف استفاد منه.
– التصرّف بأموال منقولة أو غير منقولة ممن ليس له حق أو صفة للتصرف فأساء استعمال حقه توسلاً لابتزاز المال.
– استعمال اسم مستعار أو صفة كاذبة للمخادعة والتأثير.
الأركان الواجب توافرها لقيام جرم الإحتيال
يجب توافر ركنين :المادي والمعنوي.
1- الركن المادي:
– الفعل الجرمي: يتمثل الركن في جريمة الإحتيال بالفعل الجرمي ألا وهو الخداع حيث يكون الكذب المدعم بمناوراة احتيالية والذي أدى الى تغيير الحقيقة هو جوهره الأساسي. والهدف من الكذب هو إنشاء اعتقاد وهمي لدى الضحية دفعتها الى تسليم المال.
– النتيجة الجرمية تتحقق عبر تحقيق الغاية من الاحتيال، وهي قيام الضحية بتسليم المال ولكن بإرادتها المعيوبة الذي يقابلها استلام الجاني للمال.
الصلة السببية: أي أن تقوم الضحية بتسليم المال نتيجة الغلط الذي وقعت فيه.
2- الركن المعنوي: اتجاه علم الجاني بأن فعله مخادع (القصد العام)واتجاه نيته للاستيلاء على المال بهدف التملك (القصد الخاص).
العقوبة المقررة قانوناً لجريمة الإحتيال
حددت المادة 655 المذكورة آنفاً عقوبة جريمة الاحتيال بالنص على أن المحتال يعاقب بالحبس من ستة أشهر الى ثلاثة سنوات وبالغرامة من مئة ألف ليرة إلى مليون ليرة لبنانية. يستفاد من هذا النص أن للإحتيال عقوبتين أصليتين، وهاتان العقوبتان وجوبيتان فلا يمكن الحكم بإحداها دون الأخرى.
أمّا المادة 656 من نفس القانون، فقد شددت العقوبة اذا ارتكبت جريمة الاحتيال وفقاً للحالات التالية:
1- بحجة تأمين وظيفة أو عمل في إدارة عامة .
2- بفعل شخص يلتمس من العامة مالاً لإصدار أسهم أو سندات أو غيرها من الوثائق لشركة أو مشروع ما.
3- بفعل أي مفوض بالتوقيع عن شركة أو جمعية أو مؤسسة أو أي شخص معنوي آخر.
وتفترض الحالة الأخيرة أن يكون الشخص مفوضاً بالتوقيع عن الشركة أو الجمعية أو المؤسسة أو أي شخص معنوي آخر وأن يلجأ الى إيقاع الضحية عن طريق مناوراته الاحتيالية .
من يُعفى من العقوبة؟
يُعفى من العقوبة من أقدم على ارتكاب جرم الإحتيال بهدف إلحاق الضرر بالأصول أوالفروع، أو الأم، أو الأب، أو الإبن المتبنى، أو الزوج غير المفترق عن زوجته (المادة 674 من قانون العقوبات)، والهدف من ذلك هو ترك المجال لتسوية العلاقات ضمن العائلة الواحدة. (حالات الإعفاء محددة على سبيل الحصر بهدف الإحاطة بها منعاً من الإلتفاف حول القانون). كما نشير الى أنه في حال عاود المجرم جرمه خلال خمس سنوات قضي عليه بناءً على شكوى المتضرر بالعقوبة المنصوص عليها قانوناً مخفضاً الى الثلث.
بناءً على ما تقدم، ان قراءة قانونية متأنية في النصوص القانونية التي تناولت جرم الاحتيال تُبيّن لنا أن النصوص الحالية تبقى قاصرةً عن الإحاطة بالإنتشار الواسع لهذا النوع من الجرائم خاصةً في العلاقات الفردية واليومية، حيث تنوعت الأساليب الاحتيالية المعلن عنها و غير المعلن بشكل غير مسبوق. فالركائز التقليدية الجامدة لم تعد تصمد بوجه الاساليب المرنة المعتمدة في المناورات الاحتيالية، وخصوصاً الأساليب الرقمية الحديثة التي يلجأ اليها مرتكبو الاحتيال، بما يثير تساؤلات جدية حول فعالية القواعد الجزائية التقليدية في تحقيق الردع والعدالة. بالإضافة الى أن الممارسات العملية تظهر الكثير من التحديات لجهة الخلط بين الأعمال الاحتيالية والمخالفات المدنية وإثبات الركن المعنوي لدى الفاعل وتحديد المسؤولية لدى الأطراف.
ولا يمكننا أن نغفل عن أن شخصية الضحايا لعبت دوراً لا يُستهان به في انتشار هذه الظاهرة ، فالثقة المفرطة وغياب الخبرة القانونية أو الإقتصادية والطمع بالثراء السريع الأعمى والحصول على المنافع بطريقة عشوائية، كلها مجتمعةً شكلت البيئة الحاضنة لهذا النوع من الجرائم.
ومن هذا المنطلق يبدو أن المعالجة الصحيحة تتطلب إصلاحاً مزدوجاً : قانونياً من خلال تحديث النصوص القانونية وتعزيز آليات الردع القضائي، واجتماعياً عبر التوعية الإجتماعية وتعزيز الثقافة القانونية والمالية للأفراد بما يضمن حماية الثقة العامة والخاصة. ولذلك نرى أننا بحاجة الى نهج شامل يجمع بين التشريع الصارم والرقابة الفاعلة والتوعية الإجتماعية والأخلاقية، مع الإستفادة من التكنولوجيا الحديثة في الكشف المبكر عن هذه التجاوزات ومنعها مع توفير بدائل اقتصادية واجتماعية تقلل من الإنخراط فيها بما يضمن بكل حال الإلتزام بالقانون والقيم الإجتماعية على حد سواء.
“محكمة” – الثلاثاء في 2025/12/23



