جلال علامة.. إرتحل بأحسن زاد/فؤاد مطر
المحامي فؤاد مطر:
مع نبأ وفاة الاستاذ جلال علامة، استحضرت عائلتي حقبة تاريخية طويلة منذ أواخر العهد العثماني عندما تولّى الجد مصطفى علامة منصب قاض ولحقه ولداه راغب إلى سلك القضاء وعيّن زكريا والد المرحوم جلال كاتبًا بالعدل في بيروت .
شاءت الأقدار أن انتقلت عائلتنا قسرًا من منطقة الحرج-حي العرب مقابل مدرسة بيت الاطفال بالبربير، لتستقرّ فترة زمنية في منطقة الطيونة موطن آل علامة، هربًا من الخدمة الاجبارية مع العسكر التركي وقتذاك لأنّها أقرب منطقة لهم تقع ضمن نطاق جبل لبنان، وتمّت المصاهرة بالزواج من شقيقتهم فاطمة عمة المرحوم جلال.
أصيبت جدتي أثناء الحرب العالمية الثانية في منطقة الطيونة ولم تبخل عائلة علامة بمواساتها.
كما عادت ولجأت عائلتي من منطقة الخضر في بيروت إلى أملاكها في منطقة الطيونة اثناء انتفاضة ١٩٥٨ وامتزجت بعلاقتها مع الاستاذ جلال واشقائه الدكتور فخري وشوكت وناجي وخيرية علامة، وكلّ منهم سجّل علامة فارقة غرست في ساحل المتن الجنوبي.
ترأس المرحوم جلال نادي التضامن بيروت وانضم إلى نادي شباب الساحل كانت دائرته تزدحم بالناس حيث يقصدونه من كل المناطق طلبًا لمعاملة قانونية، وأسّس شقيقه الدكتور فخري مستشفى الساحل وساهمت شقيقته خيرية في تأسيس نقابة للممرضين والممرضات وأسّست أوّل مدرسة للتمريض ومركز مختبرات في ساحل المتن الجنوبي ودار نقاهة للعجزة.
إرتبطت هذه العائلة بعلاقات مميزة مع شخصيات دينية ووطنية وسياسية كالإمام موسى الصدر وصائب سلام وبمؤسّسات وجمعيات لها حيثية قوية في المجتمع وفي طليعتها جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية وهيئة الاسعاف الشعبي. ولا ينسى العروبيون عندما تحوّل منزلهم الى قاعة لاستقبال المعزّين بوفاة جمال عبد الناصر .
لقد تحلى جلال علامة بآداب رفيعة، وسعة أفق، ونبل أخلاق، وشعور وطني ينبذ الطائفية ويبغض المذهبية ويساهم في تخفيف الآلام وبلسمة الجراح عن كاهل المقهورين.
هنالك محطات لا تحصى سجّلت في وجدان اللبنانيين عن أرقى التضامن الوطني في كلّ الازمات.
لا يعوّض غياب الأستاذ جلال علامة، سوى ما ورثه أبناؤه الصديق يوسف الكاتب بالعدل، والدكتور مازن، والزميل الأستاذ نبيل، من صفاته الحميدة، فهم فرعٌ من شجرة أصيلة .
لقد ارتحل الاستاذ جلال علامة بأحسن زاد، كما أوصى الإمام علي بن أبي طالب “ارتحلوا عنها بأحسن ما بحضرتكم من زاد”.
رحمه الله وطيّب ثراه.
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/1/20



