علم وخبر

إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان: هل حافظ مشروع قانون 2026 على مبدأ التناسب في السلم العقابي؟/يوسف الصليبي

المحامي المتدرج يوسف نجيب الصليبي:
شهد لبنان في تموز 2026 تطوراً تشريعياً بارزاً مع إقرار اللجان النيابية المشتركة مشروع قانون يقضي بإلغاء عقوبة الإعدام أينما ورد النص عليها في القوانين اللبنانية، واستبدالها بعقوبة جديدة أطلق عليها اسم الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة، بانتظار إقراره من الهيئة العامة لمجلس النواب. وقد اعتُبر هذا المشروع، من قبل عدد من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، خطوة تاريخية من شأنها أن تضع لبنان في مصاف الدول التي ألغت عقوبة الإعدام تشريعياً بعد أن كان قد توقف عملياً عن تنفيذها منذ عام 2004.
ولا شك في أن النقاش حول عقوبة الإعدام يلامس إحدى أكثر المسائل حساسية في القانون الجزائي، لما ينطوي عليه من تداخل بين الاعتبارات القانونية والإنسانية والاجتماعية. فمن جهة، يذهب الاتجاه المؤيد للإلغاء إلى أن الحق في الحياة هو أساس منظومة حقوق الإنسان، وأن الدولة لا يجوز أن تتخذ من إنهاء حياة الإنسان وسيلة لتحقيق العدالة. ومن جهة أخرى، يرى الاتجاه المعارض أن بعض الجرائم تبلغ من الجسامة والخطورة حداً يجعل الإعدام التعبير الأصدق عن عدالة الجزاء وتحقيق الردع العام والخاص. فاذا كان الحق في الحياة قيمة دستورية وانسانية لا يجوز المساس بها،فان حق الضحية والمجتمع في عدالة رادعة لا يقل قدسية.
إلا أن اختزال النقاش في ثنائية «الإلغاء أو الإبقاء» يحجب إشكالية قانونية أكثر عمقاً، وهي أثر هذا التعديل على السلم العقابي المواد 37 وما يليها الذي يقوم عليه قانون العقوبات اللبناني. فالعقوبة ليست مجرد وسيلة للردع، وإنما هي ترجمة تشريعية لمبدأ جوهري هو التناسب بين الجريمة والعقوبة، بحيث يعكس الجزاء مقدار الخطورة الإجرامية للفعل المرتكب، وتبقى العقوبات متدرجة تبعاً لتدرج الجرائم.
ويتجلى هذا التدرج بوضوح في قانون العقوبات اللبناني، ولا سيما في جرائم القتل. فقد ميز المشرع بين حالات القتل الموجبة للمؤبد المنصوص عليه في المادة 548، وبين حالات القتل الموجبة للاعدام والمنصوص عليه في المادة 549. ولم يكن هذا التمييز مجرد تصنيف فقهي، بل انعكس مباشرة على الجزاء، إذ وضع المشرع عقوبة أشد للقتل الذي يكشف عن درجة أعلى من الخطورة الإجرامية، كحالات سبق الإصرار او غيرها من الظروف التي عددها القانون.
ومن هنا تبرز الإشكالية الأساسية التي يثيرها مشروع القانون الجديد.
فإذا كانت المادة 549 ستستبدل عقوبة الإعدام فيها بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة، فما الذي سيبقى من الفارق العملي بين هذه الجريمة وبين الجرائم التي تعاقب بعقوبات مؤبدة أصلاً ؟ وهل يكفي تغيير اسم العقوبة أو تشديد ظروف تنفيذها للمحافظة على الفلسفة التي قام عليها المشرع عندما جعل من الإعدام قمة السلم العقابي؟
إن مبدأ التناسب لا يتحقق بمجرد تشديد العقوبة أو تخفيفها، وإنما يقتضي أن يبقى هناك انسجام داخلي بين جميع درجات العقوبات. فإذا أزيلت العقوبة الأعلى دون إعادة النظر في بقية درجات السلم العقابي، فقد يصبح التمييز بين بعض الجرائم تمييزاً نظرياً أكثر منه عملياً، وهو ما ينعكس على وظيفة العقوبة ذاتها.
وتبرز هذه المسألة بصورة أوضح عند المقارنة بين المادتين 548 و549. فالقتل الموجب للأشغال الشاقة المؤبدة، رغم خطورته، لا يساوي في نظر المشرع القتل الموجب للإعدام. ولذلك لم يمنحهما المشرع الجزاء ذاته. فإذا أصبح الجزاء النهائي متقارباً في الحالتين، يثور التساؤل حول مدى بقاء هذا التدرج الذي حرص عليه قانون العقوبات.
ومن خلال متابعتي للندوات القانونية والحقوقية التي ناقشت مشروع إلغاء عقوبة الإعدام، لاحظت أن معظم النقاشات انصبّت على مدى توافق الإلغاء مع الحق في الحياة، وعلى انسجامه مع التوجهات الدولية، إلا أن سؤالاً أساسياً بقي، في حدود ما طُرح، من دون إجابة واضحة: ما هو البديل الذي يحافظ على مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة؟
فلم يقدم مشروع القانون، ولا معظم الطروحات المؤيدة له، تصوراً متكاملاً لإعادة بناء السلم العقابي بعد إزالة عقوبة الإعدام من قمته، ولم يبين الكيفية التي سيظل فيها القانون مميزاً بين الجرائم التي تختلف في جسامتها وخطورتها. وإذا كان استحداث عقوبة “الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة” يرمي إلى سد هذه الفجوة، فإن التساؤل يبقى قائماً حول ما إذا كانت هذه العقوبة تتمتع، من الناحية القانونية والعملية، بخصائص تجعلها تؤدي الوظيفة التي كانت تؤديها عقوبة الإعدام، أم أنها مجرد تعديل في التسمية دون إعادة تنظيم حقيقية لمنظومة العقوبات.
وهنا لا بد من التوقف عند ملاحظة جديرة بالاهتمام، إذ إن بعض التحليلات القانونية أشارت إلى أن استحداث عقوبة “الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة” قد لا يترتب عليه أثر عملي كبير، في ظل عدم تطبيق نظام الأشغال الشاقة بصورته التقليدية في لبنان. وإذا صحّ ذلك، فإن الإشكالية تصبح أكثر تعقيداً، لأنّ التعديل يكون قد مسّ قمة السلم العقابي من دون أن يخلق تمايزاً تنفيذياً واضحاً بين العقوبات.
ولا يرمي هذا المقال إلى الدفاع عن عقوبة الإعدام أو الدعوة إلى إلغائها، فهذه مسألة ترتبط باختيارات تشريعية وفلسفية وسياسية تختلف من مجتمع إلى آخر. إنما يهدف إلى طرح سؤال قانوني بحت يتعلق بمدى انسجام مشروع القانون مع المبادئ التي يقوم عليها قانون العقوبات اللبناني، وفي مقدمتها مبدأ التناسب والتدرج في العقوبات.
فإذا كان من المشروع أن تتطور السياسة الجنائية وأن تعيد النظر في أشد العقوبات، فإن من المشروع أيضاً التساؤل: هل يكفي استبدال الإعدام بعقوبة تحمل اسماً مختلفاً، أم أنّ احترام فلسفة التجريم والعقاب يقتضي إعادة صياغة السلم العقابي بأكمله، بحيث يبقى لكل جريمة الجزاء الذي يعبّر عن خطورتها؟
لعل مستقبل مشروع القانون سيجيب عن الشقّ الأول من هذا السؤال، أمّا الشقّ الثاني، وهو الأهمّ، فسيبقى مطروحاً أمام الفقه والقضاء والمشرع: كيف يمكن إلغاء عقوبة الإعدام من دون إلغاء التدرج العقابي الذي بني عليه قانون العقوبات اللبناني؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدّد ما إذا كان المشروع يشكل مجرّد تعديل تشريعي، أم يمثل تحولاً متكاملاً في فلسفة العدالة الجنائية في لبنان.
“محكمة” – الأحد في 2026/7/19

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!