مصير التمديد القانوني للإيجارات السكنية في ظلّ عدم تحديد بدل المثل.. تسع سنوات لا اثنتا عشرة/شربل شرفان
المحامي شربل شرفان:
المقدمة وطرح الإشكالية:
لم تعرف العلاقات التأجيرية في لبنان استقراراً تشريعياً منذ أربعينيات القرن الماضي، إذ تعاقبت القوانين الاستثنائية الممدِّدة للعقود والمجمِّدة للبدلات حتى غدا الاستثناء أصلاً والأصل استثناءً. وجاء قانون الإيجارات للأماكن السكنية رقم 2017/2 – الذي أعاد المشرّع فيه نشر أحكام القانون الصادر في 2014/5/9 بعد أن أبطل المجلس الدستوري بقراره الشهير رقم 2014/6 تاريخ 2014/8/6 المادتين /7/ و/13/ والفقرة “ب-4” من المادة /18/ المتعلقة باللجان والتي أعادت السلطة التشريعية صياغتها – ليضع حدّاً نهائياً لهذه الحقبة عبر تحرير تدريجي للعلاقة التأجيرية: تمديدٌ محدّد المدة، وزياداتٌ متدرّجة توصل البدل إلى بدل المثل، وصندوقُ دعمٍ يساعد المستأجرين ذوي الدخل المحدود على تحمّل هذه الزيادات.
غير أنّ التطبيق العملي لهذا القانون أفرز إشكالية دقيقة باتت اليوم، مع انقضاء السنوات التسع الأولى بتاريخ 2026/2/27 ، في صدارة النزاعات التي سوف تطرح أمام المحاكم اللبنانية، وهي الآتية: إذا لم يعمد المؤجر إلى تطبيق أحكام المادة /18/ من القانون الجديد، فلم يبادر إلى تعيين الخبيرين ولم يبلّغ المستأجر تخمين بدل المثل، ولم يتحدَّد هذا البدل رضاءً ولا قضاءً، ولم يطالب المستأجرَ بالزيادات القانونية المتوجبة، فهل تُعتبر الإجارة ممدَّدة تسع سنوات أم اثنتي عشرة سنة؟
والجواب عن هذا السؤال ليس ترفاً نظرياً، بل يترتب عليه مصير عدد غير قليل من العقود: فإن قيل بالتسع سنوات كانت العقود منقضية ووجب تحرير العلاقة التأجيرية والتعاقد مجدداً بموجب عقد خاضع للحرية التعاقدية أو إخلاء المأجور، وإن قيل بالاثنتي عشرة سنة بقي المستأجرون في المأجور حتى 27 شباط 2029، أي ثلاث سنوات إضافية كاملة تُقتطع من حقّ المالك دون سند واضح.
وبيت القصيد في هذه الدراسة، التي سنقيم عليها البرهان نصاً وفقهاً واجتهاداً، هي أنّ التمديد في هذه الحالة لا يكون إلا تسع سنوات، ذلك أنّ التمديد لاثنتي عشرة سنة مقصور نصاً على المستأجر المستفيد من تقديمات الصندوق، وأنّ صفة المستفيد هذه يستحيل قيامها قانوناً وواقعاً حيث لا يكون بدل المثل قد حُدِّد ولا الزيادات القانونية قد طولب بها؛ إذ إنّ وظيفة الصندوق الوحيدة، بصريح المادة /3/ من القانون الجديد، هي المساهمة في دفع الزيادات الطارئة على البدلات، فحيث لا زيادة مطالَب بها لا محلّ للمساهمة، وحيث لا محلّ للمساهمة لا استفادة، وحيث لا استفادة لا صفة، وحيث لا صفة لا تمديد استثنائياً لاثنتي عشرة سنة.
وسنعالج هذه الإشكالية في خمسة مباحث: نعرض في الأول للبنية التشريعية للتمديد المزدوج، وفي الثاني لآلية تحديد بدل المثل بوصفها مفتاح النظام برمّته، وفي الثالث لصفة المستفيد من الصندوق بوصفها شرطاً موضوعياً واقعياً لا افتراضياً، وفي الرابع للبرهان على الدراسة ومناقشة الاجتهاد والرأي المخالف وتفنيده، وفي الخامس لأسانيد الدراسة في الفقه المقارن والقانون الأوروبي، لننتهي إلى خاتمة جامعة للنتائج.
المبحث الأول: البنية التشريعية للتمديد المزدوج في القانون رقم 2017/2
المطلب الأول: الأصل تسع سنوات والاستثناء اثنتا عشرة
أخضع القانون رقم 2017/2 لأحكامه جميع عقود إيجار العقارات المبنية للسكن المعقودة قبل 1992/7/23 ، ونصّت المادة /15/ منه على تمديد هذه العقود مدة تسع سنوات تسري من تاريخ نفاذه، على أن تُضاف إلى البدل زيادات تدريجية تُحتسب من الفرق بين بدل المثل والبدل المعمول به: خمس عشرة في المئة سنوياً خلال السنوات الأربع الأولى، ثم عشرون في المئة في السنتين الخامسة والسادسة، ليبلغ البدل بدل المثل كاملاً مع مطلع السنة السابعة. أمّا المستأجر المستفيد من تقديمات الصندوق فيستمر عقده حتى نهاية السنة الثانية عشرة، وفق آلية خاصة تتكفل الدولة خلالها، عبر الصندوق، بجزء من البدل بحسب شرائح الدخل.
ويتحصّل من هذا النص أنّ المشرع أقام نظاماً مزدوجاً قوامه قاعدة واستثناء: فالقاعدة العامة الشاملة هي التمديد تسع سنوات لجميع المستأجرين الخاضعين للقانون دون قيد أو شرط؛ والاستثناء الضيّق هو إطالة هذا التمديد ثلاث سنوات إضافية لفئة واحدة محدّدة حصراً هي فئة “المستأجرين المستفيدين من تقديمات الصندوق”. وهذه الصياغة التمييزية ليست عفواً تشريعياً، بل هي جوهر الفلسفة التي قام عليها القانون: فالتحرير هو الغاية، والتمديد لغاية تسع سنوات هو المهلة الانتقالية الممنوحة للجميع، والسنوات الثلاث الإضافية هي رعاية اجتماعية استهدفت حصراً من يثبت عجزه المالي وتتولى الدولة – لا المالك – كلفة حمايته.
ويعضد هذا الفهم ما ورد في الأسباب الموجبة من أنّ القانون إنما وُضع لإنهاء حقبة التمديدات المفتوحة وإعادة التوازن التعاقدي المفقود بين المالك والمستأجر، فكلّ تفسير يؤول إلى تعميم التمديد الأطول على جميع المستأجرين يناقض علّة التشريع ذاتها ويعيد إنتاج المظلومية التشريعية التي جاء القانون لرفعها.
المطلب الثاني: المادة /3/ والصندوق: الغاية والوظيفة
أنشأت المادة /3/ من القانون “حساباً خاصاً” لدى الدولة سُمّي “صندوق مساعدة المستأجرين”، وحدّدت غايته تحديداً جامعاً مانعاً بأنه يهدف إلى مساعدة المستأجرين الذين لا يتجاوز معدّل دخلهم الشهري خمسة أضعاف الحدّ الأدنى الرسمي للأجور، وذلك عن طريق المساهمة في دفع الزيادات، كلياً أو جزئياً بحسب الحالة، التي تطرأ على بدلات إيجاراتهم تنفيذاً لأحكام هذا القانون.
وتستوقفنا في هذا النص ثلاث دلالات حاسمة في موضوع دراستنا. الدلالة الأولى أنّ وظيفة الصندوق ليست إعالة عامة ولا ضماناً سكنياً مطلقاً، بل هي وظيفة واحدة محدّدة بموضوع واحد: المساهمة في دفع “الزيادات” الطارئة على البدلات تنفيذاً للقانون. فالزيادة هي موضوع التقدمة ومحلّها الحصري، ولا وجود لتقدمة خارج هذا المحل. والدلالة الثانية أنّ هذه الزيادات ليست كائناً قانونياً مجرّداً يقوم بذاته، بل هي نتيجة حسابية لعملية سابقة عليها لزوماً هي تحديد بدل المثل، إذ لا تُحتسب الزيادة إلا من الفرق بين بدل المثل والبدل المعمول به؛ فبدل المثل هو المعطى الأول في المعادلة، وبانتفائه تفقد المعادلة أحد حدّيها وتستحيل الزيادة رقماً مجهولاً غير قابل للأداء ولا للمساهمة فيه. والدلالة الثالثة أنّ عبارة “تنفيذاً لأحكام هذا القانون” تربط الزيادة موضوع المساهمة بالآلية القانونية لإنشائها، أي بمسلك المادة /18/ أي إما بالاتفاق الرضائي أو التحديد القضائي، فلا يقوم مقامها افتراضٌ ذهني بزيادة لم تنشأ.
وقد أسند القانون تفعيل هذه المنظومة إلى جهاز مؤسسي متكامل: لجنة ذات طابع قضائي في كل محافظة برئاسة قاضٍ تتولى الفصل في الزيادات وبدل المثل وطلبات الاستفادة، وآلية طلبٍ يتقدم بها المستأجر ضمن مهلة إسقاط قوامها شهران تبدأ من تاريخ تحديد بدل المثل رضاءً أو قضاءً. فالبنيان التشريعي كله مشدود إلى واقعة مركزية واحدة هي تحديد بدل المثل: منها تنطلق الزيادات، وعليها تُبنى طلبات الاستفادة، وبها تُحتسب مساهمات الصندوق، وحولها يدور التمييز بين فئتي التسع سنوات والاثنتي عشرة سنة.
المبحث الثاني: آلية تحديد بدل المثل: مفتاح النظام برمّته ومبادرة معقودة للمؤجر
المطلب الأول: مضمون المادة /18/ والمعايير الفنية في المادة /19/
رسمت المادة /18/ من القانون الطريق الحصري لتحديد بدل المثل، فإما يكون تراضياً، أو عند عدم الاتفاق: يتولى خبيران وضع تخمين بدل المثل للمأجور وفق الأصول والمعايير المنصوص عليها في المادة /19/، ويجري تبليغ المستأجر هذا التخمين، وله الاعتراض عليه ضمن المهلة القانونية أمام المرجع المختص، فإذا انقضت المهلة دون اعتراض أصبح البدل المخمَّن ملزماً، وإذا وقع الاعتراض تولّى المرجع المختص حسم النزاع وتثبيت البدل. وقد كانت الفقرة “ب-4” من هذه المادة في صيغة قانون 2014 من النصوص التي طالها الإبطال الدستوري لاتصالها باللجنة، قبل أن يعيد قانون 2017 صياغة المنظومة بأكملها.
ويتبيّن من هذا النص أنّ تحديد بدل المثل ليس أثراً قانونياً يترتب حكماً بقوة القانون بمجرد نفاذه، بل هو عملية إجرائية مركّبة ذات مراحل متعاقبة: مبادرة، فتخمين، فتبليغ، فمهلة اعتراض، فتثبيت رضائي بالسكوت أو قضائي بالحكم. وهي عملية لا تنطلق من تلقاء ذاتها، بل تفترض فاعلاً يحرّكها، وهذا الفاعل هو المؤجر دون سواه، لأنه صاحب المصلحة في رفع البدل إلى بدل المثل، ولأنّ المستأجر لا يُتصوَّر عقلاً أن يبادر إلى المطالبة بزيادة بدل إيجاره على نفسه. فالمشرع إذ أناط انطلاق الآلية بتعيين الخبيرين وتبليغ التخمين، إنما جعل من مبادرة المؤجر شرطاً واقعياً لازماً لانعقاد بدل المثل، شأنه في ذلك شأن كل حقّ إجرائي معقود لصاحب المصلحة فيه.
وبدل المثل بمفهومه الفني هو القيمة التأجيرية الحقيقية للمأجور بالمقارنة مع أمثاله، وهو مفهوم مغاير للبدل العادل الذي كانت تعرفه القوانين الاستثنائية السابقة والذي يُحدَّد تبعاً لكلفة البناء والأرض؛ وقد استقر قضاء محكمة استئناف بيروت منذ ما قبل القانون الجديد على هذا التمييز الجوهري، معتبراً أنه لا يمكن الاعتماد على قواعد تقدير البدل العادل لتعيين بدل المثل، لأنّ هذا الأخير هو القيمة التأجيرية للعقار قياساً على البدلات المشابهة مع مراعاة مميزات كل مأجور. وقد ترجمت المادة /20/ هذا المفهوم بمعيار رقمي قوامه نسبة أربعة في المئة من القيمة البيعية للمأجور في ما لو كان خالياً.
المطلب الثاني: لا زيادات قانونية بلا بدل مثل، ولا مطالبة بلا مبادرة
إذا كان بدل المثل هو الحدّ الأعلى الذي تتدرج نحوه الزيادات، فإنّ النتيجة المنطقية الأولى هي أنّ الزيادات المنصوص عليها في المادة /15/ تبقى، ما لم يتحدَّد بدل المثل، مستحيلة الاحتساب والأداء معاً: فالنسب المئوية المقررة (15% ثم 20%) لا تنصبّ على البدل القديم ذاته بل على الفرق بين بدل المثل والبدل المعمول به، وهذا الفرق مجهول ما دام أحد طرفيه مجهولاً. ومن المبادئ الأولية في نظرية الموجب أنّ الموجب غير المحدَّد المحل ولا القابل للتحديد لا يكون مستحق الأداء، وأنّ الدين غير السائل لا تصح المطالبة به ولا يترتب على التخلف عنه أثر.
أما النتيجة المنطقية الثانية فهي أنّ المؤجر الذي أحجم عن سلوك طريق المادة /18/ وأمسك عن مطالبة المستأجر بأي زيادة إنما عطّل بإرادته – أو بإهماله – انطلاق منظومة الزيادات برمّتها. وهذا الإحجام قد يكون له ما يبرره واقعياً في الحقبة الممتدة بين 2019 و2023 حيث انهارت العملة الوطنية وفقدت البدلات كل قيمة اقتصادية وغابت اللجان عن التفعيل والعمل بالرغم من إنشائها أصولاً؛ غير أنّ توصيف أسبابه لا يغيّر من أثره القانوني شيئاً: فالزيادات التي لم يطالَب بها لم تدخل ذمة المستأجر ديناً مستحقاً، ولم تنشأ بالتالي الواقعة التي علّق عليها القانون كل ما يليها من آثار، وفي طليعتها إمكان الاستفادة من تقديمات الصندوق.
وغنيّ عن البيان أنّ هذا التسلسل لا يُقلب على المؤجر ضرراً مضاعفاً: فإحجامه عن المطالبة بالزيادات هو تنازل عن حقّ مالي له، يتحمّل هو وحده كلفته لجهة البدلات الفائتة، لكنه لا يصلح بأي وجه سنداً لتحميله كلفة إضافية ثانية هي إطالة التمديد ثلاث سنوات لمصلحة مستأجر لم يدفع زيادة ولم يستفد من صندوق. فالجزاء – إن صحّ التعبير – يقع على الحقّ المُهمَل ذاته لا يتعداه إلى إنشاء حقوق مقابلة للطرف الآخر لم ينص عليها القانون.
المبحث الثالث: صفة “المستفيد من تقديمات الصندوق”: شرط موضوعي واقعي لا افتراضي
المطلب الأول: الاستفادة واقعة مادية قانونية لا مركز افتراضي
عبّر المشرع في المادة /15/ بصيغة اسم الفاعل: “المستأجر المستفيد من تقديمات الصندوق”، ولم يقل “المستأجر الذي يحق له الاستفادة” ولا “المستأجر المشمول بأحكام الصندوق” ولا “المستأجر الذي لا يتجاوز دخله خمسة أضعاف الحد الأدنى”. وفرقٌ شاسع بين الصيغ: فاسم الفاعل يدل على قيام الوصف بصاحبه فعلاً وحالاً، أي على تحقق واقعة الاستفادة تحققاً مادياً، لا على مجرد الأهلية المجردة لها أو القابلية النظرية لاكتسابها. ولو أراد المشرع تعميم التمديد الأطول على كل ذي دخل محدود لقالها بعبارة الشمول لا بعبارة الاستفادة، ولَما كان ثمة معنى لاشتراط الآليّة المنصوص عنها في المادتين /8/ و/11/ والتي تبدأ بتقديم الطلب والمهلة والقرار.
ويترتب على ذلك أنّ صفة المستفيد مركّبة من عناصر أربعة متعاقبة وهي لا تقوم بتخلّف أيٍّ منها: (العنصر الأول) تحديد بدل المثل رضاءً أو قضاءً، لأنه مفتتح المهلة ومنشئ الزيادة معاً؛ (والعنصر الثاني) طلبٌ يتقدم به المستأجر خلال شهرين من هذا التحديد مرفقاً بمستندات دخله؛ (والعنصر الثالث) قرارٌ من المرجع المختص يقبل الطلب ويقرّ الاستفادة ويحدّد مقدارها؛ (والعنصر الرابع) تقدمةٌ فعلية يؤديها الصندوق مساهمةً في الزيادات. فهي سلسلة تبدأ ببدل المثل وتنتهي بالدفع، وكل حلقة فيها شرط لما بعدها، والحلقة الأولى – تحديد بدل المثل – هي حجر الزاوية الذي ينهار البنيان كله بانهياره.
وقد التقط الاجتهاد الحديث هذا المعنى بدقة لافتة، إذ جاء في حكم للقاضي المنفرد المدني في زحلة الناظر بدعاوى الإيجارات القاضية نورما شومان بتاريخ 2026/3/10 أنّ المادة /15/ جعلت الأصل هو التمديد تسع سنوات ولم تمدّد إلى اثنتي عشرة سنة إلا لفئة محددة هي المستفيدون من تقديمات الصندوق، وأنّ السنوات الثلاث الإضافية تشكل استثناءً على القاعدة العامة لا يُمنح إلا بتوافر شروطه بصورة أكيدة، وأنّ لفظ “المستفيدين” يفترض تحقق واقعة الاستفادة واقعياً وفعلياً وفق الآلية التي حددها القانون، فلا ينسحب على من اقتصر دوره على تقديم طلب لم يُبتّ به أو لم يقترن بقرار من اللجنة المختصة وصرفٍ فعلي للمساهمة.
المطلب الثاني: المهلة المسقطة في المادة /8/ والتلازم العضوي بين الاستفادة وبدل المثل
نصّت المادة /8/ في بندها الأول على أن يقدَّم طلب الاستفادة خلال مهلة شهرين من تاريخ تحديد بدل المثل رضاءً أو قضاءً. وهذا النص هو الدليل التشريعي القاطع على التلازم العضوي بين الصفة وبدل المثل: فالمشرع لم يجعل لطلب الاستفادة مهلة تجري من نفاذ القانون ولا من تاريخ العقد ولا من أي واقعة مجردة، بل عقد بدايتها حصراً على واقعة تحديد بدل المثل. ومؤدى ذلك أنّ باب الاستفادة لا يُفتح أصلاً قبل هذا التحديد؛ فالطلب المقدَّم قبله سابق لأوانه فاقد المحل، والطلب غير المقدَّم بعده ساقط بانقضاء المهلة. وحيث لا تحديد البتة، يبقى الباب موصداً بإطلاق: لا مهلة انفتحت، ولا طلب صحّ، ولا قرار تصوَّر، ولا استفادة قامت.
وهذا التلازم أقرّ به حتى من ذهب مذهباً مغايراً في بعض جزئيات المسألة؛ فالنقيب السابق للمحامين في بيروت الأستاذ ناضر كسبار، في معرض بحثه موجبات المستأجر عند عدم تحديد بدل المثل المنشور في مجلة “محكمة” بتاريخ 2026/7/14، انطلق من ذات المسلَّمة النصية وهي أنّ المادة الثامنة واضحة في اشتراط تقديم الطلب خلال شهرين من تاريخ تحديد بدل المثل رضاءً أو قضاءً، ليخلص إلى أنّ موجب المستأجر بتقديم طلب الاستفادة لا يتوجب أصلاً إذا لم يقم المؤجر بخطوة تعيين الخبيرين ولم يتحدَّد البدل. ونحن نوافق على المقدمة النصية ونفترق عند النتيجة الواجب استخلاصها منها: فسقوط الموجب الإجرائي عن المستأجر – على فرض التسليم به – شيءٌ، واكتسابه صفة المستفيد شيءٌ آخر مختلف تماماً؛ إذ انتفاء الموجب يعني في أقصى مداه أنّ المستأجر لا يُلام على عدم التقدم بطلب مستحيل، أي أنه معذور، والعذر ينفي الخطأ ولا ينشئ الحق. فالمستأجر المعذور عن عدم الطلب يبقى غير مستفيد، شأنه شأن غير المعذور سواء بسواء، لأنّ الصفة لا تُكتسب بالأعذار بل بتحقق عناصرها، والتمديد الاستثنائي معلّق على الصفة لا على العذر.
المطلب الثالث: قاعدة التفسير الحصري للاستثناء وعبء الإثبات
من القواعد الراسخة في أصول التفسير أنّ الاستثناء لا يُتوسَّع فيه ولا يُقاس عليه، وأنّ النص الاستثنائي يُحصَر في نطاقه ويُصرَف إلى موضعه ولا يُمدّ إلى غير من ورد فيه. وقوانين الإيجارات الاستثنائية هي بذاتها استثناء على مبدأ سلطان الإرادة والقوة الملزمة للعقد، والتمديد القانوني فيها استثناء على انقضاء العقد بانقضاء مدته، والتمديد لاثنتي عشرة سنة استثناء داخل هذا الاستثناء، إذ يزيد على القاعدة التمديدية العامة ثلاث سنوات لفئة محددة. فهو استثناء من الدرجة الثانية، يقتضي فيه التشدد التفسيري أضعاف ما يقتضيه في الاستثناء البسيط، ولا يُمنح إلا لمن قام الدليل القاطع على انطباق أوصافه النصية عليه حرفاً حرفاً.
ويتفرع عن ذلك، على صعيد الإثبات، أنّ المستأجر الذي يدفع دعوى الإخلاء بالتمسك بالتمديد حتى السنة الثانية عشرة إنما يتمسك بواقعة منشئة لحقّ استثنائي، فعليه وحده يقع عبء إثبات صفته مستفيداً من تقديمات الصندوق إثباتاً فعلياً: قرارَ استفادةٍ وقبضَ تقدمة، لا مجردَ دخلٍ محدود أو نيّةٍ حسنة أو ظرفٍ قاهر، عملاً بقاعدة البيّنة على من ادّعى واستناداً لنص المادة /132/ من قانون أصول المحاكمات المدنية. وحيث إنّ الصندوق لم يُصرَف منه قرش واحد واللجان لم تبدأ عملها بالرغم من إنشائها وفقاً للأصول والطلبات لم تُبتّ – وهو واقع لا نزاع فيه – فإنّ هذا الإثبات مستحيل بطبيعته، واستحالة إثبات الصفة فرعٌ عن استحالة قيامها، لا عذرٌ يقوم مقامها.
ولا يَرِد على ذلك القول بأنّ زهد المشرع أو تقاعس الإدارة في تفعيل الصندوق واللجان يحوّل الشرط المستحيل إلى شرط لاغٍ فيُعفى منه الجميع؛ ذلك أنّ قواعد الشرط المستحيل موضعها الشروط الإرادية في التصرفات القانونية، لا الشروط التي يضعها المشرع لمنح مراكز قانونية استثنائية. فهذه الأخيرة عناصر تكوينية للمركز ذاته، إن استحال تحققها استحال قيام المركز، ولا يملك القاضي أن ينشئ بالاجتهاد مركزاً امتنع المشرع – أو امتنعت السلطة الإجرائية – عن توفير أسباب قيامه، وإلا كان مشرّعاً لا قاضياً، وهو ما يتناقض مع مبدأ فصل السلطات ويتعارض مع منطق النص الواضح الذي لا اجتهاد في معرضه.
المبحث الرابع: البرهان على قصر التمديد على تسع سنوات ومناقشة الاجتهاد والرأي المخالف
المطلب الأول: البرهان النصي المنطقي المتسلسل
يقوم البرهان على هذه الدراسة على سلسلة استدلالية محكمة الحلقات، كل حلقة فيها نصّ صريح، ومجموعها نتيجة لا فكاك منها. فالحلقة الأولى: التمديد لاثنتي عشرة سنة معلّق نصاً على صفة “المستفيد من تقديمات الصندوق” (المادتان /15/ و/16/). والحلقة الثانية: تقديمات الصندوق محصورة الموضوع بالمساهمة في دفع الزيادات الطارئة على البدلات تنفيذاً للقانون (المادة /3/). والحلقة الثالثة: الزيادات لا تنشأ ولا تُحتسب إلا من الفرق بين بدل المثل والبدل المعمول به، فلا زيادة حيث لا بدل مثل (المادة /15/). والحلقة الرابعة: بدل المثل لا يتحدد إلا رضاءً أو بسلوك آلية الخبيرين والتبليغ والتثبيت، وهي آلية معقودة المبادرة للمؤجر (المادتان /15/ و/19/). والحلقة الخامسة: طلب الاستفادة ذاته لا يُقبل إلا ضمن شهرين من تحديد بدل المثل (المادتان /8/ و/11/).
فإذا لم يطبّق المؤجر أحكام المادة /18/ ولم يتحدَّد بدل المثل ولم يطالِب بالزيادات القانونية، انهارت السلسلة من حلقتها الرابعة صعوداً: فلا بدل مثل، فلا زيادة قائمة ولا مطالَب بها، فلا محلّ لمساهمة الصندوق إذ المساهمة فرع الزيادة والفرع يسقط بسقوط أصله، فلا استفادة متصوَّرة عقلاً ولا ممكنة قانوناً، فلا صفة للمستأجر بوصفه مستفيداً، فلا انطباق للاستثناء التمديدي، فيبقى المستأجر محكوماً بالقاعدة العامة وحدها: التمديد تسع سنوات لا غير، تنقضي بانقضائها الإجارة حكماً.
وجوهر هذا البرهان أنّ الاستفادة من العدم مستحيلة: فالمستأجر الذي لم يُطالَب بأي زيادة لم يتحمّل العبء الذي أُنشئ الصندوق لإعانته على تحمّله، فأي شيء يكون الصندوق قد ساهم فيه؟ إنّ القول بإفادته من التمديد الأطول رغم ذلك هو منحه علة الحكم دون موجبها، ومنطق التشريع يأبى أن يُعطى المرء جزاء عبءٍ لم يحمله، وحمايةً من زيادةٍ لم تلحقه، ومساهمةً في دينٍ لم يشغل ذمته. بل إنّ في ذلك قلباً للمعادلة التشريعية رأساً على عقب: إذ يصبح المستأجر الذي لم يدفع فلساً واحداً زيادةً في وضع أفضل من مستأجرٍ حُدِّد بدل مثله ودفع الزيادات كاملة ثم رُدّ طلب استفادته لارتفاع دخله، فينال الأول اثنتي عشرة سنة والثاني تسعاً، وهي نتيجة عبثية تكفي وحدها لإسقاط التفسير المفضي إليها.
المطلب الثاني: الاجتهاد اللبناني المؤيد
تعزّز هذه الدراسة باتجاه اجتهادي حديث متنامٍ. فمحكمة استئناف بيروت حسمت أولاً مسألة نقطة الانطلاق الزمنية معتبرةً أنّ المهل التمديدية تُحتسب من تاريخ نفاذ القانون رقم 2017/2 في 2017/2/28 لا من قانون 2014، وهو ما استقر عليه القضاء وأكده إجماع القضاة المنفردين بعد دراسة مستفيضة، لتغدو السنوات التسع منقضية حكماً في 2026/2/27. ثم جاء القرار الاستئنافي الصادر عن الغرفة الناظرة في قضايا المتن برئاسة القاضية هيام خليل بتاريخ 2026/6/10 – وهو الأول من نوعه على المستوى الاستئنافي، وبعده جاء قرار محكمة الاستئناف في بعبدا برئاسة القاضي وسيم الحجار بتاريخ 2026/6/25 – ليفصل في مسألة انتهاء السنوات التسع التمديدية ذاتها ويرتّب موجباتها.
وعلى مستوى محاكم الدرجة الأولى، وفي حكم للقاضي المنفرد المدني في المتن الناظر بدعاوى الإيجارات القاضي الدكتور علاء بشير بتاريخ 2025/6/11 الذي اعتبر أنّه “ليس في قانون الإيجارات الجديد ما يُلزم المالك بتحديد بدل المثل رضاءً أو قضاءً طالما أنّه لا يرغب في ممارسة حقوقه بالمطالبة بالزيادات القانونية” وخلُص الحكم المذكور إلى أنّ “ربط مسألة تقديم المستأجر بطلب استفادة من تقديمات الصندوق، بضرورة تحديد بدل المثل قضاءً أو رضاءً ومطالبته بالزيادات من قِبل المالك، بُغية الإدلاء بالاستفادة وبالتالي جعل السنوات التمديدية اثنتي عشر، يُشكّل نوعاً من “معاقبة” المالك على تنازله عن الزيادات التي منحه القانون حق المطالبة بها، وبالتالي اعتبار السنوات التمديدية قد أصبحت اثنتي عشر فقط لأنّ المالك لم يقُم بتحديد بدل المثل لا رضاءً ولا قضاءً لعدم رغبته بالحصول على الزيادات القانونية، الأمر الّذي لا يستقيم لا منطقاً ولا قانوناً.” كما وأنّ القاضي المنفرد المدني في زحلة الناظر بقضايا الإيجارات القاضي نورما شومان وفي حكمها المذكور أعلاه، بتّت صراحةً في أنّ السنوات الثلاث الإضافية استثناء لا يُمنح إلا بتوافر شروطه بصورة أكيدة، وأنّ الاستفادة واقعة يجب تحققها فعلياً، وانتهت – بعد ثبوت انتفاء الصفة – إلى الحكم بالإخلاء رغم غياب اللجان؛ وهو الاتجاه الذي أثنى عليه النقيب السابق للمحامين في بيروت الأستاذ ناضر كسبار في تعليقه معتبراً إياه تطبيقاً سليماً للنص. وسار في الاتجاه ذاته القضاة المنفردين في بعبدا وبيروت والمتن الذي علّق التمديد الأطول على ثبوت الاستفادة الفعلية من التقديمات. فالخط الاجتهادي الناشئ، على تنوع صياغاته، مجمعٌ على قاعدتين: الانطلاق من 2017، وحصر الاثنتي عشرة سنة بالمستفيد الفعلي وفق أحكام المواد /8/ و/11/ و/16/.
المطلب الثالث: عرض الرأي المخالف القائل بالتمديد الحكمي لاثنتي عشرة سنة للجميع
في مقابل ذلك، ذهب رأي فقهي – عبّر عنه القاضي السابق والمحامي الأستاذ فرانسوا ضاهر في دراسة حديثة منشورة في مجلة “محكمة” بتاريخ 2026/5/14 – إلى أنّ من حق جميع المستأجرين الخاضعين للقانون رقم 2017/2 الإفادة حكماً من حقّي التمديد الأصلي والإضافي معاً، أي اثنتي عشرة سنة كاملة، بل ومن التمديد الإضافي المنصوص عليه في المادة /16/. وعماد هذا الرأي أنّ الدولة لم تنشئ الصندوق المنصوص عليه في المادة /3/ ولا اللجنة المنصوص عليها في المادة /7/ المولجة الفصل في الزيادات وبدل المثل وطلبات الاستفادة، فبات مستحيلاً على المستأجرين – بفعل السلطة لا بفعلهم – إثبات استفادتهم أو اكتساب صفتها، وأنّ حرمانهم من السنوات الثلاث الإضافية في ظل هذه الوضعية التي لا يد لهم فيها لا يكون عادلاً ولا سليماً، إذ لا يجوز أن يتحمل المستأجر وزر تخلّف الدولة عن إنشاء مؤسسات القانون.
وهو رأي جدير بالمناقشة الجدية لصدوره عن قامة قضائية، ولأنه يلامس وتراً حساساً هو عدالة توزيع تبعات التقاعس الرسمي؛ غير أنّ التمحيص يكشف أنه لا يصمد أمام النص ولا أمام المنطق ولا حتى أمام معيار العدالة الذي يحتكم إليه، وذلك من وجوه ستة نفصّلها تباعاً.
المطلب الرابع: تفنيد الرأي المخالف من وجوه ستة
الوجه الأول – النص حاجز لا يُجاوَز: إنّ عبارة “المستفيد من تقديمات الصندوق” نص واضح الدلالة قاطع في اشتراط واقعة الاستفادة، ولا اجتهاد في معرض النص الواضح. فالقول بالتمديد الحكمي للجميع يمحو التمييز الذي أقامه المشرع بين فئتين محوَاً كاملاً، ويجعل عبارة “المستفيد من تقديمات الصندوق” لغواً لا عمل لها، والمشرع منزّه عن اللغو، والتفسير الذي يُعمِل النص أولى أبداً من التفسير الذي يُهمِله. ثم إنّ إلغاء تمييز أقامه المشرع ليس تفسيراً بل تشريع مضاد يتجاوز وظيفة القضاء.
الوجه الثاني – قلب طبيعة الاستثناء: يؤول الرأي المخالف إلى جعل الاستثناء (اثنتا عشرة سنة) قاعدةً عامة والقاعدة (تسع سنوات) نسياً منسياً، وهو عكس المنهج التفسيري الواجب في النصوص الاستثنائية التي لا يُتوسع فيها ولا يقاس عليها، فكيف والاستثناء هنا استثناء مركّب من الدرجة الثانية كما بيّنا. والأدهى أنّ التعميم المقترح لا يشمل ذوي الدخل المحدود وحدهم – وهم علة الاستثناء – بل جميع المستأجرين أياً كان دخلهم وثراؤهم، فيستفيد من الحماية الاجتماعية من لم يقصده المشرع بها قطعاً، وتنقلب الرعاية الاستثنائية الموجهة امتيازاً عاماً بلا علة.
الوجه الثالث – الاستفادة لا تُفترض افتراضاً: يقوم الرأي المخالف على افتراض أنّ المستأجرين كانوا سيستفيدون لو وُجد الصندوق، وهذا افتراض مزدوج الضعف: فهو أولاً افتراض واقعة مستقبلية غير محققة إذ لا يُعلم من كان طلبه سيُقبل ومن كان سيُرد لتجاوز دخله النصاب أو لتخلف شرط آخر؛ وهو ثانياً افتراض في غير محله أصلاً في الحالة موضوع دراستنا، لأنّ العائق فيها ليس غياب اللجنة فحسب بل غياب موضوع الاستفادة ذاته: فحيث لم يحدَّد بدل مثل ولم تُطلب زيادة، لا يوجد أي مبلغ يمكن للصندوق – ولو وُجد وعمل بكامل طاقته – أن يساهم فيه. فالاستحالة هنا استحالة محل لا استحالة إجراء، وشتان بينهما: استحالة الإجراء قد تثير جدلاً حول الأعذار، أما استحالة المحل فتنفي الحق من أساسه.
الوجه الرابع – خلط بين المسؤوليات وخطأ في تعيين المدين بها: إذا صحّ أنّ الدولة قصّرت بعدم تفعيل الصندوق واللجان – وهو صحيح – فإنّ قواعد المسؤولية توجب أن يتحمل تبعة التقصير مرتكبُه، لا الغير البريء منه. والمالك أجنبي تماماً عن هذا التقصير، بل هو ضحيته الأولى إذ حُرم آلية رفع بدله ودفع الفروقات الناتجة عن الزيادات؛ فتحميله ثلاث سنوات تمديدية إضافية بلا مقابل هو معاقبة الضحية على خطأ الجاني، ونقلٌ لموجبات الدولة الاجتماعية من الخزينة العامة إلى ذمة أفراد بأعيانهم، وهذا عين ما قضى المجلس الدستوري اللبناني في قراره رقم 2014/6 تاريخ 2014/8/6 بعدم جوازه حين شدّد على أنّ الحماية الاجتماعية للمستأجرين واجب على الدولة تتحمله المجموعة الوطنية ولا يجوز إلقاؤه على عاتق المالكين وحدهم. فالرأي المخالف، وهو يستنهض العدالة للمستأجر، ينتهي إلى إهدارها مرتين في جانب المالك.
الوجه الخامس – العدالة المزعومة تنتج لا مساواة صارخة: سبق البيان أنّ التعميم يسوّي بين مستأجرٍ تحمّل الزيادات كاملة ومستأجرٍ لم يدفع شيئاً، بل يفضّل الثاني على الأول، ويسوّي بين معدم وميسور في امتياز شُرّع للمعدمين. والتفسير الذي يُنتج داخل الفئة الواحدة لا مساواةً أفدح من تلك التي جاء يرفعها ليس تفسيراً عادلاً بل ذريعة عدالةٍ ظاهرها الإنصاف وباطنها الجور.
الوجه السادس – سد الذرائع التمديدية: جوهر الرأي المخالف هو استيلاد تمديد قضائي جديد من رحم التعطيل الإداري، وهذه هي بعينها الحلقة المفرغة التي دارت فيها الإيجارات في لبنان سبعة عقود: كلما شارف نظام استثنائي على الانقضاء وُجدت ذريعة لإطالته. وقد جاء قانون 2017 ليقطع دابر هذا المنهج بجدول زمني حاسم، فإحياء منطق التمديد بالذريعة – ولو بلبوس قضائي وبنية حسنة – نقضٌ لغاية القانون ذاتها وردّةٌ إلى المظلومية التشريعية التي استغرق الخروج منها سبعين عاماً. هذا مع التذكير بأنّ انقضاء التمديد بتسع سنوات لا يترك المؤجر الذي لم يحدد بدل المثل خالي الوفاض عن المدة اللاحقة، إذ ينفتح له باب بدل الإشغال وفق القواعد العامة، مما ينفي أي فراغ في الحماية القانونية للطرفين.
المبحث الخامس: أسانيد الدراسة في الفقه المقارن والقانون الفرنسي والأوروبي
المطلب الأول: الفقه الفرنسي في التفسير الحصري لتشريعات الإيجار الاستثنائية
استقر الفقه الفرنسي الكلاسيكي، منذ عالج قوانين الإيجارات الاستثنائية التي أعقبت الحربين، على أنّ الامتداد القانوني للإجارة (prorogation légale) نظام استثنائي مساسه بالقوة الملزمة للعقد وبحق الملكية يوجب حصره في حدود نصه(1)، وأنّ الامتيازات التي تمنحها هذه التشريعات لفئات من المستأجرين لا تمتد إلى غير من توافرت فيهم شروطها النصية توافراً تاماً، إذ التشريع الموجَّه (dirigisme contractuel) يُفسَّر تفسيراً ضيقاً بوصفه خروجاً على الشريعة العامة(2). وأكد الأخوان Mazeaud ومعهما جمهور الشراح أنّ قرينة التفسير في مادة الإيجارات الاستثنائية تنعقد دوماً لمصلحة العودة إلى القواعد العامة كلما سكت النص أو أجمل(3). فيما شدد العلامة François Terré وزملاؤه على أنّ المساس التشريعي بالقوة الملزمة للعقد لا يُحتمل منه إلا القدر المنصوص(4).
وتقدم التجربة الفرنسية ذاتها نموذجاً مضيئاً لمسار التحرير الذي اختطه المشرع اللبناني: فقانون أول أيلول 1948 الذي جمّد الإيجارات القديمة ومدّدها أعقبه قانون Méhaignerie لعام 1986 الذي أعاد العلاقات التأجيرية تدريجياً إلى حظيرة القانون العام، وواكب القضاء الفرنسي هذا المسار بقصر الأنظمة الانتقالية على المشمولين بها حصراً دون توسع. ويلتقي ذلك مع نظرية Roubier في القانون الانتقالي التي تقضي بأنّ الأوضاع الجارية تخضع للقانون الجديد في حدود ما نظّمه، دون أن يُستولد من صمته أو من تعثر تطبيقه امتداد لمراكز لم ينشئها(5).
المطلب الثاني: السند الأوروبي: حماية الملكية وضابط التناسب
وعلى الصعيد الأوروبي، أرست المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية Hutten-Czapska ضد بولندا – وهي القضية الأم في نزاعات الإيجارات المجمّدة – مبدأً جوهرياً مفاده أنّ إخضاع المالكين لعقود ممددة ببدلات لا تعكس القيمة الحقيقية للمأجور، مع تحميلهم وحدهم كلفة السياسة الإسكانية للدولة، يخلّ بالتوازن العادل الذي تفرضه المادة الأولى من البروتوكول الأول وينتهك حق الملكية(6). ومقتضى هذا المبدأ، بوصفه معياراً تفسيرياً، أنه متى احتمل نص داخلي تفسيرين وجب ترجيح التفسير الأقل مساساً بحق الملكية والأكثر اتساقاً مع ضابط التناسب؛ والتفسير القاصر للتمديد على تسع سنوات عند انتفاء صفة المستفيد هو وحده المستجيب لهذا المعيار، أما تعميم الاثنتي عشرة سنة فيفاقم الخلل الذي أدانته المحكمة الأوروبية ويعرّض الدولة اللبنانية لمسؤولية مماثلة.
الخاتمة: النتائج
خلاصة القول، وبعد استعراض النصوص وتحليل بنيتها واستنطاق الفقه والاجتهاد اللبناني والمقارن، تنتهي هذه الدراسة إلى النتائج الآتية:
أولاً: التمديد لاثنتي عشرة سنة في المادة /15/ من القانون رقم 2017/2 استثناء مزدوج على قاعدة التمديد لتسع سنوات، مقصور نصاً على المستأجر المستفيد فعلاً من تقديمات الصندوق، ولا يُتوسع فيه ولا يقاس عليه ولا يُفترض.
ثانياً: صفة المستفيد واقعة مادية قانونية مركّبة لا تقوم إلا بتحديد بدل المثل رضاءً أو قضاءً، فطلبٍ ضمن مهلة الشهرين، فقرارٍ بالاستفادة، فتقدمةٍ فعلية تساهم في زيادات قائمة مطالَب بها.
ثالثاً: إذا لم يطبّق المؤجر أحكام المادة /18/ ولم يتحدَّد بدل المثل ولم يطالِب بالزيادات القانونية، انتفى محل تقديمات الصندوق أصلاً، إذ لا زيادة يُساهَم فيها، فيستحيل قيام صفة المستفيد استحالة محلّ لا استحالة إجراء، ولا يُجدي المستأجر عذر غياب اللجان لأنّ الأعذار تنفي اللوم ولا تنشئ الصفات.
رابعاً: تكون الإجارة في هذه الحالة ممدَّدة تسع سنوات لا غير، تُحتسب من 2017/2/28 وقد انقضت حكماً وحتماً في 2026/2/27، ويحق للمؤجر بعدها طلب الإخلاء، مع احتفاظه ببدل الإشغال عن مدة الإشغال اللاحقة وفق القواعد العامة، ودون أن يصلح إحجامه السابق عن المطالبة بالزيادات سنداً لتمديد إضافي لم ينص عليه القانون.
خامساً: الرأي القائل بالتمديد الحكمي لاثنتي عشرة سنة لجميع المستأجرين، على وجاهة دافعه الإنصافي، مردود من وجوه ستة: مصادمته النص الواضح، وقلبه الاستثناء قاعدةً، وقيامه على افتراض استفادةٍ لا محل لها، وتحميله المالك وزر تقصير الدولة، وإنتاجه لا مساواة أفدح مما يعالج، وإحيائه منطق التمديد بالذريعة الذي جاء القانون لدفنه.
سادساً: هذا الحل هو وحده المنسجم مع قاعدة التفسير الحصري للاستثناءات المستقرة في الفقهين اللبناني والفرنسي، ومع نظرية القانون الانتقالي، ومع الموجبات الأوروبية لحماية الملكية وضابط التناسب، ومع الخط الاجتهادي اللبناني الناشئ الذي حصر السنوات الثلاث الإضافية بمن ثبتت استفادته الفعلية بصورة أكيدة.
مصادر ومراجع:
1- Planiol et Ripert, Traité pratique de droit civil français, t. X, Contrats civils, L.G.D.J., Paris, sur le caractère exceptionnel des prorogations légales des baux.
2- J. Carbonnier, Droit civil, t. IV, Les obligations, P.U.F., Paris, coll. Thémis, sur le dirigisme contractuel et son interprétation restrictive.
3- H., L. et J. Mazeaud, Leçons de droit civil, t. III, Principaux contrats, Montchrestien, Paris, sur l’interprétation stricte des législations d’exception en matière de baux.
4- F. Terré, Ph. Simler et Y. Lequette, Droit civil, Les obligations, Dalloz, Paris, sur la force obligatoire du contrat et les atteintes législatives exceptionnelles.
5- P. Roubier, Le droit transitoire (conflits des lois dans le temps), 2e éd., Dalloz-Sirey, Paris
6- CEDH, Hutten-Czapska c. Pologne [GC], arrêt du 19 juin 2006
“محكمة” – الخميس في 2026/7/23



