دراسة قانونية تحليلية في حرمان الزوجة اللبنانية للمستأجر غير اللبناني المتوفى من الاستفادة من حساب صندوق دعم المستأجرين.. قراءةٌ في المادتين /4/ و/29/ من قانون الإيجارات رقم 2017/2 على ضوء فلسفة الحلول (Subrogation) والاجتهاد اللبناني والمقارن/شربل شرفان
المحامي شربل شرفان:
المقدّمة
يُعدّ قانون الإيجارات اللبناني رقم /2/ الصادر بتاريخ 28 شباط 2017 من أدقّ التشريعات وأكثرها إثارةً للجدل، لِما ينطوي عليه من توازنٍ عسيرٍ بين حقّ الملكية المصون دستورياً وحقّ السكن الذي يرقى إلى مصافّ الحقوق الاجتماعية الأساسية. وقد أفرز هذا القانون في تطبيقه العملي جملةً من الإشكاليات الفرعية، لعلّ من أدقّها وأكثرها التباساً: مآلُ حقّ الزوجة اللبنانية للمستأجر غير اللبناني المتوفى في الإفادة من تقديمات الصندوق.
وتنبثق الإشكالية من التقاء نصّين متباينَي المنطق: المادة /4/ التي تقصي المستأجر غير اللبناني من دائرة المستفيدين من الصندوق إقصاءً مطلقاً، والمادة /29/ التي تُقيم آليّة الحلول القانوني (Subrogation légale) لصالح زوج المستأجر المتوفى. فهل تنقلب صفة الزوجة اللبنانية إلى صفة مستأجرة أصلية بمجرّد الحلول، فتستفيد من الصندوق بحكم جنسيتها الشخصية؟ أم أنّها تبقى أسيرة الوضع القانوني لسلَفها غير اللبناني، فتَحلّ في عقدٍ مثقلٍ بعيبٍ أصلي يمنع تقديمات ومساهمات الصندوق؟
هذا ما تسعى هذه الدراسة إلى تحريره، مستعينةً بالنصّ التشريعي، ومسترشدةً بالفقه اللبناني والمقارن، ومستنيرةً بالاجتهاد القضائي، بعيداً عن التأويلات المُتعسّفة التي شاعت في بعض الكتابات ولا سند لها في القانون.
القسم الأول: الإطار التشريعي — البنية النصّية للمسألة
أوّلاً: نصّ المادة /4/ وقصد المشرّع
تنصّ المادة /4/ من قانون الإيجارات رقم 2017/2 نصّاً حرفياً على أنّه: «لا يستفيد من تقديمات هذا الصندوق المستأجر غير اللبناني».
النصّ جاء قاطعاً حاسماً، خالياً من أيّ استثناءٍ أو تفصيل، مبنيّاً على معيارٍ شخصيٍّ صرف هو الجنسية. ويُلاحَظ أنّ المشرّع اللبناني اختار عبارة «المستأجر غير اللبناني» لا «الأجنبي»، وهو اختيارٌ لغويٌّ مقصود، إذ يشمل عديمي الجنسية واللاجئين إلى جانب الأجانب بالمعنى الضيق.
وفلسفة هذا الإقصاء تعود إلى الطبيعة التوزيعية للصندوق (fonds de solidarité): فهو حسابٌ عامّ ممَوَّلٌ من الخزينة اللبنانية، وغايته توزيع أعباء الإصلاح في مسألة الإيجارات بين الدولة والمالك والمستأجر، وقد ارتأى المشرّع — سواءٌ أصاب في ذلك أم أخطأ — أنّ التضامن الوطني المموِّل للصندوق ينبغي أن يُصرَف على المواطنين وحدهم. وقد وصف النقيب السابق لمحامي بيروت الأستاذ ناضر كسبار هذه القاعدة بأنّها مطلقة، إذ إنّ المستأجر غير اللبناني «لا يستفيد من تقديمات الصندوق مهما كانت ظروفه المادية والمعيشية» في مقال نُشر في مجلة “محكمة” بتاريخ 2024/12/18.
ثانياً: نصّ المادة /29/ وبنية الحلول القانوني
تنصّ المادة /29/ على أنّه: «في حال وفاة المستأجر أو تركه المأجور، يحلّ محلّه حكماً في الاستفادة من عقد الإيجار الأساسي، أو الممدد عند الاقتضاء بكافة شروطه الأخيرة أو المعدلة بحكم القانون: 1- زوج المستأجر، 2- أولاد المستأجر الأساسي الذين دخلوا معه إلى المأجور عند بدء تنفيذ الإجارة وأولاده الذين ولدوا بعد بدء تنفيذ الإجارة وكانوا لا يزالون مستمرين في إشغال المأجور دون انقطاع، 3- أنسباء المستأجر الأساسي الذين دخلوا معه إلى المأجور عند بدء تنفيذ الإجارة وكانوا لا يزالون مستمرين في إشغاله دون انقطاع».
ثلاث ملاحظات تشريعية تستوقف الفقيه في هذا النصّ:
• الأولى: عبارة «يحلّ محلّه حكماً» (de plein droit) دلالتها أنّ الانتقال لا يحتاج إلى تعبيرٍ عن إرادةٍ ولا إلى قرارٍ قضائي، بل يترتّب بقوّة القانون بمجرّد تحقّق الواقعة (الوفاة أو الترك).
• الثانية: عبارة «في الاستفادة من عقد الإيجار الأساسي» (وليس في اكتساب عقدٍ جديد) هي مفتاح الفهم القانوني للمسألة، وسنعود إليها في تحليل طبيعة الحلول.
• الثالثة: عبارة «بكافة شروطه الأخيرة» تعني أنّ العقد ينتقل بأوصافه ومزاياه وعيوبه، لا يتعرّى منها ولا يتجرّد.
ثالثاً: نصّ المادة /3/ — الإطار العام للصندوق
أنشأت المادة /3/ الصندوق بوصفه «حساباً مديناً للإيجارات السكنية… تابعاً لوزارة المالية»، وتحدّد غايته بمساعدة «المستأجرين المعنيّين بهذا القانون الذين لا يتجاوز معدل دخلهم الشهري خمسة أضعاف الحد الأدنى الرسمي للأجور». والأهمّ في هذه المادة أنّ فقرتها الثالثة تنصّ صراحةً على أنّه: «يُقصد بالمستأجر حيثما ورد في هذا القانون المستأجر أو من حلّ محلّه قانوناً». وهذه الفقرة هي عصب المسألة ومفتاح الجواب، كما سيتّضح.
القسم الثاني: فلسفة مبدأ الحلول (Subrogation) — من الرومان إلى القانون الحديث
أوّلاً: الجذر التاريخي والمعنى اللغوي
لفظ «الحلول» (Subrogation) مشتقّ من اللاتينية «subrogare»، أي وضع الشيء موضع غيره. وقد نشأ في القانون الروماني أوّلاً في نطاق الوفاء بالديون (subrogatio personalis)، ثمّ توسّع ليشمل الحقوق العينية (subrogatio realis)، ثمّ استقرّ في القانون الحديث بوصفه آليّة نقلٍ لا آليّة إنشاء؛ فالمُحِلّ (المُتوفَّى) لا «يُنشئ» حقّاً جديداً للمُحَلّ محلّه (الزوج)، بل يُمكّنه من الانتفاع بالحقّ نفسه بذاته وأوصافه.
ثانياً: الفرق الجوهري بين الحلول (Subrogation) والحقّ الأصلي (Titre originaire)
هنا تكمن الدقّة العلمية التي غفل عنها كثيرٌ من الكتّاب، وتنبّه إليها المحقون من الفقهاء:
• الحقّ الأصلي: هو الحقّ الذي يكتسبه صاحبه لشخصه (intuitu personae)، فيتمتّع بمزاياه بحكم صفته الذاتية، ولا علاقة له بشخصٍ سابق.
• الحقّ بالحلول: هو الحقّ الذي ينتقل إلى صاحبه لا لشخصه بل بوصفه خَلَفاً (ayant-cause) لسلفٍ سابق، فيكون حقّه مستمَدّاً من حقّ سلفه، محكوماً بحدوده، مقيَّداً بقيوده.
هذا التمييز الحاسم عبّر عنه العميد عبد الرزاق السنهوري في وسيطه بقوله إنّ الحلول في الإيجار «لا يُنشئ عقد إيجارٍ جديد، بل يُبقي على العقد نفسه بذاته وشروطه، غاية الأمر أنّه يستبدل بشخص المستأجر شخصاً آخر يخلفه في مركزه القانوني كاملاً بحقوقه وبالتزاماته وبعيوبه إن وُجدت» (السنهوري، الوسيط، الجزء السادس، المجلد الثاني، الإيجار، دار إحياء التراث العربي، القاهرة).
وفي القانون الفرنسي، ورد التمييز بلغةٍ أدقّ في تعليق الجمعية الوطنية للسكن (ANIL) على قرار محكمة استئناف باريس تاريخ 2007/9/25، حيث فرّقت المحكمة تفريقاً حاسماً بين حالتين:
• حالة الشريك الأصلي في العقد (cotitulaire): الزوج الذي يكتسب صفة المستأجر بقوّة المادة /1751/ من القانون المدني الفرنسي، فيتمتّع بحقٍّ «أصلي وحصري» على المأجور (droit exclusif) لا ينازعه فيه أحد.
• حالة الخَلَف بالحلول (bénéficiaire du transfert): الزوج الذي ينتفع بآليّة المادة /14/ من قانون 6 تموز 1989 عند وفاة المستأجر، فينتقل إليه العقد بمضمونه، ويكون حقّه غير حصري ومعرّضاً للمنازعة عند تعدّد المستفيدين.
وهذا التمييز نفسه أكّده المؤلَّف الجماعي لمجلس كتاب العدل الفرنسيين في تقرير مؤتمرهم السادس عشر بعد المئة (2020)، إذ اعتبرت العقيدة الكلاسيكية أنّ الحلول في الإيجار «شيوعٌ خاصّ» يجعل الحقّ منتقلاً لا منشأً.
ثالثاً: خلاصة الفلسفة — قاعدة «Nemo plus juris»
القاعدة الرومانية العريقة «Nemo plus juris ad alium transferre potest quam ipse habet» (لا يستطيع المرء أن ينقل إلى غيره من الحقّ أكثر ممّا يملكه هو) هي الحاكمة في باب الحلول. فالخَلَف — أيّاً كان — لا يتلقّى من سلفه إلاّ ما كان له، فإن كان لسلفه حقٌّ منقوصٌ أو مثقلٌ بقيدٍ أو استثناء، انتقل إليه على تلك الحال، لا يزيد ولا ينقص.
القسم الثالث: التحليل النقدي — تطبيق مبدأ الحلول على المستأجر الأجنبي
أوّلاً: البناء المنطقي للحلّ القانوني
من الجمع بين المادّتين /4/ و/29/ وبين فلسفة الحلول، يمكن بناء الاستدلال المنطقي التالي:
المقدّمة الكبرى: المادة /4/ تُخرج المستأجر غير اللبناني من دائرة المستفيدين من الصندوق إخراجاً موضوعياً متعلّقاً بالعقد نفسه لا بشخص المستأجر فحسب. فالنصّ حرم «المستأجر غير اللبناني» بوصفه شاغلاً لعقد إيجار لم يُسهم صاحبه في التضامن الوطني الذي يُموّل الصندوق. بهذا المعنى، فإنّ عقد الإيجار المُبرَم مع مستأجرٍ أجنبي هو عقدٌ «غير مؤهَّل» (non éligible) للإفادة من الصندوق بذاته، بمعزلٍ عمّن يشغله لاحقاً.
المقدّمة الصغرى: المادة /29/ تُنشئ حلولاً (Subrogation) لصالح الزوجة، بمعنى أنّها تحلّ في العقد ذاته بمضمونه وأوصافه. والنصّ صريحٌ: تحلّ محلّه «في الاستفادة من عقد الإيجار الأساسي… بكافة شروطه الأخيرة». فالحلول هنا نقلٌ لا إنشاء.
النتيجة: بما أنّ الزوجة اللبنانية لا تُنشئ عقداً جديداً باسمها، بل تحلّ في عقدٍ قائمٍ منذ نشأته على وصفٍ يمنع الإفادة من الصندوق (لكون المستأجر الأصلي غير لبناني)، فإنّها ترث العقد بعيبه الأصلي، ولا تستفيد من الصندوق. العقد يبقى، بحكم نشأته، عقداً محروماً من تقديمات ومساهمات الصندوق، والحلول لا يُطهّر العقد من هذا الوصف الملتصق به.
ثانياً: السند النصّي المُحكَم في المادة /3/
يزيد هذا الاستدلال متانةً ما ورد صراحةً في المادة /3/ فقرة ثالثة: «يُقصد بالمستأجر حيثما ورد في هذا القانون المستأجر أو من حلّ محلّه قانوناً».
هذه الفقرة تحسم النزاع حسماً لا مُعقِّب عليه: فهي تُسوّي بين المستأجر الأصلي ومَن يحلّ محلّه في تلقّي أحكام القانون. وعليه، فإنّ الحكم الوارد في المادة /4/ — وهو الحرمان من الصندوق — يُطبَّق أيضاً على من يحلّ محلّه، ما دام الوصف المُنشئ للحرمان (وهو الجنسية الأجنبية المستأجر الأصلي) قائماً في مصدر الحقّ.
بعبارةٍ أدقّ: المادة /3/ لا تنقل صفة «لبنانية الزوجة» إلى العقد، بل تنقل «العقد بوصفه المُقصي» إلى الزوجة. فالحلول عمليّةٌ باتجاهٍ واحد: من العقد إلى الشخص، لا من الشخص إلى العقد.
ثالثاً: التمييز الحاسم — لماذا لا تكون الزوجة مستأجرة أصلية؟
قد يقول قائل: بما أنّ الزوجة أصبحت شاغلة المأجور، ألا تُعدّ مستأجرة أصلية باسمها؟ والجواب — وهذا موضع الدقّة القانونية — كلاّ، للأسباب الآتية:
السبب الأوّل: قانون الإيجارات اللبناني، خلافاً للقانون الفرنسي، لم يُقرّ صفة الشريك في الإيجار (cotitularité) بين الزوجين المكرَّسة في المادة /1751/ من القانون المدني الفرنسي. فالمادة /1751/ الفرنسية تقيم «شراكةً قانونية أصلية» (cotitularité d’origine légale) بين الزوجين تنشأ بمجرّد الزواج بغض النظر عن هوية الموقّع. أمّا في لبنان، فلا يوجد نصٌّ مماثل، والزوجة لا تصير مستأجرةً إلاّ بالحلول لا بالأصالة.
السبب الثاني: نصّ المادة /29/ نفسه حسمَ الطبيعة القانونية للحقّ حين قال «يحلّ محلّه»، لا «يصبح مستأجراً أصلياً». والفارق بين الصياغتين فارقٌ جوهريٌّ في نظرية العقد.
السبب الثالث: مبدأ نسبية العقود (Effet relatif des conventions) المكرَّس في المادة /225/ من قانون الموجبات والعقود يقضي بأنّ العقد لا يُنشئ حقوقاً إلاّ لعاقديه. والزوجة ليست عاقدةً أصليةً، بل خَلَفاً خاصاً بحكم القانون. وقد أكّدت محكمة الاستئناف المدنية في بيروت هذا المبدأ صراحةً في قرارٍ حديثٍ رفضت فيه توسيع دائرة المستفيدين من الحلول، معلّلةً بأنّ «عقد الإيجار أُبرم باسم المستأجرة الأصلية بصفتها الشخصية وليس بصفةٍ تمثيلية»، وأنّ حقّ الحلول «حقٌّ حصريٌّ للأشخاص المحدّدين قانوناً، ولا ينتقل عن طريق الإرث أو التنازل».
القسم الرابع: القراءة الترابطية مع مواد القانون الأخرى
لا يُفهم نصٌّ في القانون بمعزلٍ عن سياقه التشريعي، ولا سيّما أنّ قانون الإيجارات يشكّل منظومةً متكاملة. وربطُ المادتين /4/ و/29/ بسائر المواد يُعزّز الاستنتاج المتقدّم:
أوّلاً: الربط مع المادة /15/ — التمديد
تنصّ المادة /15/ على تمديد عقود الإيجار تسع سنواتٍ للجميع، واثنتي عشرة سنة للمستفيدين من الصندوق. وهنا يظهر البعد العملي: الزوجة اللبنانية للمستأجر غير اللبناني المتوفى، وإن حلّت بموجب المادة /29/، لا تحوز إلاّ مدّة التسع سنوات، لأنّ صفة «المستفيد من الصندوق» غير قابلةٍ للاكتساب لعقدٍ نشأ من أصله محروماً. وهذا انسجامٌ منطقيٌّ داخل النصّ.
ثانياً: الربط مع المواد /22/ و/23/ و/32/ — الاسترداد
آليّة الاسترداد المُقرَّرة في هذه المواد تُطبَّق على الحالّمحلّ المستأجر تطبيقاً كاملاً، لأنّه — كما رأينا — «مستأجر» بمفهوم المادة /3/. فلو أراد المالك استرداد المأجور لضرورةٍ عائلية، لا تستطيع الزوجة الحالّة أن تتذرّع بأنّها ليست هي العاقدة الأصلية، لأنّ الحلول يجعلها في مركز السلف كاملاً.
ثالثاً: مبدأ الوحدة التفسيرية
جميع هذه الروابط تقود إلى قاعدةٍ ذهبية في تفسير قانون الإيجارات: الحالّ محلّ المستأجر يحمل معه من الحقوق والقيود ما كان لسلفه، لا أكثر ولا أقلّ. فإن كان سلفه ممنوعاً من ميزة، ورث المنع؛ وإن كان مُثقلاً بموجب، ورث الموجب. وهذه هي قاعدة «العقد رابطة سببية» التي أرسى فقهها العميد جوسران (Josserand) في مؤلّفه Cours de droit civil positif français (Sirey, Paris)، والتي كانت مرجعاً لواضعي قانون الإيجارات اللبناني.
القسم الخامس: الاجتهاد المقارن — النموذج الفرنسي والمصري
أوّلاً: القانون الفرنسي — التمييز بين cotitularité وtransfert
يقيم القانون الفرنسي نظاماً مزدوجاً:
النظام الأوّل — الشراكة الأصلية (Cotitularité): بموجب المادة /1751/ من القانون المدني الفرنسي، يُعدّ الزوجان معاً «مستأجرَين أصليَين» بمجرّد الزواج، فلا يحلّ أحدهما محلّ الآخر عند الوفاة، بل يستمرّ الحيّ منهما مستأجراً بحقّه الأصلي. وهذا النظام لا نظير له في القانون اللبناني.
النظام الثاني — نقل العقد (Transfert du bail): بموجب المادة /14/ من قانون 6 تموز 1989، إذا لم يكن الزوج الحيّ شريكاً أصلياً (كأن يكون العقد لغرضٍ مختلط، أو ليس المسكن الرئيسي المشترك)، ينتقل إليه العقد بمقتضى الحلول، بكامل شروطه وأوصافه.
الحكمة من هذا التمييز: عندما يكون الحقّ أصلياً، يكون مستقلاً؛ وعندما يكون بالحلول، يكون تبعياً محكوماً بحدود العقد المنقول. وقد كرّست محاكم الاستئناف الفرنسية هذا التمييز في أكثر من قرار، أبرزها قرار محكمة استئناف باريس تاريخ 2007/9/25 الذي رفض تحويل العقد إلى أحد المنحدرين لأنّ الزوجة الحيّة كانت شريكةً أصلية، فحقّها الشخصي (الأصلي) يمنع تفعيل آليّة الحلول لصالح الغير.
الإسقاط على مسألتنا: القانون اللبناني اختار الأخذ فقط بنظام «الحلول» لا «الشراكة الأصلية»، فالزوجة اللبنانية للمستأجر غير اللبناني ليست شريكةً أصليةً في العقد، بل خَلَفٌ محضٌ، فينطبق عليها كلّ ما ينطبق على «المتلقّي بالحلول» في القانون الفرنسي: يرث الحقّ بحدوده ومقيّداته.
ثانياً: الفقه المصري والقانون المدني
في القانون المصري، أرسى العميد السنهوري في «الوسيط» قاعدةً حاسمة: الحلول في الإيجار عملٌ ناقلٌ لا منشئ، والخَلَف الخاصّ (ayant-cause à titre particulier) يحلّ في مركز سلفه القانوني كاملاً بحقوقه والتزاماته. وقد استقرّ الاجتهاد المصري على أنّ من يحلّ محلّ المستأجر لا يستطيع التمسّك بمركزٍ أفضل من مركز سلفه، مهما كانت صفاته الشخصية أفضل. وقد تناول السنهوري هذه المسألة تفصيلاً في «الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء السادس، المجلد الثاني: الإيجار والعارية» (دار إحياء التراث العربي، القاهرة، 1985).
وتبنّى الفقهاء المصريون المعاصرون، ومنهم الدكتور جمال زكي في «العقود المسمّاة: الإيجار»، والدكتور محمد لبيب شنب في «دروس في عقد الإيجار» (دار النهضة العربية)، هذا المذهب في التفريق بين الحقّ المُكتسَب بالحلول والحقّ الأصلي.
ثالثاً: الفقه اللبناني
أرسى الأستاذ زهدي يكن في مؤلّفه «الإيجارات في القانون اللبناني» قاعدةَ أنّ حقّ التمديد «ليس حقّاً شخصياً مستقلاً، بل امتدادٌ للعقد الأصلي»، وهو ما يعني أنّ من يستفيد منه لا يستفيد لشخصه بل لمصدره التعاقدي. وأكّد القاضي إدوار عيد في «الموسوعة في أصول المحاكمات والإثبات والتنفيذ» أنّ الحلول في الإيجار يستتبع نقلاً شاملاً لمركز المستأجر، بأوصافه العينية لا الشخصية.
القسم السادس: الاجتهاد اللبناني — تكريس مبدأ التفسير الضيّق
اتّجه الاجتهاد اللبناني اتجاهاً ثابتاً إلى التفسير الضيّق لنصوص قوانين الإيجارات الاستثنائية، بوصفها استثناءً عن مبدأ سلطان الإرادة وحرّية التعاقد. ومن أوضح تطبيقات هذا التوجّه ما قضت به محكمة الاستئناف المدنية في بيروت من أنّ: «قوانين الإيجارات الاستثنائية… يقتضي بالتالي تفسير أحكامها بصورة ضيقة وحصرية ومن دون التوسع في التفسير».
وهذا التوجّه يُقوّي حجّة المنع، لأنّ التوسّع في تفسير المادة /29/ بحيث تُعطى الزوجة اللبنانية صفةً جديدةً «أصلية» — مخالفةً لصفة سلفها — إنّما هو توسّعٌ تفسيريٌّ لا يجيزه القضاء اللبناني.
وقد أكّدت المحاكم اللبنانية في أكثر من مناسبةٍ أنّ صفة المستفيد من قوانين الإيجارات الاستثنائية «حصرية» لا تقبل التوسّع، وأنّ التقديمات المُقرَّرة قانوناً لا تخرج عن حدودها النصّية.
القسم السابع: تفنيد النقد الفقهي المُخالف
سعى بعض الشرّاح — دون تدقيقٍ منهجيٍّ كافٍ — إلى القول بأنّ الزوجة اللبنانية، بمجرّد حلولها، تتحوّل إلى «مستأجرة أصلية» فتستفيد من الصندوق بحكم جنسيتها. وهذا القول، على ظاهر بريقه، مجافٍ للمنهج القانوني السليم لثلاثة أسباب متضافرة:
السبب الأوّل: يُخلط بين الشخصية الطبيعية للمستفيد (الجنسية اللبنانية) والوصف الموضوعي للعقد (كونه عقداً مبرَماً مع مستأجرٍ أجنبي). والصندوق ينظر إلى العقد لا إلى الشخص المُنتَقَل إليه العقد. وبيان ذلك أنّ المادة /4/ لم تقل «لا يستفيد المستأجر غير اللبناني بشخصه»، بل قالت «لا يستفيد من تقديمات هذا الصندوق المستأجر غير اللبناني»، والصياغة تفيد وصف العقد لا صفة الشاغل.
السبب الثاني: يتعارض هذا القول مع نصّ المادة /3/ فقرة “3”، التي أوجبت أن يُقرأ نصّ «المستأجر» في القانون بأنّه يشمل «من حلّ محلّه قانوناً». فالحالّ في مركز المستأجر غير اللبناني يبقى — لأغراض تطبيق القانون — في وضعية «المستأجر الأجنبي» لا وضعيةٍ جديدة.
السبب الثالث: يُنافي هذا القول القاعدة الرومانية العريقة Nemo plus juris، ويُنافي طبيعة الحلول كآلية نقلٍ لا آلية إنشاء. ولو صحّ القول بأنّ الزوجة تُصبح مستأجرةً أصلية، لكان الأولى بالمشرّع أن يقول «يُصبح مستأجراً أصلياً» لا «يحلّ محلّه»، ولكانت النتيجة أنّ العقد ينشأ من جديد ابتداءً من تاريخ الوفاة، وهو ما لا يقول به أحدٌ من الفقهاء لتعارضه مع كلّ منظومة عقد الإيجار.
وعليه، فإنّ الاجتهاد الرصين والفقه الدقيق يتّفقان على أنّ الآراء التي تُطلَق في هذا الشأن دون سندٍ منهجيّ سليم — أياً كان قائلها — لا وزن لها في ميزان التحليل القانوني.
الخاتمة والاستنتاجات
انتهت هذه الدراسة، بعد التطواف بين النصّ والفقه والاجتهاد، إلى منظومةٍ من النتائج المترابطة تنتظم في العقد التالي:
أوّلاً: المادة /29/ من قانون 2/2017 تُنشئ حلولاً قانونياً (Subrogation légale) لصالح الزوجة، لا حقّاً أصلياً باسمها. والحلول- في فلسفته القانونية الراسخة منذ القانون الروماني — عملٌ ناقلٌ لا منشئ، فينتقل بموجبه العقد بأوصافه العينية، لا الشخصية.
ثانياً: المادة /4/ تُقصي «المستأجر غير اللبناني» إقصاءً موضوعياً متعلّقاً بالعقد لا بشخص شاغله فحسب، فيبقى العقد المُبرَم معه — في نظر الصندوق — عقداً غير مؤهَّل ابتداءً.
ثالثاً: الجمع بين النصّين، معزَّزاً بالمادة /3/ فقرة “3” التي تُسوّي بين المستأجر ومن يحلّ محلّه في تلقّي أحكام القانون، يقود حتماً إلى أنّ الزوجة اللبنانية، مهما كانت لبنانيّتها ظاهرة، لا تستفيد من الصندوق، لأنّها تحلّ في عقدٍ محرومٍ بذاته.
رابعاً: الاجتهاد المقارن — الفرنسي (المادتان /1751/ من القانون المدني و/14/ من قانون 1989) والمصري (السنهوري، وسيط) — يُعزّز هذا التوجّه، مع التنبيه إلى أنّ القانون الفرنسي أقام إلى جانب الحلول فكرة «الشراكة الأصلية» (cotitularité) التي تحمي الزوج حمايةً أصليّة، وهي فكرةٌ لم يأخذ بها المشرّع اللبناني.
خامساً: الاجتهاد اللبناني الرصين، ولا سيّما ما استقرّ لدى محاكم الاستئناف المدنية، يُكرّس التفسير الضيّق لقوانين الإيجارات الاستثنائية، ويرفض التوسّع في دائرة المستفيدين بحجّة الاعتبارات الشخصية، ما يُوطّد النتيجة المُتقدّمة.
وخلاصة الخلاصة: أنّ الزوجة اللبنانية للمستأجر غير اللبناني المتوفى، وإن حلّت محلّ زوجها بموجب المادة /29/، تحلّ في العقد لا بشخصها، فتلقاه بعيبه الأصلي (الحرمان من الصندوق) بمقتضى المادة /4/، ولا تنقلب هي — بلبنانيّتها — إلى مصلحٍ لهذا العقد ومطهّرٍ له. فالحلول رابطةٌ بين شخصٍ وعقد، والعقد يبقى عقداً بأوصافه، والزوجة تلقاه على ما هو عليه، وهذا هو مقتضى العدالة القانونية وإن قسا وقعُه على النفس.
قائمة المراجع الفقهية والاجتهادية
أوّلاً: المراجع اللبنانية والعربية
• عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء السادس، المجلد الثاني: الإيجار والعارية، دار إحياء التراث العربي، القاهرة، 1985.
• زهدي يكن، الإيجارات في القانون اللبناني، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت.
• إدوار عيد، الموسوعة في أصول المحاكمات والإثبات والتنفيذ، منشورات المؤلّف، بيروت.
• محمد لبيب شنب، دروس في عقد الإيجار، دار النهضة العربية، القاهرة.
• جمال زكي، العقود المسمّاة: الإيجار، دار النهضة العربية، القاهرة.
• ناضر كسبار، «مشاكل الإيجارات في لبنان»، منشور في: مجلة محكمة.
• علاء بشير، «أبرز إشكاليات تطبيق قانون الإيجارات الجديد»، منشور في: مجلة محكمة.
• «عدم استفادة زوجة ابن المستأجرة الأساسية من الحلول محلّه في عقد الإيجار»، مجلة محكمة.
• Droit du Bail Arabe (دراسة أكاديمية)، جامعة الروح القدس – الكسليك (USEK).
• «امتداد عقد الإجارة في الفقه الإسلامي: دراسة مقارنة»، دار الإفتاء الأردنية.
ثانياً: المراجع الفرنسية
• Louis Josserand, Cours de droit civil positif français, Sirey, Paris.
• 116e Congrès des Notaires de France (2020) ,La protection du logement par l’article 1751 du Code civil, Rapport
• ANIL, Sort du bail en cas de décès du locataire / Droit du conjoint survivant, anil.org.
• Union sociale pour l’habitat, Les apports de la jurisprudence en matière de transfert de bail, Union-Habitat.
• B. Vareille, «Cotitularité du droit au bail en vertu de l’article 1751 du Code civil», HAL Archives.
• La cotitularité du bail d’habitation entre époux: régime juridique (art. 1751 C. civ.), gdroit.fr.
• Notaires.fr, «Transmission du bail d’habitation au décès du locataire», notaires.fr.
• Service Public, «Quels sont les droits du conjoint sur le logement du défunt ?», service-public.gouv.fr..
ثالثاً: النصوص التشريعية
• قانون الإيجارات رقم 2 تاريخ 2017/2/28.
• قانون الموجبات والعقود اللبناني، المادة /225/ (مبدأ نسبية العقود).
• Loi n o 462-89 du 6 juillet 1989 , Article 14 (Transfert du bail), Légifrance.
• Code civil français, Article 1751 (Cotitularité du bail), Légifrance.
“محكمة “- الخميس في 2026/7/30


