مقالات

عقوبة الاعدام هي التي تردع.. وإلا “لحقوا” على جرائم قتل/ناضر كسبار

ناضر كسبار (نقيب المحامين في بيروت سابقاً):
من أشدّ العقوبات الجنائية على الاطلاق، عقوبة الاعدام التي تقضي بوضع حدّ لحياة شخص بناء على حكم قضائي مبرم.
هذه العقوبة لا تنزل بالمجرم بناء على فعل جنائي بسيط. فالقاتل الذي يخطط تخطيطاً مدروساً من اجل قتل شخص أو أشخاص آخرين، يكون قد ارتكب جريمته عن قصد وعن سابق تصور وتصميم. من هنا انتقدنا القانون الذي صدر في عهد المغفور له الرئيس الياس الهراوي، والذي نص على عقوبة الاعدام عن قصد، وليس عن سابق تصوّر وتصميم ومنع القاضي من إعطاء الأسباب التخفيفية. وهو القانون الذي أطلق عليه يومها القاتل يُقتل. وأعطينا مثلاً يؤيد نظريتنا. فإذا دخل مجرم منزلاً، وهرب ولد من الأولاد إلى المتخت، وشاهد ما يحصل من أعمال اغتصاب لوالدته وشقيقاته وقتلهن بدم بارد، ومن أعمال تعذيب بحقّهنّ وبحقّ أشقائه ووالده وقتلهم من بعدها. وبعد فترة إلتقى القاتل صدفة وقتله. فهل يُحكم عليه بالإعدام ولا يحقّ للقاضي إعطاء الأسباب التخفيفية؟
وما يهمّنا هنا، هو الإضاءة على عدّة نقاط أهمّها:
أوّلاً: إنّ عقوبة الاعدام هي التي تردع المجرمين عن ارتكاب جرائمهم عن سابق تصوّر وتصميم. فيفكّرون ألف مرّة قبل ارتكابها، خصوصاً في بلد مثل لبنان الذي يضمّ اللبنانيين والغرباء والذين يستسهلون ارتكاب الجرائم بدم بارد.
ثانياً: معظم من يتابعون الملفات الجزائية بعمق يؤيدون عقوبة الاعدام، لأنّهم يعيشون الوقائع الفظيعة والقاسية لدى ارتكاب جرائم القتل والتعذيب.
ثالثاً: من يتابع الملفّات، يعلم جيّداً أنّ القاتلين ليسوا كما يصوّرونهم بأنّهم مرضى نفسيين، وبأنّهم لا يستوعبون ماذا يفعلون. المجرمون الذين يرتكبون هذه الجرائم قد يكونون من أصحاب النفوذ، ومن تجّار المخدرات، وممن يتملّكهم الجشع، وهم ليسوا مرضى على الاطلاق.
يروي المحامي الالمعي سامي ابو جودة أنّ امرأة ذهبت إلى عيادة طبيب، وأخبرته أنّها تحبّ معاشرة الرجال، حتى من تتعرّف عليهم فجأة. فقال لها الطبيب: ولكن هذا مرض أن تفعلي ذلك.
فقالت له: إذا بتسمح اعطني ورقة بأنّني مريضة لأنّهم يقولون عني في الحي أنّني ش.
نعم. هذه أمور يتكلم عنها من يدعون الحفاظ على الحريات العامة وحقوق الانسان، لأنّهم لا يتابعون الملفات الجزائية بعمق، وبعد قليل سوف يدافعون عن القاتل وكأنه مريض ومظلوم.
رابعاً: يأتي من يقول بأنه يقتضي إصلاح المجرم القاتل وليس إعدامه. فماذا عن الضحايا الذين تحت التراب؟ وماذا عن ردع الآخرين من ارتكاب جرائم ليدخلوا بعدها الاصلاحية؟ ولماذا لا يتمّ إصلاح المجتمع قبل ارتكاب الجرائم؟ ومن يقول إنّ هؤلاء المجرمين يمكن إصلاحهم؟
خامساً: إذا كانت نظرية أنّ الله يعطي الحياة وهو يأخذها. فمن سمح للمجرم بأخذ حياة الضحايا بعد اغتصابهنّ وتعذيبهنّ. ثم انّ الله خلق الانسان حرّاً، ولا ننسى القول: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ فكيف يحقّ في هذه الحالة للسلطة سلبه حرّيته بالحكم المؤبّد؟ وهل “شغلتنا” نعذّب الآخرين مدى العمر كما يقترح البعض في الحكم المؤبّد؟
سادساً: نحن لا نوافق على الإطلاق على أحكام الإعدام في جرائم لم يثبت فيها أنّ المتهم هو القاتل عن سابق تصوّر وتصميم. والقانون ينصّ على البراءة للشكّ أو لعدم كفابة الأدلّة، حتى ولو عُثر على 99 دليلاً من أصل مئة. ولكن هذا الامر لا يعني بأن نلغي عقوبة الإعدام بسبب خوفنا من الخطأ.
سابعاً: نحن نعلم أنّ دول الخارج طلبت من لبنان إلغاء عقوبة الاعدام، مع أنّ هناك دولاً كثيرة لا تزال تطبّقها، وحتى في بعض الولايات الاميركية. فهل يشبه لبنان غيره من الدول المتحضرة التي تدقق في الشاردة والواردة، خصوصاً في مسيرة كلّ من يدخل البلد بعكس لبنان؟
ثامناً: بمحبة، وفقط من أجل لفت النظر، إذا كان المسؤولون مقتنعين بإلغاء عقوبة الاعدام، فلماذا تمّ تسليم الضابط السوري الذي قد يواجه هذه العقوبة؟ علماً بأنّ فخامة الرئيس وقّع على قانون إلغاء عقوبة الإعدام قبل يوم الخميس وهو اليوم الذي يُنشر القانون فيه في الجريدة الرسمية، وفي الوقت عينه يوم انتهاء المهلة للتسليم، فيحقّ للبنان عدم تسليمه لبلد يطبّق عقوبة الاعدام.
ملاحظات نوردها بمحبّة ومن أجل المنفعة العامة دون أيّ خلفيات.
“محكمة” – الخميس في 2026/8/27

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!