أبحاث ودراسات

في الشوائب الجوهرية التي تعتري قانون تعزيز إستقلال السلطة القضائية/فرانسوا ضاهر

القاضي السابق والمحامي فرانسوا ضاهر:
إن الشوائب الجوهرية التي تضمّنها القانون الجديد لتعزيز إستقلال السلطة القضائية قد تمحورت حول المسائل التالية :
1- في ما يتعلّق بتشكيل المجلس الأعلى للقضاء :
يتألف المجلس الأعلى للقضاء من عشرة أعضاء على النحو التالي :
1/أ- أربعة أعضاء حكميين يعيّن كلٌّ منهم بمرسوم يُتّخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير العدل من أصل ثلاثة أسماء يقترحها المجلس الأعلى للقضاء بالذات لولاية تمتد الى خمس (5) سنوات غير قابلة للتجديد او للتمديد.
1/ب- اربعة أعضاء منتخبين من فئة القضاة التي ينتمي إليها كلّ واحد منهم، لولاية تمتد الى أربع (4) سنوات غير قابلة للتجديد او للتمديد إلاّ بعد مرور ولاية كاملة على انتهاء عضويتهم في المجلس الأعلى للقضاء.
1/ج- عضوان يختارهما أعضاء المجلس الأعلى للقضاء الحكميون (الأربعة) والمنتخبون (الأربعة) لولاية تمتد الى أربع (4) سنوات غير قابلة للتجديد او للتمديد إلاّ بعد مرور ولاية كاملة على انتهاء عضويتهم في المجلس الأعلى للقضاء.
2- إن إنتخاب أربعة أعضاء من المجلس الأعلى للقضاء من القاعدة القضائية للفئة التي ينتمي اليها كلّ واحد منهم، إنما يحوّل هذا المجلس الى وزارة داخلية تُعنى بترتيب الانتخابات الداخلية بين فئات القضاة، بحسب مناصبهم ومهامهم، لغرض إستكمال تكوينه. مع ما لهذه العملية الانتخابية من تداعيات وتجاذبات وإصطفافات طائفية ومذهبية وحتى سياسية، التي ينوء تحتها لبنان بكل كيانه، والتي من شأنها ان ترتدّ على الجسم القضائي شرذمةً وتصدّعاً وتفكّكاً.
3- كما وإن زيادة المناصب الحكميّة من ثلاثة الى أربعة، بإعطاء الطائفة الشيعية منصباً حكمياً من خلال رئاسة معهد الدروس القضائية، بهدف تعزيز التوازن الطائفي في تلك المناصب، إنما هو أمر هجين طرحه في هذه الحقبة لأنه يعمّق الطائفية ويثبّتها أكثر فأكثر ويظهِّر بأنها ما زالت العصب الذي يحرّك تكوين المؤسسات الدستورية في البلد ويرعى عملها. وإن هذا المنحى التشريعي الطائفي لا بدّ أنه سينسحب على العملية الإنتخابية التي ستُجرى ضمن الجسم القضائي لإختيار غالبية أعضاء المجلس الأعلى للقضاء.
4- وإنه، في ما يتعلق بالعضوين اللذين يتمّ إختيارهما من أعضاء المجلس الأعلى للقضاء بالذات. فإن هذا الإختيار هو بالنتيجة بمثابة تعيين داخلي الذي غالباً ما يتمّ على نحو يتماهى أو يتماشى مع الأعضاء الناخبين أو المعيِّنين. الأمر الذي ينتقص، ولو إحتمالاً مرجّحاً، من فاعلية وتمايز وإستقلال وحياد العضوين المختارين تجاه الأعضاء الآخرين.
5- فضلاً عن أن تحويل المناصب الحكمية الأربعة والأرفع في القضاء الى ولاية قطعية محدودة المدة غير قابلة للتجديد أو للتمديد، لأي سبب كان، من شأنه أن يهزّ مكانة وفعالية هذه المناصب في الجسم القضائي وحسن سير العمل فيه وإنتظامه المؤسساتي. كما من شأنه ان ينال من الموقع والمكانة الشخصية للذين تولّوا هذه المناصب، بعد إنتهاء ولايتهم، لأنهم سيتبوّأون مناصب هي حكماً أدنى مرتبةً من تلك التي شغلوها، وسيخضعون من جديد لإمرة مؤسسة المجلس الأعلى للقضاء التي كانوا قد تولّوا إدارتها.
في حين، أن هذه المناصب العليا الحكميّة تأتي كخاتمة لمسار العمل القضائي وكتتويج مهني مستحق لصاحبها. الأمر الذي أسبغ عليها، عرفاً ممسوكاً، طابع عدم القابلية للعزل (Inamovibilité) الذي تمّ تكريسه بالقانون القديم، كذلك في غالبية النظم القضائية الغربية.
6- بحيث إن الآلية المقرّة لتكوين المجلس الأعلى للقضاء على ثلاثة مستويات (niveaux) مختلفة، إنما تشكّل مخالفة تنظيمية جوهرية، لأنها تُسقط قاعدة المساواة والتساوي في ما بين أعضائه، من جهة، وتولّد، من جهة ثانية، تداخلات وانقسامات بين أعضاء الجسم القضائي بحدّ ذاته.
في حين، أنه كان من المستحسن توحيد هذه الآلية لكبح التجاذبات المختلفة المصادر داخل الجسم القضائي. وذلك عن طريق التعيين المقيّد بأسماء مقترحة من مجلس القضاء الأعلى بموجب مرسوم يصدر عن مجلس الوزراء توازياً مع كيفية تكوين هيئة التفتيش القضائي وتكوين هيئة التقييم القضائي بكامل أعضائهما.
7- فالسلطة الحاكمة، تحت ستار تحرير المؤسسة القضائية من وصاية السلطة السياسية عليها، ذهبت الى تفخيخ هرميتها وإسقاط هيبتها وشرذمة رجالاتها، عن طريق تحويل المناصب العليا الحكمية بعد زيادتها الى أربعة (منصب للطائفة الشيعية) في المجلس الاعلى للقضاء، الضابط لإيقاع العمل القضائي والمثبّت لمساره، الى ولايات زمنية يتناوب عليها المرشحون على التوالي. الامر الذي يفقدها هيبتها وسطوتها وثباتها وفعاليتها تجاه الجسم القضائي.
ب- أولى مجلس شورى حق الرقابة على أعمال المؤسسة القضائية ومقرّرات المجلس الأعلى للقضاء لجهة:
1- الفصل بالطعن المقدّم ضد قرار المجلس الأعلى للقضاء برفض طلب الترشيح المقدّم من قاضٍ لعضوية المجلس المذكور.
2- الفصل بالطعون المقدّمة ضد القرارات الصادرة عن المجلس الأعلى للقضاء لجهة شرعيتها دون ملاءمتها.
3- البتّ بالطعن المقدم ضد القرار الصادر عن المجلس الأعلى للقضاء والذي أعلن فيه عدم أهلية قاضٍ متدرّج لتولّي القضاء الأصيل.
4- الفصل بالمراجعة التي ترمي الى الطعن بقرار المجلس التأديبي الخاص بالمساعدين القضائيين،

بحيث إن إخضاع العديد من قرارات المجلس الأعلى للقضاء للرقابة القضائية من قبل مجلس شورى الدولة، إنما يعطي هذا الأخير دوراً ومرتبةً يعلوان دوره ومرتبته. الأمر الذي يخالف قواعد الانتظام المؤسساتي.
ج- وضع قيداً على القاضي عضو المجلس الأعلى للقضاء، مفاده، أنه، حتى بعد إنتهاء ولايته، لا يحق له أن يترشّح أو يعيّن أو ينتخب لمنصب عام إلاّ بعد مرور سنتين على إستقالته من القضاء أو إحالته على التقاعد. الأمر الذي سيحمل العديد من القضاة الكفوئين والجديرين على عدم الترشّح لعضوية هذا المجلس.
د- رخّص للعموم بالتشكّي مباشرةً لدى المجلس الأعلى للقضاء الذي يمكنه أن يتخذ القرار أو التوصية بموضوع الشكوى التي قُدّمت لديه، في حال إعتبر نفسه مختصاً بالنظر فيها. على أن يُبلغ قراره هذا من المشتكي.
غير أن هذا التدبير الذي أُقرّ يفتح الباب لإغراق المجلس الأعلى للقضاء بالشكاوى من كلّ حدبٍ وصوبٍ. في حين أن هيئة التفتيش القضائي هي المولجة بحكم القانون لتلقيها ومعالجتها وإتخاذ موقف منها.
هـ – رخّص بتكوين الهيئة العامة لمحكمة التمييز من رؤساء غرفها الأصيلين وحتى المنتدبين بقرار من المجلس الأعلى للقضاء. الأمر الذي يجعل تكوينها عرضةً للإنحراف عن التجرّد والجدارة. بفعل (ربما) غرضية المرجعية التي تُجري الانتدابات القضائية فيها.
و- أعطى النائب العام التمييزي حق إصدار التعليمات الفردية المتعلّقة بتحريك الدعوى العامة وتسييرها بما في ذلك طلب كفّ التعقّبات في ملف قيد النظر، عبر الرئيس التسلسلي لأي عضو في النيابة العامة. وتكون هذه التعليمات ملزمة لقضاة النيابة العامة جميعهم، شرط أن تكون خطيّة ومعلّلة، ما يجعل تنظيم النيابات العامة هرمياً وتسلسليا،. كما ورد في نص القانون.
غير أن شأن هذا الدور والمهام والصلاحية المعطاة للنائب العام التمييزي ان تجعله رئيساً هرميّاً على قضاة النيابة العامة ممسكاً بمفاصل الدعوى العامة إدعاءً وإسقاطاً، الأمر الذي يتعارض مع مفاهيم العمل القضائي المرتبطة بالإنتظام العام الدستوري والقانوني وإستقلالية القاضي في ممارسة سلطته ومهامه والتعبير عن قناعته القضائية بما يقرّره، وذلك إستناداً الى حكم الفقرة الثانية (2) من المادة 20 من الدستور التي تقول : ” … والقضاة مستقلون في إجراء وظيفتهم وتصدر القرارات والأحكام من قبل كلّ المحاكم وتنفّذ بإسم الشعب اللبناني. ”
كما واستناداً الى نص الفقرة الأولى من المادة 53 الواردة في القانون نفسه، والتي تقول : ” القضاة مستقلون في أداء مهامهم، ضماناً لحقوق المتقاضين وحرياتهم. ”
فكيف يمكن لقانون رمى الى تعزيز إستقلالية القضاة بمعرض ممارستهم لمهامهم أن يكبّلهم وأن يُخضِعهم لوصاية ورقابة وحتى لسلطة أقرانهم بمعرض ممارستهم لتلك المهام ؟
ز- أجاز إمكانية الطعن بقرار المجلس الأعلى للقضاء القاضي “بعدم أهلية” قاضٍ أصيل ممارس، بأكثرية سبعة من أعضائه، أمام الهيئة العامة لمحكمة التمييز (التي لا يقبل قرارها أي طريق من طرق الطعن العادية وغير العادية، بما في ذلك أمام مجلس شورى الدولة). الأمر الذي يتعارض مع غاية وضع المادة التي تولي المجلس الأعلى للقضاء دراسة مشروعية وملاءمة إعلان عدم أهلية ذلك القاضي، بناءً على إقتراح صادر عن هيئة التفتيش القضائي بأكثرية سبعة من أعضائها من أصل الإثنيْ عشر عضواً الذين يؤلّفونها.
ح- حصر حق إكتساب منصب الشرف بالقضاة المتقاعدين، دونما تناول حق القضاة المستقيلين من إكتسابه ضمن شروط وضوابط يحدّدها.
ط- أنشأ “هيئة التقييم القضائي” التي هي هيئة مستقّلة في عملها بإشراف المجلس الأعلى للقضاء، ذات ولاية محدودة المدة، تتولّى تقييم العمل القضائي وأداء القضاة أنفسهم، من خلال “لجنة علمية” تنبثق من بين أعضائها التسعة، وتضع بنتيجة عملها “بطاقة تقييم الاداء” لكلّ قاضٍ.
بحيث يعتمد المجلس الأعلى للقضاء “نظام وضع النقاط” في إسناد المركز القضائي لكلّ قاضٍ أو في إسناد المركز القضائي لكلّ قاضٍ مرشحٍ لمنصب معيّن، بحيث يعود لهذا الأخير أن يطلب من الهيئة، “هيئة التقييم القضائي”، أن تعدّل في بطاقة الأداء الخاصة به ضمن مهلة، تحت طائلة إعتباره موافقاً على نتيجة تقييمه، الأمر الذي يتنافى ويتعارض مع طبيعة المهام القضائية، حيث يُترك لهيئة التفتيش القضائي وضعَ أطرٍ وضوابط وقواعد وقيود، هي غالباً ما تكون عرفيةً لغرض ممارسة الرقابة على عمل القاضي أثناء ممارسته لمهامه وتقييم أدائه كمّاً ونوعاً وسلوكاً.
كما يتعارض مع هيبة العمل القضائي وخصوصيته وفرادته، لكون القاضي يمارس سلطة دستورية بمعرض عمله ويجتهد في تطبيق القانون ويرسي قواعد العدالة والاستقرار في المجتمع.
ي- أجاز للقضاة الإنتساب الى الجمعيات التي أهدافها لا تتنافى مع مبادىء حقوق الإنسان والعدالة والمساواة. الأمر الذي يفتح ثغرة في إستقلالية وحيادية القاضي، ويُسقط حيّزاً مهماً من موجب التحفّظ الذي يرتبط بمهامه القضائية. كما يطرح أكثر من جدلية حول ممارسته العمل السياسي المقنّع من خلال إنتسابه الى مثل تلك الجمعيات، التي غالباً ما تُعلن أهدافاً وتُضمر نقيضَها.
ق- فتحَ باب الإعتراض على الحكم التأديبي الغيابي، علماً أن المحاكمة التأديبية للقاضي لا تبرّر له شرعاً وواقعاً تغيّبه عنها حتى يصدر حكماً غيابياً بحقه يعود له حق الإعتراض عليه لاحقاً. الأمر الذي يُجيز إطالة أمد المحاكمة التأديبية من قبل القاضي المحال على المجلس التأديبي قبل إنبرام القرار التأديبي بحقّه.
ل- لم يُنشئ محكمة لتوحيد الاجتهاد المبعثر والمتناقض غالباً في ذات المسائل الحساسة، ما يجعل التقاضي إنتقائياً من قبل المتقاضين امام محاكم دون أخرى.
م- لم يُخضع القضاة من ذات الاختصاص النوعي، لدورات تثقيفية ومؤتمرات حوارية (colloques) يتدارسون خلالها المسارات الاجتهادية التي يمارسونها لغرض توحيدها، ما أمكن، في مصلحة العدالة الفضلى وتسريع إجراءات التقاضي.
ن- في الخلاصة :
1- إن القانون الذي تمّ إقراره له طابع القانون الأساسي (loi fondamentale) لكونه ينظّم السلطة الدستورية الثالثة في البلاد أي السلطة القضائية. بحيث لا يجوز من هذه الزاوية أن يكون يعتريه هذا الكمّ الجوهري من الشوائب. لا سيما بعدما مرّ بمخاض عسير إستمرّ لسنوات وشاركت في وضعه مرجعيات سياسية وقضائية ومهنية وإستشارية على كافة المستويات.
2- علماً أن التركيبة المؤسساتية المركزية في لبنان هي مطعّمة دوماً بالتوزيعات والتوازنات الطائفية ما يجعل قوننتها أمراً في غاية الصعوبة والدقّة.
3- كما وأنّ السعي الى توفير أكبر قدر من الاستقلالية للسلطة القضائية لا يصحّ السير به على نحو يهدّد إستقرارها الداخلي وحسن سير المرفق العام فيها عبر خلق تجاذبات ومنازعات وانقسامات واصطفافات وتيارات طائفية وسياسية داخلها بفعل الإنتخابات التي ستُجرى لإنتخاب أعضاء أربعة (4) في المجلس الأعلى للقضاء.
4- كما يكون المشرع اللبناني، تحت قناع تثبيت استقلال السلطة القضائية دوماً، قد بعثر مرتكزات المؤسسة والهرمية فيها وأسقط المناصب العليا الحكميّة من هيبتها ومناعتها ومكانتها.
5- في حين، أن المشرّع نفسه قد وضع آلية لتعيين الأعضاء الحكميين في المجلس الأعلى للقضاء ولتكوين كامل هيئتي التفتيش القضائي والتقييم القضائي، لا تخلو من التقييد المُحكَم لتدخّل السلطة الإجرائية في عمليتيْ التعيين والتكوين الملحوظين. حتى كان أجدر به أن يوحّد إعتماد تلك الآلية على مدى أحكام هذا القانون بكليّته تفادياً لكلّ المحاذير التي أتينا على تفنيدها.
6- كما وإنه لا يصحّ أن يكون المشرّع قد استسهل الوقوع في كلّ الشوائب المفصلية التي بيّناها. التي، إما أنها تنال من إستقلالية القاضي بمعرض ممارسته لمهامه أو حتى من مكانته، وإما أنها تقيم رقابة قضائية على أدائه، كما على أعمال ومقرّرات المجلس الأعلى للقضاء، الذي هو السلطة العليا المولجة إنتظام العمل القضائي وحسن سير العمل فيه، كسلطة دستورية مستقلّة.
7- في حين أنه كان بالإمكان تطعيم greffer) ) القانون الحالي بتعديلات مُحكَمة في الصياغة، حتى يتمّ تحقيق وتدعيم هذه الاستقلالية بشكل متقدّم. دونما المساس بجوهر النظام القضائي القائم، الذي يمسك بمفاصل عمل المؤسسة القضائية ويحافظ على تماسكها وسرّيتها وجلالتها وطبيعة مهامها ووحدتها والتراتبية فيها.
8- حتى يصحّ الاستنتاج، في المحصلة، بأن المجلس النيابي ليس أهلاً للتشريع في القوانين الأساسية.
ذلك أن هذا المضمار في التشريع يتطلّب على الدوام البصيرة والتبصّر والرؤيوية، كذلك المعرفة الدقيقة بفلسفة وجود وتكوين المؤسسة التي يتمّ تنظيم عملها، وذلك حتى يأتي متناسقاً ومعالجاً وغيرَ مثيرٍ لأي نوع من الإشكاليات الجوهرية.
“محكمة” – الخميس في 2025/8/14

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!