مقالات

كتاب مفتوح إلى ضمير الزميلات والزملاء المحامين/اسكندر الياس

المحامي اسكندر الياس:
ليست إنتخابات نقابة المحامين موسماً لإستعراض القوة، ولا مناسبةً لتعداد الولائم، ولا ساحةً لتصفية الحسابات السياسية. إنها إمتحانٌ لضمير المهنة، وإختبارٌ لقدرة المحامين على إختيار من يحمي المهنة، ويصون النقابة، لا من يوسّع نفوذ فريقه.
فالنقابة، منذ نشأتها، لم تُبنَ على الولائم، بل على المبادئ. ولم يصنع تاريخها القاعات الفاخرة، بل أصحاب الكلمة الحرة الذين جعلوا من إستقلال المهنة عنواناً لهم، ومن الدفاع عن الحقوق رسالتهم الأولى.
غير أن بعض الحملات الإنتخابية باتت تعطي للمآدب واللقاءات الاجتماعية مساحةً تكاد تطغى على البرامج النقابية.
لا شك أن التواصل بين الزملاء أمر محمود، لكن حين تتحول الوليمة إلى وسيلة إنتخابية، يصبح من حق المحامي أن يتساءل:
هل المطلوب أن أردّ المجاملة؟
وما الهدف النهائي من كل هذا الإنفاق الذي تجاوز أكثر من مرة النصف مليون دولار ؟
إن كرامة المحامي أكبر من أن تُستمال بمائدة. فهو لا يصوّت لمن أحسن ضيافته، بل لمن أحسن الدفاع عن قضايا المهنة.
وما يثير القلق أيضاً، هو دخول السياسة على خط الإنتخابات النقابية. فالمرشح الذي يخوض حملته بخطاب يغلب عليه الطابع السياسي يجد صعوبة في إقناع زملائه بأن النقابة ستبقى مستقلة عن الإصطفافات.
ليس المطلوب حرمان المحامي من آرائه السياسية الذي هو حق طبيعي له، لكن النقابة ليست صندوق بريد للصراعات السياسية، بل بيت للمهنة، الذي يفترض أن يلتقي فيه الجميع على جملة مسلمات، هي: الحرية، والكرامة، والدفاع عن إستقلال المحاماة والقضاء وسيادة القانون، وحماية حقوق المحامين، وتطوير المهنة، وتعزيز صندوق التقاعد والضمان الصحي للمحامين، ورفع مكانة النقابة في الداخل والخارج، والأهم إعادة الهيبة للمهنة ولعمل المحامين.
والنقابة لا تحتاج إلى من يَعِد الجميع بكل شيء، ولا إلى من يساير الجميع في كل شيء، بل إلى من يملك شجاعة القرار، فيقول “نعم” عندما يفرضها الحق، ويقول “لا” عندما يوجبها القانون.
فالمسايرة ليست قيادة، وإرضاء الجميع ليس نجاحاً. ومن لا يجرؤ على إتخاذ القرار الصعب، لن يستطيع حماية النقابة عندما تقتضي المصلحة ذلك.
وقد يكون تطبيق القانون مؤلماً أحياناً، لكن تعطيله أشد ألماً على المؤسسة. فالقرارات الصعبة ليست دليلاً على القسوة، بل على تحمل المسؤولية. أما النقابة التي تخشى تطبيق قوانينها، فلا تحمي هيبتها ولا رسالتها.
آن الأوان لأن يعود النقاش إلى جوهره. فالموضوع الأساسي ليس من يدعم المرشح ومن حضر لقاءاته، بل ماذا قدم للمهنة وما الذي يستطيع أن يقدمه لها، وهل يملك الإستقلالية والشجاعة لتطبيق القوانين والأنظمة النقابية على الجميع بلا محاباة.
لذلك، إذا أردنا أن تبقى نقابة المحامين مرجعاً للحرية والعدالة وسيادة القانون، فليكن معيار الإختيار مهنياً خالصاً، وليبقَ التنافس على الأفكار والبرامج والسيرة المهنية والنقابية، لا على الولائم ولا على الإصطفافات السياسية.
“محكمة” – الاربعاء في 2026/7/22

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!