العملاق… في بلادِ الواقِ واق!(قصة قاض فاسد)/جمال الحلو
القاضي م. جمال الحلو:
ليست الأممُ بما تُشيِّدُه من قصورٍ شاهقة، ولا بما تملكه من خزائنَ عامرة، وإنَّما بما تُقيمه من عدلٍ يطمئنُّ إليه المظلوم، وبما تُشيِّده من قضاءٍ لا يبيعُ ضميرَه ولا يشتريه. فإذا صَلُحَ القضاءُ صَلُحَتِ البلاد، وإذا فَسَدَ، تزلزلت أركانُها، وضاعت الحقوقُ بين أيدي أصحابها، وصار الظلمُ قانونًا، والباطلُ سلطانًا، وأضحى الناسُ يتوارثون الخوفَ بدلَ الأمل.
وفي بلادِ الواقِ واق، حيث تمتزجُ الأسطورةُ بالعبرة، وتنسجُ الحكاياتُ خيوطَ الحكمة، تُروى قصةُ قاضٍ جعل من المنصبِ سُلَّمًا إلى الثروة، ومن العدالةِ سلعةً تُباعُ في أسواقِ الطامعين، حتى ظنَّ أنَّ الزمانَ قد كُتبَ له وحده، وأنَّ الحسابَ لن يبلغه أبدًا.
وُلِدَ ذلك القاضي في أسرةٍ متوسِّطةِ الحال، وبدأ حياتَه عاملًا فنِّيًّا في أحد المصانع، يجمعُ بين عناءِ النهارِ في العمل، وسهرِ الليلِ في طلبِ العلم، حتى التحق بكليةِ الحقوق، ثم بمعهدِ القضاء في بلادِ الواقِ واق، فكان الناسُ يرجون له مستقبلًا مشرقًا، ويظنُّون أنَّه سيكون من حماةِ العدالة.
غير أنَّ النفسَ إذا استبدَّ بها الطمعُ أعمى بصيرتَها، وما إن تخرَّج قاضيًا عاملًا حتى أخذ يفكِّر في أقصرِ الطرقِ إلى جمعِ المال، لا في إقامةِ العدل. فراح يبحثُ عن مفاتيحَ من عالمِ المحاماة، حتى وجد نفرًا من ذوي النفوسِ المريضة، فانعقدت بينهم عُرى المصالح، وصارت العدالةُ عندهم تجارةً رابحة، يتقاسمون غنائمَها في الخفاء.
وهكذا بدأ عهدُ نَشْلِ الغريق، وإطفاءِ الحريق، وفتحِ المضيق، وقلبِ الألوان (بالمعنى السلبي)؛ فصار الحقُّ باطلًا، والباطلُ حقًّا، تُغيَّر الوقائع، وتُشوَّه الحقائق، وتُصاغ الأحكامُ على مقاسِ أصحابِ المال والنفوذ.
باع ضميرَه بعَرَضٍ من الدنيا قليل، واشتهر في قضايا تزويرِ الحقائق، وترويجِ المخدِّرات، وجرائمِ القتلِ على اختلافِ صورها، فكان يُبرِّئ من يدفعُ المالَ والذهبَ، ويُغدقُ عليه الهدايا، ويُؤمِّنُ له أسبابَ الترفِ والأسفارِ إلى الجزرِ البعيدةِ في المحيطاتِ الشاسعة.
ومع مرورِ الأعوام، تدرَّج في المناصبِ الجزائية، حتى بلغ أعلى المراتب، وصار قاضيَ القضاة، يملك من النفوذِ ما يجعلُ كثيرين يخشون بطشَه، ويحسبون لكلِّ كلمةٍ يقولها ألفَ حساب.
نال رِضا أهلِ السياسة، وامتلأت خزائنُه، واشتهر بالخساسة بعد أن تقلَّد المناصبَ الحسَّاسة، وباع واشترى في سوقِ النخاسة، وافترى على زملائه، وقرَّب إليه الفاسدين، وأقصى الصالحين، حتى غدا الفسادُ في عهده كأنَّه أمرٌ مألوف، لا يُستنكر ولا يُحاسَب عليه.
وكان يسرحُ ويمرح، كلما وجد له مطرحًا، لا يخشى مساءلةً، ولا يهابُ محاسبةً، حتى خرج إلى التقاعد، وهو لا يكاد يعلم مقدارَ ما جمع من الأموال، وما ملك من الأراضي الشاسعة، وما ادَّخر من الذهبِ والفضة، كأنَّه ظنَّ أنَّ الدنيا خُلِقَت لتدومَ له، وأنَّ الموتَ والحسابَ لا يعرفان طريقًا إليه.
وتقدَّم به العمر، وأخذ يُمنِّي نفسَه بأنَّه أفلت من العقاب، وأنَّ ما مضى قد أصبح في طيِّ النسيان.
ولكنَّ الأقدارَ تُخبِّئ للظالمين ما لا يخطرُ لهم على بال.
ففي يومٍ من الأيام، وقع انقلابٌ في بلادِ الواقِ واق، وتولَّى المشيرُ فارسُ العملاق قيادةَ البلاد.
وما إن استقرَّ له الأمر، حتى أصدر أمرًا بإحضارِ القاضي المتقاعد.
دخل الرجلُ عليه، وقد اصفرَّ وجهُه من غير علَّة، وارتجفت فرائصُه قبل أن ينطق.
فقال له المشيرُ، في هدوءٍ يسبقُ العاصفة:
ــ كم كان راتبُك، أيُّها القاضي، حين كنتَ على رأسِ عملك؟
ثم أردف:
ــ وكيف أصبحتَ تملكُ كلَّ هذه الأموال، وهذه الأراضي، وتلك الكنوز؟
ساد الصمت.
وتلعثم شيخُ الفاسدين، وأعياه الجواب، فلا دفعت عنه الأموالُ خوفَه، ولا أنقذته المناصبُ التي طالما تباهى بها.
فصدر الأمرُ بإيداعه السجن، وصودرت أموالُه المنقولةُ وغيرُ المنقولة، وأُعيد الاعتبارُ للقضاةِ الشرفاء الذين ظلمهم، وعاد الحقُّ إلى أهله، وبدأ عهدٌ جديدٌ عنوانُه: لا أحدَ فوق القانون، ولا حصانةَ لفاسدٍ مهما علا شأنُه.
وهكذا انتهت رحلةُ رجلٍ ظنَّ أنَّ المنصبَ يُخلِّده، وأنَّ المالَ يحميه، وأنَّ النفوذَ يُعفيه من الحساب، فإذا به يكتشف، بعد فواتِ الأوان، أنَّ العدالةَ قد تتأخر، ولكنَّها لا تموت، وأنَّ الأيامَ دُوَلٌ بين الناس، وأنَّ دوامَ الحالِ من المحال.
صفوة القول:
إنَّ هذه الحكاية، وإن دارت أحداثُها في بلادِ الواقِ واق، فإنَّ رسالتها تتجاوز حدودَ المكانِ والزمان؛ فكلُّ منصبٍ أمانة، وكلُّ سلطةٍ مسؤولية، وكلُّ حكمٍ سيقف صاحبُه يومًا بين يدي عدالةٍ لا تُشترى ولا تُباع.
فليعلم كلُّ من باع ضميرَه بثمنٍ بخس، أو ظنَّ أنَّ المالَ يُخفي الحقيقة، أو أنَّ النفوذَ يُسقط الحساب، أنَّ للتاريخِ ذاكرةً لا تنسى، وللحقِّ ساعةً لا بدَّ أن تأتي، وأنَّ اللهَ سبحانه وتعالى يُمهلُ ولا يُهمل.
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.صدق الله العظيم.
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/7/21



