مقالات

حرية التعبير المسؤولة وايصال الرسالة بأسلوب راقٍ/ناضر كسبار

ناضر كسبار (نقيب المحامين في بيروت سابقاً):
في معظم مرافعاتي امام محكمة المطبوعات منذ خمس وثلاثين سنة، كنت أبدأُ بالقول ان الصحافة مرآة المجتمع، وتعكس وتنقل ما يحصل فيه من اخبار حسنة وسيئة، ولكن ضمن ضوابط قانونية. فلا يمكن ان تقول وسائل الاعلام مثلاً ان الوضع بألف خير على مختلف الصعد الامنية والاقتصادية والادارية والاجتماعية اذا لم يكن كذلك. واذا كان هناك فساد فيجب لفت النظر اليه دون التعرض لكرامة وشرف الآخرين.
وكانت وسائل الاعلام من تلفزيونات واذاعات وصحف ومجلات، تتعرض للشكاوى من مواطنين لأنّها تقام بناء على شكوى المتضرر، او من قبل النيابة العامة في حالات محددة كجرائم الذم والقدح والتشهير وغيرها التي تطال مثلاً رئيس الجمهورية، او حالات التعرض للسلم الاهلي، او للنقد الوطني، او اثارة نعرات طائفية وحض على الاقتتال وغيرها. وكانت هذه الشكاوى بالعشرات يومياً. لدرجة ان صحيفة الديار كانت قد بدأت بنشر التحقيقات في ملف كنيسة الزوق. فتمت ملاحقتها بعد تبلغها اشعاراً بوجوب التوقف عن النشر، لأنّ الملف لم يصل امام المجلس العدلي. فكتب رئيس التحرير العام الاستاذ شارل ايوب مقالة تكلم فيها عن الحرية الاعلامية…فتمت ملاحقته. المهم انه كل يوم كان يكتب مستنكراً ما يحصل الى ان اصبح عدد الشكاوى يوم السبت ست شكاوى. فنشر الكاريكاتوريست في الجريدة كاريكاتوراً يصور اللبناني باللبادة. وكتب في اعلى الصفحة: ست شكاوى في اسبوع ضد شارل ايوب. وكتب على لسان اللبناني:”صبرك يا ايوب”. فتلقينا شكوى سابعة.
الى هذا الحد كان التشدد.
فماذا يحصل اليوم مع وسائل التواصل الاجتماعي ومع السايتات وغيرها؟ نحن نعلم ان الفايسبوك مباح امام الجميع. وتأسيس سايت مباح. فنلاحظ ان من امتهن مهنة الصحافة والاعلام، يكتب، بالمبدأ، بشكل اصولي وضمن الحدود المرسومة قانوناً. وهذا الامر ينطبق على امثال السادة سيمون بو فاضل وجانين ملاح ونقولا حنا وعيسى بو عيسى وعلي الموسوي (الذي اصبح زميلاً لنا في المحاماة) وغيرهم. الا اننا، ومن خلال متابعة ما يكتب على الفايسبوك مثلاً. نلاحظ انه يمكن تقديم مئات الشكاوى يومياً (وليس العشرات)، لما تتضمنه الكتابات والبوستات من ذم وقدح وشتم وتحقير وتهديد واخبار كاذبة، وتحريض بشكل لم يسبق له مثيل، ولم نشهد مثله طوال حياتنا. وهذه الجرائم تطال الآخرين من رأس الهرم في المسؤولية وحتى اصغر مسؤول. كما تطال جميع المواطنين دون استثناء. فالفايسبوك هو كالسلاح الذي تسلمه للآخرين. وقد يتسلمه المجرم والعاقل والراشد والولد.
ومع ورود عشرات آلاف الكتابات يومياً، وما يحمله بعضها من ذم وقدح وتحقير وغيرها. نلاحظ ان عدد الشكاوى قليل جداً. فهل السبب هو التراخي في المبادئ؟ ام في الاخلاق وفي الكرامة؟ ام في توسيع مفهوم الحرية في التعبير، ام الخوف من الانتقادات الاضافية نظراً لتوفر وسائل الاعلام في يد الجميع دون استثناء؟.
يبقى ان نشير الى ان حرية التعبير هي حق مقدس. ولكن كرامة وشرف الآخرين هما حق مقدس. فلا يمكن تحت باب حرية التعبير شتم الآخرين وذمهم وإلقاء اتهامات باطلة بحقهم. ولا اعتقد ان احداً وقف امام قضاة التحقيق ومحكمة المطبوعات بقدر ما وقفت مدافعاً عن الاعلاميين وعن حرية التعبير، بعيداً عن شعبوية عدد كبير من جماعة من يسمون انفسهم المجتمع المدني. ومع ذلك اشدد انه يجب كتابة ما يجب كتابته دون التعرض للسلم الاهلي ولكرامة وشرف الآخرين. من مسؤولين وغير مسؤولين. وليكن الانتقاد على المواقف وليس على كرامة الاشخاص واهلهم وذويهم. اذ من حق، لا بل من واجب كل واحد منا، الاضاءة على المواقف الجيدة، وعلى المواقف السيئة، وانتقاد هذه الاخيرة ولكن ضمن الحدود القانونية، بعيداً عن الشتم والسخرية والذم والتحريض. فالكاتب المسؤول يستطيع ان يوصل افكاره بأسلوب راقٍ واخلاقي، وان ينتقد انتقادات قاسية دون التعرض لكرامات الآخرين.
“محكمة” – الجمعة في 2026/3/13

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!