دولة القانون في لبنان.. على ما يبدو كحلم إبليس في الجنة!(عن مصرف لبنان وقانون الشراء العام)/أمين صليبا
أ.د. امين عاطف صليبا:
مسألة متابعة دولة القانون تقع على عاتقنا نحن كرجال قانون دون أي انحياز سوى لنص القانون عملاً بمقولة:”انت صديقي والحق صديقي، عندما تختلفان انا مع الحق”.إذ من واجبنا الإضاءة على ما يعترض نهوض دولة القانون.
مقالتي اليوم مردّها الى السؤال النيابي الذي وُجّه الى هيئة الشراء العام حول قانونية عقد التراضي الذي وقّعه مصرف لبنان مع شركة ( Integrity K2) وهل هو مشمول بقرار مجلس الوزراء رقم 3 تاريخ 2024/10/2 والمادة 46 الفقرة الرابعة من قانون الشراء العام؟
بالمقابل، تحرك بعض القانونيين محذرين من المساس باستقلالية مصرف لبنان، واصفين كتاب هيئة الشراء العام حول الرد على السؤال النيابي والذي اورده في كتابه الموجه الى مجلس الوزراء بتاريخ 2025/8/25، بأنه قرار وكأن هيئة الشراء العام قد تحولت الى سلطة قضائية يمكنها إصدار قرارات!
الغيرة على استقلالية مصرف لبنان، تقتضي على الأقل العودة الى النصوص القانونية، والى “الكتاب – الدستور” على حد تعبير باني الدولة الحديثة الرئيس الراحل فؤاد شهاب.
نحن مع إستقلالية هذا المرفق الحيوي، لكن علينا أن لا ننسى أين اوصلتنا تلك الاستقلالية في عهد الحاكم السابق وبغطاء من السلطة السياسية، لكن عليّ التأكيد بأنني لا أُشكّك في الحاكم الجديد والمجلس المركزي!!
دولة القانون تعني خضوع المسؤول قبل المواطن للقانون، ومداخلتي غير موجهة ضد أحد بقدر ما تهدف لتحقيق مصلحة الدولة والانتظام العام فيها.
لقد اطلعت على حيثيات كتاب الهيئة المنوه عنه اعلاه، وذُهِلت من جواب مصرف لبنان المبني على رأي صادر عن تجمع قدامى القضاة!!!، وما تضمنه من محاولة مكشوفة للإلتفاف على صراحة نص بعض مواد قانون الشراء العام رقم 2021/244 إنطلاقاً من قاعدة قانونية وهي:”لا اجتهاد في معرض النص”. لهذا أُدرِج ما ينص عليه قانون الشراء في هذا المجال:
المادة الأولى:”يحدّد هذا القانون قواعد إجراء الشراء العام وتنفيذه وهو يرتكز على 5 مبادىء التي أعتبرها من الانتظام القانوني العام.”
المادة الثالثة/فقرة 6:”تُطبّق احكام هذا القانون على عمليات الشراء التي يُجريها مصرف لبنان باستثناء طباعة وإصدار النقد وتحويلاته”.
لذلك جاء الرأي الاستشاري لقدامى القضاة متجاوزاً هذين النصين، ليستند بطريقة غير ناجحة الى المادة 46/فقرة 4 التالي نصّها:
“يجوز للهيئة الشارية أن تقوم بالشراء بواسطة إتفاق رضائي، وفقاً لأحكام البند السابع من هذا الفصل عند شراء لوازم أو خدمات أو عند تنفيذ أشغال تستوجب المحافظة على طابعها السري من أجل مقتضيات الأمن والدفاع وذلك وفقاً لقرار يُتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح الوزير المختص الذي يُحدّد الصفة السرية للشراء وأسباب التعاقد الرضائي”.
قبل الرد على عدم صحة الإستناد الى المادة 46 وفق ما ورد في كتاب مصرف لبنان، لا بُدّ من التوضيح بأن الإتفاق الرضائي هو آخر مرحلة تلجأ اليه المؤسسات العامة في الدولة – بما فيها الجيش والمديريات الأمنية – بعد أن تكون قد اعلنت عن رغبتها في إجراء مناقصة عامة، ثم مناقصة محصورة، ثم استدراج عروض، وعندما تفشل، تلجأ الى الاتفاق الرضائي الذي وإن كان يخرق مبدأ الشفافية في التعاقد، لكن الادارة تكون قد استنفدت كافة الطرق التي حدّدها قانون المحاسبة العمومية.
والمُشرّع تطرق الى إمكانية عقد التراضي مباشرة للمحافظة على الطابع السري من اجل مقتضيات الأمن والدفاع، حيث كانت هذه الفقرة محصورة في السابق بالجيش والأجهزة الأمنية! لذلك أعتبِرَ الرأي المشار اليه اعلاه، أن هذا العقد يدخل في نطاق الأمن السيبراني!!! لكن ما العائق من الإعلان على نية مصرف لبنان رغبته في إجراء هذا العقد من دون التطرق الى تفاصيل العمل الذي قد يكون له طابع سري. أين السرية في هذه الايام خاصة في لبنان،حيث الإنكشاف يشمل كافة القطاعات العامة؟
أمّا ما ورّدّ في كتاب مصرف لبنان سنداً للرأي الإستشاري، من أن مصرف لبنان مستقل تماماً كونه لا يخضع لأي وزير وصاية، لكي يعرض الأمر على مجلس الوزراء ويشرح الصفة السرية للعقد، لكي يحظى بقرار من مجلس الوزراء. هذا إسناد أقل ما يقال فيه أنه يجانب الواقع القانوني لموقع وزير المالية، الذي بإمكانه طرح الأمر على مجلس الوزراء الذي خوّله القانون ذلك كون وزارة المالية ممثلة في المجلس المركزي لمصرف لبنان.
لن أطيل في الشرح، وأقول دولة القانون يجب أن تنهض في لبنان. والغيارى على إستقلالية مصرف لبنان عليهم الطلب من مجلس النواب تعديل قانون الشراء في ما خص إخراج كافة أعمال مصرف لبنان من خضوعها لهيئة الشراء العام، وعدم الاكتفاء بمسألة طباعة وإصدار النقد وتحويلاته.
بهذه الطريقة نُكرّس مبادىء دولة القانون التي لا غنى عنها لنهوض لبنان لأنها تؤكد على شفافية التعامل من قبل السلطات وخضوعها للقانون، لأن الأنهيار المالي السابق الذي وقع فيه لبنان مردّه بالدرجة الأولى الى الإتفاقات الرضائية والتلزيمات هنا وهناك خارج أي رقابة ومن دون التقيد بقانون المحاسبة العمومية!
لذلك نأمل أن لا نُلدغ من الجحر مرتين، وكلنا امل بتحقيق ذلك في هذا العهد الجديد الذي يُبنى عليه خلاص لبنان، على الأقل في تحقيق شفافية المناقصات والتعهد، إذ تجارب الماضي تفرض علينا ذلك!
تطبيق القانون من شأنه وحده رفع لبنان من القاع الذي وصل اليه، ولو كان القانون يُطبّق لما وصلنا الى هذا الدرك!!
“محكمة” – الأحد في 2025/8/31



