مقالات

الضمان الاجتماعي في لبنان عام 2025 مسار إصلاحي نحو تعزيز العدالة الاجتماعية وتخفيف الأعباء الصحية عن المضمونين/عاطف منصور

المحامي عاطف حسن منصور:
شكّل عام 2025 محطة مفصلية في تاريخ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في لبنان حيث شهد سلسلة من التدابير التشريعية والتنظيمية والإدارية التي أعادت إحياء دوره الجوهري في حماية العمال والموظفين بعد مرحلة من التراجع الحاد في تقديماته الصحية والاجتماعية نتيجة للأزمات المتلاحقة التي عصفت بالبلاد منذ عام 2019.
لقد انطلقت إدارة الضمان بخطة إصلاحية شاملة طالت هيكل التقديمات الطبية والاستشفائية وتعويض نهاية الخدمة والتوازن المالي، في محاولة جادة لرأب الصدع العميق الذي وقع بين الضمان من جهة، والمستشفيات والأطباء من جهة أخرى.
وارتكز هذا المسار على مجموعة من التعاميم والقوانين التي صدرت تباعاً عاكسة روحاً جديدة في الإدارة، عنوانها العدالة والكفاءة والثقة، فكان أولها إصلاح نظام تعويض نهاية الخدمة من خلال التعميم رقم 618 تاريخ 3 تموز 2025 الصادرعن مدير عام الضمان الاجتماعي تضمن آلية جديدة لحساب تعويض نهاية الخدمة والتي تقضي بمنح المضمون الخيار بين احتساب التعويض وفق الأجر الأخير مضروباً بستة، أو احتسابه على أساس السنوات الفعلية في الخدمة، كما يعتمد الحساب الذي يعطي للعامل المبلغ الأعلى.
وجاء هذا التعديل ليحقق مبدأ العدالة لا سيما لأولئك الذين صرفوا من الخدمة قبل أن يستكملوا سنوات الاستحقاق الطويلة.
وثانياً: رفع التغطية الدوائية والطبية بحيث أصبحت في 17 نيسان 2025 تتراوح بين 80 و 95% من سعر الدواء، حيث شمل القرار نحو 4200 دواء من ضمنها أدوية الأمراض السرطانية والمزمنة.
كما صدر في الفترة نفسها، قرار بتغطية خدمات غسيل الكلى بنسبة 100%، إضافة إلى رفع تعرفة الطبابة العامة خارج المستشفى. وأعقب ذلك تعميم إضافي في 1 تموز 2025 حمل رقم 1633 تضمن وجوب مراجعة استمارات الأدوية التي تتخطى قيمتها بعد التصفية 10 ملايين ل.ل. لضمان ترشيد الصرف.
وثالثاً: زيادة تعرفة الاستشفاء وتحسين شروط التعاون في سياق سعيه لتعزيز العلاقة مع المستشفيات والأطباء، فأصدر الصندوق سلسلة قرارات تهدف إلى تحسين شروط التعاقد وتحفيز القطاع الاستشفائي للاستمرار في استقبال المرضى المضمونين.
فابتداءً من 15 أيار 2025 تقررت زيادة تعرفة العمليات الجراحية بنسبة تراوحت بين 40 و 60% بحسب نوع الإجراء، كما تم رفع التعرفات اليومية للاستشفاء بنسبة بلغت 70% في بعض الحالات.
وترافق هذا التعديل مع التزام الصندوق بتسريع تسديد مستحقات المستشفيات ضمن مهلة لا تتجاوز 60 يوماً، إضافة إلى إعادة تفعيل لجان المراقبة المشتركة لضبط الفوترة العشوائية وضمان الشفافية في التعامل.
وقد ساهمت هذه الإجراءات في عودة العديد من المستشفيات الكبرى إلى العمل مع الضمان بعد سنوات من التوقّف، وأعاد الثقة إلى آلاف المضمونين الذين عانوا من صعوبات في الحصول على العلاج اللائق.
ورابعاً: كان تعزيز الشفافية والحوكمة الرقمية حيث أدركت الإدارة العامة للضمان أن الإصلاح الحقيقي لا يكتمل من دون رقمنة العمليات الإدارية وتحصينها ضد الفساد والبيروقراطية.
ولهذه الغاية أطلقت في حزيران 2025 منصة إلكترونية موحدة تسمح للمضمونين بتقديم طلباتهم وتتبع معاملاتهم والحصول على مستنداتهم الرسمية عن بعد، وذلك ضمن بيئة مؤمنة تراعي حماية البيانات الشخصية.
كما تم اعتماد نظام جديد للرقابة المسبقة على الفواتير الطبية يرتبط مباشرة بمزوّدي الخدمات الطبية والصيدليات، ما خفّف من التلاعب بالفواتير الوهمية الذي كان يثقل كاهل الصندوق.
وخامساً: هي التحديات القائمة وآفاق المستقبل، لأنّه وبالرغم من كلّ ما تحقّق من إصلاحات ملموسة في العام 2025، لا تزال التحدّيات كبيرة لأنّ الصندوق يواجه مشكلة أساسية تتعلق بتضاؤل الاشتراكات بفعل إنخفاض عدد العاملين في القطاع الخاص، وتراجع القيمة الحقيقية للمساهمات بسبب التدهور النقدي.
كما أنّ ملفّ دمج صناديق التقديمات الاجتماعية لا يزال عالقاً في الأدراج رغم الحاجة الملحة إلى توحيد الجهود وترشيد الإنفاق.
إلا أن الأمل قائم بفضل ما تحقق من خطوات فعلية تؤشر إلى تحول نوعي في إدارة الصندوق بقيادة تسعى إلى إعادة الاعتبار لمفهوم “الضمان” كحق إنساني واجتماعي لا يمكن التهاون فيه.
التمني أن يكون عام 2025 بلا شكّ، علامة فارقة في مسار الضمان الاجتماعي في لبنان، لأنّ الإجراءات المتخذة أعادت الاعتبار إلى تثبيت الحماية الاجتماعية، وكانت محطّ إعجاب وتقدير من جانب الموظّفين، فوضعت أسساً متينة لانطلاقة جديدة يمكن البناء عليها.
ويبقى الرهان الأساسي على استمرارية هذا المسار وحمايته من الضغوط السياسية والارتجال الإداري لما فيه خير المضمونين والمجتمع اللبناني بأسره.
“محكمة” – الأربعاء في 2025/7/23

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!