علم وخبر

نقرأ النص بعقل وحكمة (ردّ على ردّ الدكتور رئيف خوري)/عصام اسماعيل

الدكتور عصام إسماعيل:
عندما أصدر مجلس الوزراء القرار رقم 1 تاريخ 2025/8/5 والقرار رقم 1 تاريخ 2025/8/7 المتعلقين بتنفيذ البيان الوزاري للحكومة في شقّه المتعلق ببسط سيادة الدولة على جميع أراضيها بقواها الذاتية حصراً، فإنهما ببنودهما وديباجتهما يثيران إشكاليتين دستوريتين، الأولى منهما أن الحكومة أظهرت بأن القرارين قد صدرا: بناءً وتنفيذاً لوثيقة الوفاق الوطني، وهو أمر لا يمكن قبوله في الفقه الدستوري، لأن السكوت عنه سوف ينقلنا من مقولات خاطئة حول وثيقة الوفاق الوطني إلى تكريسٍ بالنص الرسمي لهذا التفسير الخاطئ.
لذا، كان لا بد أن نأتي بالدليل على أن اسناد قراري مجلس الوزراء المذكورين إلى وثيقة الوفاق الوطني هو تجاوز للأصول وتحميل هذه الوثيقة عكس الغاية التي أرادتها. وليس هناك دليل أفضل من تقديم إقرار صريحِ صادرٍ عن مجلس النواب بهيئته التي أقرّت وثيقة الوفاق الوطني، ومن هنا عندما أتينا على ذكر البيان الوزاري لحكومة الرئيس سليم الحص التي تمّت مناقشته في جلسة مجلس النواب بتاريخ 1989/11/26 فإننا لم نأت على ذكره ونحن نجهل مفاعيل هذا البيان، بل كان المقصد هو تقديم التفسير الذي قدّمه النواب الذين أقروا وثيقة الوفاق الوطني لمعنى الميليشيا الواردة في هذه الوثيقة وسبل مجابهة العدو الاسرائيلي وتحصين المقاومة ودعمها. هؤلاء النواب وبعد نحو الشهر على إقرار الوثيقة ناقشوا البيان الوزاري للحكومة الذي تضمّن ما ذكرناه في مقالتنا السابقة حول تمييز وثيقة الوفاق الوطني ما بين المقاومة والميليشيا. هؤلاء النواب وهم واضعو “الطائف” كان وسيكون قولهم وموقفهم هو المعبّر عن هذه الوثيقة لا بعض المتكلمين الذين أتوا بعدهم بأكثر من خمسين عاماً، فمن أقر الوثيقة هو أصدق من الجميع في التعبير عن مضمونها وفي محضرهم لا يصح تعدد التفسيرات للنص بل نأخذ بهذا التفسير إلى حين تعديل النص الذي أقرّوه بموجب نصٍ موازٍ له بالقوة، فلا يصحّ حتى لمجلس الوزراء أن يفسّر وثيقة الوفاق الوطني بصورة مخالفة للمنطوق الوارد فيها والمحدد في البيان الوزاري للحكومة الأولى حيث تضمّن هذا البيان واجب الحكومة في دعم المقاومة، وبربط هذه الجملة بمقدمة ما ورد في البيان المذكور من أن: “الحكومة بتكوينها واهدافها وخطة عملها هي حكومة الوفاق الوطني التي نصت على قيامها وثيقة الوفاق الوطني،… تلك الوثيقة اساساً ومنطلقاً لبيانها وبرنامجها الوزاري…”، نخلص للقول إنّ وثيقة الوفاق الوطني قد حيّدت المقاومة ولم تشملها بالتدابير المتصلة ببسط سلطة الدولة ونزع سلاح الميليشيات وتعزيز القوات المسلحة للقيام بمهمتها في الدفاع عن الوطن ومواجهة العدوان الاسرائيلي، وإن خصوصية هذا البيان نابعة من كونه يعدّ التفسير الوحيد المكتوب والمؤيَّد من النواب المشاركين في إقرار الوثيقة، أما ما يكتب أو يقال غير ذلك، فلا قيمة له ولا يعوّل عليه في التفسير.
الإشكالية الثانية تتصل بحدود اختصاص مجلس الوزراء، إذ إن السلطات الدستورية ليست حرّة التصرف كيفما تشاء، بل هي مقيّدة بحدود اختصاصها المحدد في الدستور الذي إما أن يمنح الحكومة اختصاصات نهائية أو اختصاصات تحضيرية.
ومن الاختصاصات التحضيرية ما ورد في المادة 65 من الدستور تحت عنوان القضايا الأساسية، فهذه القضايا الأساسية ليس جميعها تدخل ضمن صلاحية التقرير النهائي لمجلس الوزراء، بل إن منها ما يقتصر دور المجلس على الاقتراح فقط، وعلى سبيل المثال: قانون الانتخاب، قانون الجنسية، الاتفاقيات الدولية، تعديل الدستور، إعادة النظر بالتقسيم الإداري، الموازنة العامة للدولة، الخطط الانمائية الشاملة والطويلة المدى، قوانين الأحوال الشخصية..، هذه العناوين الوارد ضمن المادة 65 المتعلقة بصلاحية مجلس الوزراء هي حتماً لا تدخل في اختصاصه النهائي، ومن خلال اسقاط هذا المنطق على القرارين الصادرين عن مجلس الوزراء نجد أنهما بمضمونهما ليسا شأناً تنفيذياً خالصاً يمكن للحكومة أن تقرر به لا سيما لناحية المفاعيل التي تترتب عليهما ولناحية تجاوزهما حدود ما أقرّته وثيقة الوفاق الوطني من وجوب ردّ العدوان والدفاع عن الوطن، فهما يرتبطان بمصير الشعب والأرض وبمنطق العيش المشترك الذي يعدّ الركن الأساسي في الدستور والوثيقة التي أتت على ذكر العيش المشترك أربع مرّات للتأكيد على اعتماده بوصلة في التقرير، أفلا يكون قرارا مجلس الوزراء بهذا التوصيف من القضايا المصيرية؟
وحيث إنّ الدستور أناط سلطة التقرير في القضايا المصيرية بمجلس الشيوخ، فإنه إلى حين إنشاء هذا المجلس تبقى صلاحية التقرير بشأن القضايا المصيرية لدى مجلس النواب، ويقتصر دور الحكومة على رفع اقتراحاتها بهذا الشأن.
إنّ مقالتي السابقة بعنوان: “المقاومة من القضايا المصيرية التي يخرج التقرير بشأنها عن اختصاص مجلس الوزراء” المنشورة في الموقع الالكتروني لمجلة “محكمة”، قد اكتفت بشرح مقتضب لهاتين الإشكاليتين، وقد كتبت بعين العقل والحكمة، وكانت غايتها البيان بأنه آن الآوان بأن تلتزم كل سلطة حدود اختصاصها، وأن تراعي مبدأ فصل السلطات وتعاونها، وأن تختار عند صناعة النص، الأسلوب الذي يحمي المجتمع ويصونه، وما دامت الغاية من الدساتير هي حفظ المصلحة العامة وضمان أمن المجتمع واستقراره وحفظ كرامة أبنائه وضمان تقدم الوطن وازدهاره.
“محكمة” – الأربعاء في 2025/12/17

المقاومة من القضايا المصيرية التي يخرج التقرير بشأنها عن اختصاص مجلس الوزراء/عصام اسماعيل

إنتهاك فاضح للدستور/رئيف خوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!